مولده غزة الشام، وانتقل إلى العراق وإلى خراسان وأصفهان وكرمان وفارس وخوزستان، وطال عمره، وراج سعر شعره، وماج بحر فكره، وأتى بكل معنى مخترع، ونظم مبتدع، وحكمة محكمة النسج، وفقرة واضحة النهج، وكلام أحلى من منطق الحسناء، وأعلى من منطقة الجوزاء. فكم له من قصائد كالفرائد، وقلائد كعقود الخرائد، وغرر حسان، ودرر وجمان.
وله في خطبة ألف بيت جمعها من شعره يصف بها حاله نثرًا، ويذكر فضيلة الشعر، ويقول: إن الشعر زبدة الأدب وميدان العرب، كانوا في جاهليتهم يعظمونه تعظيم الشرائع، ويعدونه من أعلى الذرائع. وجاء الإسلام فأجراه على الرسم المعهود في قطع لسان قائله بالجود. وإذا طالعت الأخبار، وصح عندك ما فاض من إحسان النبي ﷺ على حسان، وثابت بن قيس، وخلعه البردة على كعب بن زهير، واهتزازه للشعر الفصيح، وقوله: إن من الشعر لحكمًا علمت أن إكرام الشعراء سنة ألغاها الناس لعمى البصائر، وتركيب الشح في الطباع. وقد كنت في عنفوان الصبا، ألم بخزامى الربا، وأنظمه في غرض يستدعيه، لأذن تعيه، فلما دفعت إلى مضايق الغربة جعلته وسيلة تستحلب أخلاف الشيم، وتستخرج درر الأفعال من أصداف الهمم، حتى إذا خلا من راغب في منقبه تحمد، ومأثرة تخلد، وثبت من الانزواء على فريسة لا يزاحمني فيها أسد، ولا يرضى بها أحد. على أن من سالمه الزمان، أجناه ثمر الإحسان، ومن ساعدته الأيام، أعثرته على الكرام..
[ ٢ / ٢٠٩ ]
هذا يقوله الغزي وفي الكرام بقية، والأعراض من اللؤم نقية، وقد ظفر بحاجته من الممدوحين: كعمي العزيز بأصفهان، والصاحب مكرم بكرمان، والقاضي عماد الدين طاهر بشيراز، الذي أمن بجوده طارق الإعواز، وكانت جائزته للغزي وللقاضي الأرجاني وللسيد أبي الرضا وأمثالهم المعتبرين، لكل واحد ألف دينار أحمر على قصيدة واحدة. فما أقول أناف ي زماننا هذا، وقد عدمنا فيه من يفهم، فضلًا عمن ينعم. ولقد صدق الغزي في قوله:
قالوا: هجرتَ الشعر، قلتُ: ضرورةً باب الدواعي والبواعث مُغْلَقُ
خَلَتِ الديار فلا كريمٌ يُرتَجى منه النوال، ولا مليح يُعْشَق
ومن العجائب أنه لا يُشترى ويُخان فيه، مع الكساد، ويُسرق
الغزي حسن المغزى، وما يعز من المعاني الغر معنى إلا يعزى، يعنى بالمعنى ويحكم منه المبنى، ويودعه اللفظ إيداع الدر الصدف، والبدر السدف. فمن أفراد أبياته التي علت بها راياته، وبهرت آياته، ولم تملل منها غاياته، قوله:
مدحتُ الورى قبله كاذبًا وما صدق الصبح حتى كَذَب
وقوله:
إذا قلّ عقل المرء قَلَّتْ همومه ومن لم يكن ذا مُقلةٍ كيف يرمَد
وقوله:
فقد تُصْقَل الضَّبّاتُ وهي كليلةٌ ويصدأ حَدُّ السيف وهو مُهَنَّد
وقوله:
تسمَّى بأسماء الشهور، فكَفُّه جُمادى، وما ضمّت عليه المحرّم
وردده في معرض أحسن منه، فقال:
أنت جُمادى إذا سُئلت ندىً ويوم تُدْعى إلى العلى رجبُ
وقوله:
لعلّ هدوءًا في التقلقل كامنٌ لأجل سكون الطفل حُرّكَ مَهْده
أعاد هذا المعنى في قصيدة أخرى:
سُكونٌ بِهزّ اليَعْمَلات اكتسبتُه كما سكَّن الأطفالَ هزُّ مُهودها
وقوله:
والناسُ أهدى في القبيح من القَطا وأضلُّ في الحُسنى من الغِربان
وهذه وأمثالها كثيرة في شعره، منيرة في تباشير فجره.
وقوله أيضًا في الشمع:
إني لأشكو خطوبًا لا أُعيّنها ليبرأَ الناس من لومي ومن عَذَلي
كالشمع يبكي ولا يُدْرى أَعبرتُه من صحبة النار أم من فُرقة العسل
روى بعضهم من حُرقة النار أو من فرقة العسل محافظة على التجنيس اللفظي، وأنا أرويه صحبة النار للتطبيق المعنوي. وسمعت أكثر أشعاره من جماعة من الفضلاء كابن كاهويه وابن فضلويه وسيدنا عبد الرحيم بن الأخوة وغيرهم.
