ولما كان الحديث ذا شجون، وإفادة العلم تحقق للطالبين ما يرجون، وتجدد لهم ما ينسى الخليع أيام المجون، أحببت أن أذكر ههنا فائدة غريبة ذكرها المؤرخون، وهو أن كل سادس قائم بأمر الأمة مخلوع، وها أنا أذكر ما ذكروه، وأزيد عليه قدرا يسيرا من سيرة كل واحد منهم، وأيامه وسبب موته ومدة خلافته وعمره، لتكمل بذلك الفائدة، وتحل الجدوى والعائدة.
قال المؤرخون: إن أول قائم بأمر الأمة النبي ﷺ، بعثه الله تعالى على فترة من الرسل، رحمة للعالمين، فبلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده، ونصح الأمة وعبد ربه حتى أتاه اليقين، فهو أفضل الخلق وأشرف الرسل، نبي الرحمة وإمام المتقين، وحامل لواء الحمد وصاحب الشفاعة، والمقام المحمود، والحوض المورود. آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائه، فهو خير الأنبياء، وأمته خير الأمم، وأصحابه أفضل الناس بعد الأنبياء، وملته أشرف الملل له المعجزات الباهرة، والخلق العظيم والعقل الكامل الجسيم، والنسب الأشرف والجمال المطلق، والكرم الأوفر والشجاعة التامة، والحلم الزائد، والعلم النافع، والعمل الأرفع والخوف الأكمل، والتقوى الباهرة، فهو أفصح الخلق وأكملهم في كل صفات الكمال وأبعد الخلق عن الدناآت والنقائص وفيه قال الشاعر:
لم يخلق الرحمن مثل محمد أبدا وعلمي أنه لا يخلق
قالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ، إذا كان في بيته في مهنة أهله، أي في خدمتهم، وكان يفلي ثوبه ويرقعه، ويخصف نعله ويخدم نفسه، ويعلق ناضحه، ويقم البيت أي يكنسه، ويعقل البعير ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السوق، وكان ﵊ متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة. وقد قال علي رضي الله تعالى عنه: سألت رسول الله ﷺ عن سنته، فقال: «المعرفة رأس مالي والحب أساسي والشوق
[ ١ / ٧٥ ]
مركبي، وذكر الله أنيسي والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والفقر فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي وقرة عيني في الصلاة.
وأما حلمه ﷺ، وجوده وشجاعته، وحياؤه وحسن عشرته، وشفقته ورأفته، ورحمته وبره، وعدله ووقاره، وصبره وهيبته، وثقته وبقية خصاله الحميدة، التي لا تكاد تحصر فكثيرة جدا فقد صنف العلماء رضي الله تعالى عنهم في سيرته وأيامه، ومبعثه وغزواته، وأخلاقه ومعجزاته، ومحاسنه وشمائله، كتبا جمة، ولو أردنا ذكر قدر يسير منها لجاء في مجلدات كثيرة، ولسنا بصدد ذلك في هذا الكتاب، قالوا: وكانت وفاته ﷺ بعد أن أكمل الله تعالى لنا ديننا وأتم علينا نعمته في وسط يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة أحدى عشرة، وله ﷺ ثلاث وستون سنة وتولى غسله علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ودفن ﷺ في حجرته التي بناها لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.