ومن جملة قصائده قصيدته التي أجاز بها المعري في كلمته:
هاتِ الحديث عن الزَّوْراء أوْ هِيتا وموقِدِ النار لا تكرى بِتَكْريتا
وقصيدة الغزي:
أَمِطْ عن الدُّرَرِ الزُّهر اليواقيتا واجعلْ لحجّ تلاقينا مواقيتا
فثغرُك اللؤلؤ المبيضّ لا الحجر ال مُسْودّ، لاثمه يطوي السَّباريتا
واللثم يُجْحف بالملثوم كرّته حاشا ثناياك من وَصْمٍ وَحُوشيتا
قابلتَ بالشَّنَب الأجفانَ مُبتسمًا فطاح عن ناظريْك السحرُ منكوتا
فكان فوك اليدَ البيضاء جآء بها موسى، وجفناك هاروتًا وماروتا
جمعتَ ضدَّين كان الجمع بينهما لكلّ جمعٍ من الألباب تَشْتيتا
جسمًا من الماء مشروبًا بأعيننا يَضُمُّ قلبًا من الأصلاد منحوتا
مِسْكًا حسبتُ فؤادًا صار فيك دمًا فلا يغادَر مَسْحوقًا ومَفْتوتا
لو كان كلُّ دمٍ مِسْكًا لصاك بنا ما يخضِب السمرَ والبيض المصاليتا
كِباءُ ذكرك أذكى الطيبِ رائحةً سنا مُحَيّاكَ ردّ البدر مبهوتا
فَضَحْت بالجَيَدِ الغِزلان مُلْتفِتًا ولم تكن عن صِيال الأُسد مَلْفوتا
فهُنّ ينفِرن من خوف ومن وَجَلٍ لبعضهن ويسكنّ الأماريتا
عَذَرْتُ طيفك في هجري وقلتُ له لو اهتديت سبيلًا في الكرى جيتا
أنّى، ودونك من سمر القنا أَجَمٌ مَرَّ الشجاع بها فانصاع مسؤوتا
[ ٢ / ٢١٠ ]
ومنها في وصف الترك وما سُبق إلى هذا المعنى:
وفتيةٍ من كُماة الترك ما تركت للرعد كبّاتهم صَوْتًا ولا صِيتا
قومٌ إذا قُوبلوا كانوا ملائكة حُسنًا وإن قوتلوا كانوا عفاريتا
مُدّت إلى النهب أيديهم وأعينهم فزادهم قلق الأحداق تثبيتا
بدار قارون لو مرّوا على عجلٍ لبات من فاقةٍ لا يملك القوتا
بالحرص فَوَّتني دهري فوائده وكلما زدت حرصًا زاد تفويتا
حبلُ المنى مثل حبل الشمس، متصلًا يُرى، وإن كان عند اللمس مبتوتا
فلا تقل ليت صرف الدهر ساعدني فإنّ في لَيْتَ أَوْمًا يقطع اللِيتا
وشاوِرِ السيف فيما أنت مُزْمعُه فالله نبّت منه العز تنبيتا
واحرّ قلباه من قوم سواسية لما دَعَوْني سُكَيْتًا ظِلْتُ سِكّيتا
والجهل لو كان عودًا يجتني ثمرًا للعندليب لأمسى فوقه حوتا
دنيا اللئيم يدٌ في كفها بَرَصٌ وكل من لمسته صار ممقوتا
كُفْرٌ رجاؤك مَنْ لا فهمَ يَصْحَبُه كان الغبيّ لمن يرجوه طاغوتا
ما سامعٌ بيتَ شعرٍ ليس يفهمه إلا كطارق بَيْتٍ ما حوى بيتا
لا تفخرنّ بما جاد الزمان به ما كلّ من جاب مَرْتًا كان خِرّيتا
كم من بكور إلى إحراز مَنْقَبَةْ جَعَلْتَه لعُطاسِ الفجر تسميتا
بعزمة لو غدا كيوان حاسدها لبات في الفلك العلوي مكبوتا
يا خاطرًا موته بالأمس أخرسني أُنْطِقْتَ بالحاجب الكافي وأُحييتا
أغناك عن كل مِنطيق، ولا عجب وُرُودُك البحرَ ينسيك الهراميتا
سلمان، سُلِّم، من عَزّت مطالبه بُعدًا فخاف من الأعداء تبكيتا
مَنْ زيّن الوزراء الشُّمَّ مجتبيًا وشرّف الرؤساء الغرّ منعوتا
في العلم والجسم لا تخفى زيادته فهل أعادت لنا الأيامُ طالوتا
أقلامه الشَمَع المرغوب فيه ضُحىً ما صافحتْ نارُه زَنْدًا وكبريتا
أما ترى أن قطّ الرأس أصلحها فزاد جِرْمُ سناها بعد ما ليتا
وحسبها من ضياء نسجُها حُلَلًا من منطق لم يكن بالهُجْر مسحوتا
عبارة كزَليخا بهجةً، لقيت خطَّا كيوسف إذ قالت له هِيتا
كن يا أبا الفتح مفتاح النجاح لنا وصارمًا في خطوب الدهر إصليتا
يا مَنْ هو البحر جودًا والأَضا نسبًا جُدْلي بما شئت قد أدركت ما شيتا
وله من قصيدة في مدح الصاحب مكرم بكرمان وقد قصد التجنيس في أوله:
وُرود ركايا الدمع يكفي الركائبا وشَمُّ تراب الربع يَشْفي الترائبا
إذا شِمتَ من برق العقيق عقيقةً فلا تنتجع دون الجفون سحائبا
منازل أُنسٍ من رَبائب مازنٍ ألثَّ رَبابُ المزن فيهنّ ساكبا
ومرّتْ عليها البيضً والسود برهةً فَبّدَّلْنَها بالبيض أسودَ ناعبا
تفرّد واجتاب السواد فخلتُه من الزُّهد فيما يجمع الشمل، راهبا
حملنا من الأيام ما لا نُطيقه كما حمل العظمُ الكسيرُ العصائبا
وليلٍ رجونا أن يَدِبَّ عِذارُه فما اختط حتى صار بالفجر شائبا
فلا تحمَدِ الأيام فيما تفيده فما كان منها كاسيًا كان سالبا
ومنها في صفة العيس:
وعيسٍ لها برهان عيسى بن مريمٍ إذا قتل الفَجُّ العميق المطالبا
يُرَقِّصهنَّ الآلُ إمّا طوافيًا تراهُنَّ في آذيَهٍ أو رواسبا
[ ٢ / ٢١١ ]
سوابح كالنينان تحسب أنني مسخت المطايا إذ مسحت السباسبا
تَنَسَّمْن من كِرمان عَرْفًا عَرَفْنَه فهنّ يلاعِبْن المِراح لواغبا
ومنها:
إلى ماجدٍ لم يقبل المجدَ وارثًا ولكن سعى حتّى حوى المجد كاسبا
كأنَا بضوء البِشْر فوق جبينه نَرى دونه من حاجب الشمس حاجبا
تُصيخُ له الأسماع ما دام قائلًا وتعنو له الأبصار ما دام كاتبا
ولم أر ليثًا خادرًا قبل مُكرَم ينافس في العليا ويعطي الرغائبا
ولو لم يكن لَيْثًا مع الجود لم يكن إذا صال بالأقلام صارت مخالبا
فكم قَطَّ رأسًا ذا ذوائب، قَطُّهُ لهنّ رؤوسًا ما حملن ذوائبا
إذا زانَ قومًا بالمناقب واصفٌ ذكرنا له فضلًا يزين المناقبا
له الشِّيَمُ الشُمُّ التي لو تجسمت لكانت لوجه الدهر عينًا وحاجبا
ثنى نحو شمطاء الوزارة طرفه فصارت بأدنى لحظةٍ منه، كاعبا
تناول أُولاها وما مدَ ساعدًا وأحرز أُخراها وما قام واثبا
وما دافِعُ القوسِ الشديدةِ مَنْزعًا برامٍ، ولكن مُخْرِجُ السهم صائبا
غزير الندى، لولا ينابيع سَيبِه لأصبح ماء الفضل في الناس ناضبا
عَريتُ من الآمال عِزًا وثروةً وكنتُ إلى ثوب المطامع ثائبا
بكفٍ ترى فيْض الندى من بنانها على كلِّ مَنْ تحت السماوات واجبا
عوارف من إحسان مذ عرفتها نوائب عني يوم أخشى النوائب
ومن حسنات الواردِ البحر أنه يرى مُذْنِبًا من لا يَعاف المَذَانبا
ومنها:
طلعتَ طُلوع الفجر، والليلُ غُيْهَبٌ فحلّيتَ بل جَلَّيْتَ تلك الغَياهبا
وَرُقْتَ كتابًا يوم رُعْتَ كتيبةً فواقَعْتَ، مِتلافًا، وَوَقَّعْتَ، واهبا
تَدقّ كعوب الرمح في كلّ دارعٍ وتقتضّ أبكار المعالي كواعبا
وكم حَذِرَتْ منك المنيةُ حتفَها وقام القنا لما تنمرت هائبا
ومنها يصف وقوعه بالخوارج:
ويوم العُمانيّين، ماجُوا وفوقهم سماء قِسِيٍّ ترسل النبل حاصبا
قلوبُهم اسودَّتْ، وصارمُك اشتكى مَشيبًا، فلم تُعْدِمْهُ منهن خاضبا
فأصبح جسمُ الجامد القلب منهم بقلب الحديد الجامد الجسم ذائبا
وَهُمْ ذنبٌ بَتَّ المهلَّبُ رأسه فكنت لما أَبْقى المهلب هالبا
رأَوْك ولم تحضر، ومن كان فضله محيطًا فما يُسْمى، وإن غاب، غائبا
أشرتَ من التدبير، والبحر بينكم بنجمٍ رآه الجيشُ في البرّ ثاقبا
ومِن قبلك الفاروق جاء بمثلها وكان على عود المدينة خاطبا
دنت، يوم أَوْمى، من نهاوند، يثربٌ فنادى: ألا ميلوا عن الطود جانبا
بدا بك وجه الدين أبيضَ مشرقًا ووجه عدوّ الدين أسودَ شاحبا
شفى وصبَ الهيجاء سيفُكَ فلْيدُمْ لك العزّ، ما كرّ الجديدان، واصبا
ومن قصيدة له في مدحه أيضًا:
نُسِخَتْ برِفدكَ آيةُ الحرمان وعَلَتْ لوفدك رايةُ الإحسان
يا ناصر الدين الذي أمطاه ظ هرَ المجد مظْهِرُه على الأديان
يُمناك غيث ما استهلّ غَمامُهُ إلاّ غرقتُ بأيسر التَّهْتان
وصِفات مجدِك لا تكلّف عندها ألفاظ من وصف الكرام معان
خُلِقت مساعيك الشريفة في العلى بمثابة الأرواح في الأبدان
وانقضّ عزمُك فوق كلّ مُلمَةٍ كالشهب أو كثواقب الشهبان
أيَّدتَ فضلك بالتفضّل، والعلى شطران: خطُّ يدٍ وخطُّ لسان
[ ٢ / ٢١٢ ]
وأهنتَ ضدّك بالدليل، ومُكْرَمٌ ما ضدّه في اللفظ غير مُهان
ولقيتَ وفدَكَ والرّكابَ، بطلعةٍ تُسْلي عن الأوطان والأعطان
ومنها:
معنى العُلى لك والدعاوى للورى سُؤْر الهِزَبْر وليمةُ السِرحان
ولقد سَرَيْتُ وللكواكب في الدَجى سَبْحُ الغريق ومِشيةُ النَّشْوان
والبرق ألمعُ من حُسامٍ هزّه بطلٌ، وأخفقُ من فؤادِ جبان
حتى إذا نثر التبلّجُ وردَه متدارِكًا فطفا على الريحان
حَيّيتُ أصحابي وقلت لَيَهْنِكمْ وَضَحَ الصباحُ لمن له عينان
كَوُضوح فضل الصاحب، الغمر الندى لازال صاحب دولة وقِران
مَسحَتْ قذى عينِ الزمانِ خلالُه فرأته وهي نقية الأجفان
ومنها:
إنّ استواءَ الدهرِ مِنْ تَثْقيفِه لا من نزول الشمس في الميزان
ولذاك يزدحم الورى في بابه شَرْوى ازدحامِ الحَبّ في الرُمّان
لا يترك الدينارُ ساحةَ كَفَّهِ حتى ينادى أنتَ رزٌ فلان
وكأنه في كيسه عرض فما يبقى زمانًا فيه بعد زمان
ومنها:
المجد كَفٌّ والسماح بنانها لا خير في كفٍّ بغير بنَانِ
ومنها:
أنا غَرْس نعمتك الشريفة فاسقني واجنِ المناقب من ِجنان جَناني
من شكّ في أدبي فلستُ أَلومُه ما أجهلَ الإنسان بالإنسان
ومنه:
يا ابن الأُلى لمّا غدَوا وَصِاتهم كصَلاتهم، شمخوا على الأقران
صِيدٌ إذا ركبوا لِصَيْدٍ شرّدوا بالأُسد لا بنوافر الغِزلان
أبوابُهم قِبَلُ الملوك تَحُلُّها يومَ السلام جواهر التيجان
ومنها:
إني أراك بناظري فأَعُدُّه مِلكًا سُرادِقه من الأجفان
وعليك أعقِد خِنْصَري ليصحّ لي عددي، فأعرف أولًا من ثان
فاسلم فإنّ مَصون عرضك سالم وعُلاكَ باقيةٌ ومالُكَ فان
وله من قصيدة في شكوى الزمان
مَتى ينجلي ليلُ الظُنون الكواذب ويَبْدو صباح الصدق من جَدّ قاضب
ومنها:
وحَتّامَ أرجو دولَةٌ، وزراؤها يَردّون، إن حَيَّيْتَهم، بالحواجب
مصيبون في تخجيلهم كلّ مادح وعين صواب الرأي تخجيل كاذب
سَواءٌ لديهم ما حوى سِلك ناظِمٍ وما ضمّه في ظُلمةٍ حبلُ حاطِب
شَرَوْا سفهًا بالثعلب الليثَ، واشتَرَوْا بصَرْصَرة البازي صَريرَ الجنادي
ومنها:
قَضَتْ عُنّة التمييز والفهم في الورى بتعنيس أبكار العلوم الكواعب
شَوادر شعري يُفْتَرَعْنَ إغارةً ويُمْلَكْن سبيًا كالإماء الجلائب
ومنها:
وإني لتُغنيني عن السيف عزمتي فهل فيه ما يُغْنيه عن كفّ ضارب
وآنفُ من نومٍ يُقلِّد مِنَّةً بوصلِ خيالٍ من حبيبٍ مُجانِب
ومنها:
هو الفقر من كَسْرِ الفَقار اشتقاقه نِقابٌ به تخفى وجوهُ المَناقب
ومنها:
ولي أدبٌ زان الزمانَ اصطحابُه وقربُ التلاقي غيرُ قُربِ التناسب
وفي صُحبة الضدّ الشريفِ تَزيّنٌ وما الليلُ من جنس النُّجوم الثواقب
ومنها:
عسى بين أحشاء الليالي عجيبةٌ حُبالى الليالي أُمهات العجائب
ومنها:
وبيدٍ تُبيد الصَّبر، أحسنتُ طيَّها فأُبْتُ، وما كانت تجود بآيب
تمنَّيتُ مآء السيف فيها من الصَّدى ومأكل ما سميت مآءً بذائب
ومنها:
يضيق الفضاءُ الرَّحب في عين خائفٍ ويعظُم قدْرُ الفَلْس في قلب خائب
وتهتزُّ بالقطر البحارُ وإنها لمستغنياتٌ عن نَوال السحائب
وله من قصيدة في هجو شروانشاه
[ ٢ / ٢١٣ ]
قُمْ نفترعْها كأَنّها الذهبُ بِكْرًا، أَبوها وأُمّها العِنَبُ
أَرقّ من عَبرةِ اليتيم ومِنْ عبارةِ الصبّ قلْبُه وَصِبُ
مُدامة تصقُل القلوب إِذا رانتْ عليها الهُمومُ والرِيَبُ
كؤوسُها أَنجمٌ نَضِلّ بها لا يهتدي من تُضِلّه الشُهُبُ
لا فَدْم فينا ولا فِدام لها عروسُ دَنّ عقودها الحَبَبُ
مِنْ كفّ مَنْ كَفَّ حُسْنُه صِفَتي فما إِلى وصف حسنه سبب
أَغيدُ، للعين حين ترمُقُه سلامةٌ، في خِلالها عَطب
تبسّم السّحرُ في لواحظه لمّا بكى الناسُ منه وانْتحبوا
واخْضَرّ في وجنتيه خَطُّهما بحافة الماءِ ينبتُ العُشُبُ
يدير منها كخدِّه قدحًا يجتمع الماءُ فيه واللَّهب
منتهزًا فرصة السرور بها فَمَقدَم الحادثات مُرْتقَب
هذا البيت يعود إلى البيت الأول كأنه يقول: قم نفترعها منتهزًا لذة السرور بها.
ومنها في هجو شروانشاه:
رأَيتُ لؤمًا مُصَوّرًا جَسَدًا مُهْجته الاحتيال والكذبُ
على سريرٍ كالنعش، لا رَهَبٌ يَعْلوه من هيبةٍ ولا رغب
وهو عبوس كالفهد مجتمعٌ يكاد من خُنْزُوانةٍ يثب
إِنْ لم تكن همّةٌ فإِنّ له هَمْهَمَةٌ في خلالها صَخَب
يَجْبَه بالهُجْر من يخاطِبُه بين السَّعالي وبينه نَسَب
يَفْرقُه الناس للسّفاهةِ، وال عَقْرب يُخْشى وخدّه تَرِب
مُحْتَجِبًا لا يزالُ وهو إِذا رأَيتَه بالصُّدودِ مُحْتَجِب
وإِنْ بدا سافرًا لناظره فوجهه بالصّدودِ منتَقِب
للجمع والمنع قائمٌ أبدًا كالفيل لا تَنْثَني له رُكَب
ومنها:
يفرحُ ما صامَ ضيْفُه وبِشَمِّ الخُبْزِ، قبل الذواقِ، يكتئب
يلتهب القلْبُ منه بالجُوع، والياقوت في التاج منه يلتهب
ومن هذه القصيدة:
أَنت جُمادى إِذا سُئلتَ ندىً ويومَ تُدْعى إِلى العُلى رجب
ما لك عِرْضٌ تخاف وصْمتَه أَيُّ طلاق يخافه عَزَب
وله من قصيدة:
من عزّ بزّ وعِزُّ الحُرّ في ظَلَفِهْ وإِنما يَسْغَبْ الهِرْماس من أَنَفِهْ
أَسِّسْ على العلم ما ترجو تثبُّته فالجهل ينقُض ما يُبْنى على جُرُفه
ومنها في المدح:
خِرْقٌ سَمَتْ كَفُّه أَن يُسْتعار لها وَصْفُ الغمام، جَلِيُّ القَدّ من هَيَفه
فَبِتُّ أَنْظِم في فكري مناقبه متى سَمِعْتَ بنظم الدرّ في صَدفه
ومنها في أن المستقيم لا يفوز بالغنى والحظ في الدنيا للمعوج:
واسم الغِنى لا يفوزُ المستقيم به كذلك الخطّ لا عَجْمٌ على أَلِفه
مُثَقّفُ الأَسَلِ الظمآن تُرْجعُه دِرْعُ الكَمِيِّ حَطيمًا دون مُرْتَشَفه
والسَّيْلُ من أَجل أَنَّ الرَّعن منتصبٌ أضاه في منحنى الوادي ومُنْعَطفه
لأَيًا تبيّن لي لما تقلّبت الأَيّ ام أَنّ بقاء المال في تَلَفه
أَين الذي ملك الدّنيا وضّن بها مضى وما حملَ الدُّنْيا على كَتِفِه
ومنها:
بالشيب فارقني ذهني، ولا ثمرٌ في العود بعد اشتعال النار في طرفه
وله من قصيدة في التسلية:
خُذْ ما صفا لك فالحياةُ غُرورُ والدّهرُ يَعْدِل تارةً ويجور
لا تَعْتِبَنَّ على الزمان، فإِنّه فَلَكٌ على قُطْبِ اللّجاجِ يدور
أَبدًا يُوَلِّدُ ترحةً من فرحةٍ ويصبّ غمًا منتهاه سرور
هو مُذْنبٍ وعُلاك من حسناته كالنار مُحْرِقةٌ ومنها النور
[ ٢ / ٢١٤ ]
تعفو السّطور إِذا تقادَمَ عَهْدُها والخلق في رِقّ الحياة سُطُور
كلٌّ يَفِرّ من الرَّدى ليفوتَهُ وله إِلى ما فرّ منه مصير
ومنها:
فانظر لِنفسِكَ فالسلامة نُهْزَةٌ وزمانها ضافي الجناح يطير
مرآةُ عَيْشِكَ بالشَّباب صَقيلةٌ وجَناحُ عُمرك بالمشيب كسير
والحاضرون بلا حُضُورِك غُيَّبٌ والغائبون إِذا حضرت حُضور
بادر فإن الوقت سيف قاطع والعمر جيش والشباب أمير
وعوائق الأَيّام آيةُ بُخْلِها أَنْ يستريح بِنَفْثَةٍ مَصْدور
ومنها:
مَلِكٌ أقام وما أَقام ثناؤه ويَسيرُ ما فعل الملوكُ يَسيرُ
أَعطى الكثير من القليلِ تَفَرُّدًا مُعطي القليل من الكثير كثير
ومنها:
ومن العجائب أَن وَفْرَك قطرةٌ وَيَفيضُ منه على العُفاةِ بحور
ومنها:
كم وقعةٍ أَخمدتَ موقع بأْسها والأرضُ تَرْجُف والسماءُ تمور
والموتُ جارٍ والقناة قناتهُ ولها بأَسماعِ الكُماةِ خرير
ومنها:
السّاترين من الحيآء وُجوهَهم والكاشِفوها والعَجاجُ سُتور
غُرٌّ إِذا ركبوا الجِيادَ حَسِبْتَها شُهْبان رجم فَوقهنّ بُدور
يَتزاحَمون على الحِمام كأَنَّه فَرْضٌ يُفَوِّتُ نَيْلَهُ التأْخير
ومنها في وصف فرس طلبه:
إِنْ شاء هَمْلَجَ بي جَوادٌ سابِقٌ كالنجم يَطْلُع ثاقبًا ويغور
قَلِقُ العِنان كأَنَّ فوق تَليله نَمْلٌ، وبين سَمِيعَتَيْهِ صفير
هو جَنَّةٌ للناظرين إِذا مشى أَمّا إِذا ما جاش فهو سعير
لو قيل ثِبْ، وثبيرُ مُعْتَرِضٌ له لِيَتِمَّ حُضْرك ما ثَناهُ ثَبير
سَبَق الجِيادَ مَدىً، وواهبُه الأَنا مَ ندىً، فما للسابِقَيْن نظير
وأعطاني سديد الدولة ابن الأنباري درجًا فيه هذه القصيدة في مدحه بخط الغزي وشعره فلا أرويها إلا عنه، عن الغزي:
سَرَتْ أُمّ أَوْفى عاطلًا من فريدِها فوزَّعْتُ دمعي بين خَدّي وجِيدِها
فباتَتْ تَحَلّى مِنْ فرائد عَبْرتي وتحسِب جِسْمي سِلْك بعض عقودها
مُبَرْقَعَةٌ نَمَّ القِيام بقَدِّها فلم تُخْلِه من بُرْقُعٍ من قعودها
ألَمَّتْ بنا ترنو بأَلحاظِ جُؤْذُرٍ مَناصِلُها في القَطْع دون غمودها
وتَرْفُل في وشْيٍ إِذا اشتاق لمسَها تظلَّمَ من أَرْدافها ونُهودِها
فبتْنا نَشاوى من مُدامةٍ وصًلِها وبات الكرى الساقي برغم صدودها
فيا عجبا من رُؤيةٍ مستحيلة يحقّقها تغميضُ عَيْنَيْ مريدها
خَليلَيّ يحْكين فِعْلَ عُيونِها وأَرماحُها يسْرِقْنَ وصف قدودها
ذَراني وأَوهامَ المطامِعِ فالمُنى تقوم نَساياها مقام نُقودها
ولا تَكْرَها لَيّان لُبْنى فإِنني رأَيت اخضِرار العيش بين وُعودها
ولو حصل الإِنجاز لم يَبْقَ مَطْمَعٌ وَجودُ اشتعال النار داعي خُمودِها
وكنتُ امْرءًا دُنياه دون اهتمامِه فما ذيُّها في ذوقه كَهَبيدِها
متى جئتُ موماةً تفرَّدتُ واثقًا بصُحبة عَسّالَيْن: رمحي وسيْدِها
طُمأْنينتي في أَن أَكونَ مُشَرَّدًا طريدَ خُطوبٍ عزّ مأْوى طريدها
سُكونٌ بهزّ اليَعْمَلات اكتسبتُه كما سَكَّن الأَطفالَ هزُّ مُهودها
وَخَيْرُ مياهِ الوجْهِ ما كان راكدًا وإِنْ أَفسدَ الأَمواهَ طولُ رُكودها
أَرى كلَّ رَسْمٍ للمكارِمِ دارسًا سلامٌ على أَيّامِها وعُهودها
[ ٢ / ٢١٥ ]
وكلّ من اسْتَشْرى بقوة حدّه تجاوَزَ في دَعْواه أَقصى حُدودها
لقد ماتَت النُّعْمى التي ظفروا بها وفي المَيْتة الملقاة حَظٌّ لِدُودِها
يقولون ما سَيَّرْتَ ما يُتَّقى به مَغانِيك غاباتٌ خَلَتْ من أُسودها
وهل سالِبُ العُزْيان إِلاّ منبّهٌ على عَدمِ الأَشياءِ قبْلَ وجودها
وقالوا هجرتَ الكُتْب، والعلمُ وجْهُهُ يزيد بياضًا مِنْ تَصَفُّحِ سُودِها
وما الحفظُ إلاّ كالثّمار قطفتُها وعَلَّقْتُها بالخيط في غير عُودها
طريق البلاغات التصرفُ زادها وفَخْرُ كُفاة العصر خِرّيتُ بيدها
أَفادُ العُلى عبدُ الكريم محمّدًا ولم نره يُعْزى إِلى مستفيدها
فلم يَرْضَ حتّى نالها باْكتسابه طَريفُ العلى أَوْلى بها من تليدها
كسا رؤساءَ العصر دام رئيسُهم مفاخِرَ يجتابُون أَسْنى برودها
فتىً لا تَبُلُّ النَعلَ طشَّةُ حاله وجَدْواه قد عام الورى في مُدودها
فصيحٌ، إِذا مدّ المِداد حِبالَهُ لِمَلْمومَةٍ لم يُعْيه صَيْدُ صِيْدها
أَدِمْ ذِكره وانْسَ الأَوائل جُملةً مكارِمُه نَقْضٌ لبيتِ لَبيدها
ولو لم تكن تُصْمي به الدولةُ العِدى سَما قدرُه عن نَعْته بسَديدها
نشرتَ أَبا عبدِ الإِله مناقبًا أُميتَتْ فَلاحتْ منك شُهْب سُعُودها
وَجُدْتَ ارتجالًا، والغمامة طالما تكرّر يحدُوها ضجيج رُعودها
فما يَقْتضي جَدْواك مُورِدُ مِدْحَةٍ لأَسلافِك الأَثمان قبل وُرودها
وما زلتُ في بغداد بالذكر خادمًا وخِدمةُ مثلي يُكْتَفى بزهيدها
ولو سَمَحَتْ أرض العراق بمُسكةٍ تَرَفَّهْتُ عن جَيْ وأَكلِ قديدها
وما أَنا إِلاّ الطيفُ يُنْسى فلا يُرى ومثلُك مَنْ جاء العُلى من وَصيدها
أَطال اختراعي للمعاني تأَخّري وقُدِّمَ أَقوامُ بسَلْخ جُلودها
ويكْفيكَ مجدًا أَنّ نفْسَ مَطالبي بك اعتصمتْ مِنْ قطع حَبْلِ وريدها
وأَنّ خيام الاهتمام بنُصُرتي يَلوحُ عَمودُ الفجْر تحتَ عمودها
لِيَهْنِ أَميرَ المؤمنين سعادةٌ تَفيضُ بها الأَعراض بعد جُمُودها
فلوْ لم يَصُلْ إِلاّ بيمناك وحدَها لأَمكنَ فتح الخافِقَيْن بجودها
وله وكتبها إلى سديد الدولة ابن الأنباريّ وقد نقلتها من خطه أيضًا يهنئه فيها بخلعة:
رئيسَ الفضْلِ والرؤساء إِني كتبت إِليك ما أَمْلى ضميري
ولي فِكرٌ يوزِّعه التفاتي بصحّتِه إِلى أَملٍ كسير
وليس تأَلُّمي من فَوْتِ رزقٍ ولا عجبًا لإعراض الوزير
ولكن من صُلود زِنادِ عزْمٍ تردَّدَ في الإِقامة والمسير
هُمومي لا تفي هضباتُ رَضْوى بهنّ ولا تقوم ذُرى ثَبير
لِيَفْدِكَ مَعْشَرٌ مُدِحُوا فسَنّوا نِكاحَ الشاردات بلا مهور
متى تجري الخواطرُ في مديحٍ وإِيغارُ الصُّدورِ من الصدور
سديدَ الدولة الأَمواهُ تُثْني على كرمِ المنابعِ بالخرير
ومُدْمِنُ سَبْكِ عِقْيانِ المعاني بصيرٌ، والتأَمُّلُ للبصير
كسوْت المُلكَ ثوبًا من حروفٍ فقابِلْهُ بثوبٍ من حرير
وَوَشْيُ الحِبْر في القِرطاس أَبْقى على الأَيّامِ من وَشْي الحبير
وفي الخِلع الجمالُ ولست أَحْدو بتهْنِئةٍ بهنّ إِليك عِيْري
[ ٢ / ٢١٦ ]
وكيف وكانت الهالاتُ أَحْرى وأَجدرَ أَنْ تُهَنَّأَ بالبدور
محبّتُكَ الأَفاضل في زماني شُعاعُ الشمسِ في الزمن المطير
فَمَهِّدْ عُذرَ من أَمسى نزيفًا بترك الكأْسِ في كفّ المدير
وَدُمْ ما أَطربَتْكَ صَبا صَباحٍ بخدشِ نسيمها وجهَ الغدير
منابِتُك السفيرُ إِلى مُرادي وإِسفار المَطالب بالسفير
وكانت بين الغزّي والأستاذ أبي الطغراني مكاتبات مفيدة وبينهما لنسب الفضل المودة الوكيدة. وكان في زمانه الغزي والأبيوردي والأرجاني كأنهم مع الأستاذ أربعة أركان الفضل، ولم يسمح الزمان لهم بالمثل؛ ولا يجتمع في قرن واحد أمثالهم، وقد عم الزمان فضلهم وإفضالهم، لكن الأستاذ كان من الصدور الكبار. فمن مكاتبات الغزي إلى مؤيد الدين أبي إسمعيل الطغراني اعتذارًا عن أمر نسب إليه وهو يستميحه:
عليك مؤيّدَ الدين اعتمادي فلا تجنَحْ إِلى كَذِب الأَعادي
تمادى المَطْلُ، والآمالُ زرعٌ وطولُ الانتظار من الجراد
وقد أَزِفَ الرحيلُ وأَنت كهفي ومن جَدْواك راحلتي وزادي
محلُّكُ في السماء فأَيُّ شَيْءٍ أمُتُّ به إلى السبعِ الشِداد
وجدتُ جميع ما في الأَرض منها وليس المستعاد بمستفاد
لسان الحسود، أدام الله أيام المجلس السامي دام ساميًا، ولبيضة المجد حاميًا؛ إذا علق بعرض الكرام كان كالنار في المندلي، يبوح بسرطيه الخفي. وهذا الخادم لم يزل في الثناء على الفضل المؤيدي أفصح من الوائلي. فإن وقع من السفهاء إفك فداعيته ما ظهر لهم من انتمائه، وانتساب مزنته إلى سمائه. والمجلس السامي جدير بأن يمج المحال سمعه، ولا يقبل التمويه طبعه، ورأيه في التأمل الصادق أسمى.
وله:
متى جاوَزَ الشوقُ حدّ النزاعِ وكان اللقاءُ عديم الدواعي
جَعَلْتُ الصفاح بكفّ الضمير وشكْوى الهوى بلسان اليراع
الحامل على تشعيث الخاطر الكريم، وتصديع المجلس السامي؛ لا زال ساميًا، ولذمار العلم حاميًا؛ ما فغم الأنف، وشغل الأذن عن الشنف، من أنباء ما اختص بملكه، وانخرط في سلكه، من وفور المجد، وبدار مقاطف ثمر الحمد، على أن التقاط الكواكب، ومباراة السحائب غير بدع ممن اجتمع له الكرم الطبيعي، والمجد المنيعي، والأدب السافر، والصيت المسافر، واعتمد على الهمة التي تجذب حديد الثناء بالجود، والشيمة التي ينسب إليها أرج العود. ولولا ما سدك بإحدى قدمي من وجع في الرجل، قام مقام الحجل، لكنت إلى خدمته أخف من الرجل وإن كنت منذ وطئت هذه البلاد أجوس غمارها ساكتًا كالحوت، أو كالتمثال المنحوت، لعلمي بكساد سوق الكلام، واعتلال الأفهام، وإن قوة البخت، تكسر العبل بالشخت، والمنشود، بعد القيام تحت راية رأيه المنصورة، وما أشبه فيه من كشف الصورة، تمهيد العذر في التأخر عن الاستسعاد باللقاء الحميد، والشفاء المفيد؛ ورأيه في اعتبار ذلك وتحقيقه موفق إن شاء الله.
وسمعت للغزي في غلام سراج بيتين، لم أسمع بأظرف من معناهما. والبيت الأول منهما دخل في شفاعة الثاني:
أَلاَ قُولوا لِذا السّراج إِني أَراكَ تجيء بالعجب العجيب
إِذا ما كنتَ لا تُعطي قِيادًا ففيم عَمِلت أَسباب الركوب
قال مؤلف الكتاب: وسألني بعض أصدقائي ببغداد أن أعمل في معناه شيئًا فقلت بديهًا:
وسَرّاجٍ سرى في القلب مني هواه، وحلّ مِنْ طرفي السَّوادا
يُسَهّلُ للركوب لنا طريقًا بصنعته ولا يثعطي القِيادا
وما يَفْري بشفرته أَديمًا كما يفري بمُقْلَتِه الفؤادا
وقلت أيضًا في غلام سراج:
فَدَيْتُ سرّاجًا إِذا لم يَرُج للعِشْق عندي حَسَنٌ، راجَ هو
يَقول لي اركبني ولا تُفْشِه يريد إِلجامي وإِسراجه
وهذه نظمتها بديها. وفي إثباتها ها هنا التكشف لجهابذة الكلام، والتصدي للقرائح الصافية بقريحتي المشوبة. وما أوردتها لجودتها، على أنها ما تقصر عن دون الغاية، بل لمناسبتها وكونها لائقة بهذا الموضع.
[ ٢ / ٢١٧ ]
وللغزي في التجنيس:
وصُدورٍ لا يَشْرحون صدورًا شغلتهم عنّا صُدور الدجاج
وللأديب الغزي في مدح نور الهدى أبي طالب الحسين بن محمد الزينبي أخي طراد قصيدة أوردها أبو سعد السمعاني في المذيل وذكر أنه قرأها بخطه. فمنها:
جفونٌ يَصِحّ السُقْمُ فيها فَيُسْقِمُ ولَحْظٌ يناجيه الضمير فَيُفْهَمُ
مَعاني جَمالٍ في عِبارات خِلْقةٍ لها تُرْجُمان صامِتٌ مُتَكَلِّم
تَأَلَّفْن في عينيْ غَزَالٍ مُشَنَّفٍ بِفَتْواهما في مذهب الحبِّ يُحْكَم
تَضاعَفَ بالشكوى أَذى الصَبّ، والهوى تَخَرَّصَ فيه الظالمُ المتظلم
محا اللهُ نوناتِ الحواجب لم تزلْ قِسِيًّا، لها دُعْجُ النَّواظِرِ أَسْهُمُ
وأَطْفاَ نيران الخُدود فقلّ من رأَى قبلها نارًا يُقبّلها فم
سقاك الكرى من مَوْرِدٍ عزَّ ماؤه عليه القُلوبُ الهِيمُ كالطيرِ حُوَّمُ
أَصادَك غِزلان الحِجاز، وطالما تَمَنَّى تَقِيٌّ صيدَها وهو مُحْرِم
طَرَقْن ووجْهُ الأَرضِ في بُرْقُع الدُّجى وعُدْنَ، وكُمّ الليل بالفجر مُعْلَم
ومنها:
كفى بمُلوكِ الأَرضِ سُقمًا حِذارهم وإِنْ ملكوا، أن يُسْلَب المُلكُ مِنْهم
وَهَبْ جعلوا ما في المعادن جُمْلةً رهائن أَكْياسٍ تُشَدّ وتُخْتَم
فلم يَبْقَ دينارٌ سوى الشمس لم يُنَل ولم يبق غيرُ البدر في الناس درهم
أَليس أَخو الطّمريْن في العيشِ فوقهم إِذا بات لا يَخْشى ولا يَتَوَهَّم
أَرى كلَّ من مدَّت بِضَبْعَيْه دولةٌ تعلَّم منها كيف في الماء يَرْقُم
تحلّى بأَسماءِ الشهورِ فكفُّه جُمادى وما ضمت عليه المحرَّم
من استحسن التقريظ واسْتقبح اللُّهى تَسَمّى بأَلْمى وهو أَفْلَحُ أَعْلَمُ
سَرى الجَدّ حتّى في الحرُوف مُؤَثِّرًا فمنهن في القرطاس غُفْل ومُعْجَم
ولو قَدّمَ الإِحسانُ والفضلُ لم يَلِقْ بغير الحُسَيْن الزَّيْنَبِيّ التقدُّمُ
إِمامٌ غدا بالعلم في العصر غُرّةً برغم العِدى والعَصْر بالجهل أَدهم
بنُور الهُدى قد صحّ مَعنى خِطابه وكلّ بعيدٍ من سَنا النُّور مُظْلم
وطالعت كتاب أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني الموسوم بالمذيل لتاريخ مدينة السلام وقد أورد ذكر الغزي وأثنى عليه وقال: شيخ كبير مسن قد ناطح التسعين وكان أحد فضلاء الدهر ومن يضرب به المثل في صنعة الشعر. وكان ضنينًا بشعره ما كان يملي منه إلا القليل.
ورد عليها مرو وكان نازلًا في المدرسة النظامية إلى أن اتفق له الخروج من مرو إلى بلخ فباع قريبًا من عشرة أرطال من مسودات شعره بخطه من بعض القلانسيين ليفسدها، فحضر بعض أصدقائي وزاد على ما اشتراه شيئًا وحملها في الحال إلي، فطالعتها فرأيت شعرًا دهشت من حسنه وجودة صنعته، فبيضت من شعره أكثر من خمسة آلاف بيت وبقي منه شيء كثير. وبقية شعره الذي كان معه اشتراه بعض اليمنيين واحترق ببلخ مع كتيبات له.
وقال سمعت أبا نصر عبد الرحمن بن محمد الخطيبي الخرجردي يقول مذاكرة: ولد إبراهيم الغزي في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. قال: وسمعت أبا نصر الخرجردي يقول بمرو: إنا الأديب الغزي مات في سنة أربع وعشرين وخمسمائة في الطريق وحمل إلى بلخ ودفن بها. وكان يقول: أرجو أن الله تعالى يعفو عني ويرحمني لأني شيخ مسن جاوزت التسعين ولأني من بلد الإمام المطلبي الشافعي، يعني محمد بن إدريس.
قال السمعاني في تاريخه: أنشدنا أبو علي الآدمي بأصفهان، أنشدنا عبد الواحد الحافظ الأصفهاني أنشدنا إبراهيم الغزي لنفسه في الأدب:
الفضلُ فَضْلان: طبعيٌّ ومُكْتَسَب وقلّما اجتمعا في المرء واصْطحبا
[ ٢ / ٢١٨ ]
مَنْ لمْ يكنْ أَدبُ الأَخلاقِ يصْحَبه فلا تعدَّنَّه من جُملة الأُدَبا
قال: وأنشدني أبو طاهر أحمد بن حامد بن أحمد الثقفي، أنشدنا إبراهيم بن عثمان الكلبي ثم أشهبي لنفسه من قصيدة:
يا عاذلي في عبرتي والصبّ في أُذنيْه وَقْرُ
أَنا في كَرى وَلَهي، ودَمْعي في الكَرى فَرَحٌ يَسُرّ
والغَيْم غَيْمٌ كشْفُه في أَن يَبُلَّكَ مِنْه قَطْرُ
وسنورد من هذه القصيدة أبياتًا أخر.
قال: وأنشدني أبو طاهر الثقفي بأصفهما، أنشدني أبو إسحق الغزي لنفسه من قصيدة طويلة:
أَغْيَد، للعين حين تَرْمُقُه سلامةٌ، في خِلالها عَطَبُ
واْخضَرَّ في وَجْنَتَيْه خَطُّهما بحافَةِ الماءِ ينبتُ العُشُب
يُديرُ فينا بخدّه قدحًا يجتمعُ الماء فيه واللهب
مُنْتهِزًا فُرصة السرورِ به فَمَقْدَمُ الحادثات مُرْتَقب
وله يعاتب بعض الوزراء:
نَمى لك ودّي منذ قَلَّمتَ رأْسَه قياسًا على الأَقلام والشَمْع والظُفْرِ
وقدَّمْتُ شكرًا ما اقتضته صنيعةٌ وأَقبحُ ما يُهجى المقصِّر بالشكر
قال: وأنشدني ابن عمي أبو منصور محمد بن الحسن بن منصور السمعاني بمرو، أنشدني الغزي لنفسه:
طولُ حياةٍ ما لها طائلُ نَغّص عندي كلَّ ما يُشْتهى
أَصبحتُ مثلَ الطّفل في ضعفه تَشابه المَبْدأُ والمُنْتَهى
فلا تَلُمْ سَمْعي إِذا خانني إِنّ الثمانين وبُلّغتها
قوله: إن الثمانين وبلغتها تضمين، من قول عوف بن محلم الشيباني، كان بين يدي عبد الله بن طاهر، وقد أسن فكلمه بشيء فلم يفهمه، فقال الحاجب له لما خرج: إن الأمير كلمك بشيء فلم تفهمه، فرجع ووقف بين يدي عبد الله، وأنشأ يقول:
يا ابن الذي دان له المشرقانْ وأُلبس العدلَ به المغربانْ
إِنّ الثمانين، وبُلِّغتَها، قد أَحوجتْ سمعي إِلى تُرْجُمانْ
وقاربتْ مني خُطىً لم تكن مقارَبات، وثنتْ من عِنانْ
وما بقى فيّ لمُسْتَمْتِع إِلا لساني، وبحسبي لِسانْ
أَدعو به الله وأُثْني به على الأَمير المُصْعَبيّ الهِجان
وهي أكثر من هذه، وإنما أوردت هذه الأبيات اختصارًا.
قال السمعاني: أبو بكر محمد بن علي بن الحسن الكرجي ببغداد، وأبو بكر محمد بن علي بن ياسر الجياني الحافظ بسمرقند، أنشدنا إبراهيم بن عثمان الغزي لنفسه بهراة:
إِنّما هذه الحياةُ مَتاعٌ والسّفيه الغَوِيّ من يَصْطفيها
ما مضى فات والمُؤَمّل صَعْب ولك الساعةُ التي أَنت فيها
قال: وأنشدني أبو الفضل عبد الرحيم بن أبي العباس بن الأخوة، أنشدنا أبو إسحاق الغزي:
أَفدي الذي ضَمّني، والبَيْنُ يحْفِزهُ ولم يَرُعْه انحِناء الظَّهْر والشَظَفُ
إِذا تعانق منآد ومُعْتدلٌ كانا كلا، ضاع فيها اللام والألف
قال: وقرأت في جملة أشعاره بخطه:
وقالوا بِعْ فؤادك حين تهوى لعلّك تشتري قلبًا جليدا
إِذا كان القديم هو المُصافي وخان، فكيف آتمن الجديدا
قال: أنشدني أبو بكر محمد بن علي بن ياسر بمسرقند، أنشدني أبو إسحق الغزي لنفسه بهراة:
وَخْزُ الأَسنَّة والخُضوعُ لناقصٍ أَمران، في ذوق النُهى، مُرّان
والحَزْمُ أضن تختار فيما دونه المران وخز أَسِنّة المُرّان
قال: أنشدنا أبو الفتح بن مسعود بن محمد بن أبي نصر، الخطيب، بكشميهن، أنشدني الغزي لنفسه في بعض الوزراء:
مِنْ آلة الدستِ لمْ يُعْطَ الوزير سِوى تحريكِ لحيته في حالِ إِيماء
إِنَّ الوزير بلا أَزْرٍ يُشَدّ به مثلُ العروض لَهُ بحرٌ بلا ماء
قال: وفيما قرأت بخط إبراهيم بن عثمان الغزي بكرمان من غرر قصائده في مكرم بن العلاء الوزير بكرمان:
[ ٢ / ٢١٩ ]
بالجَدّ لا بالكَدّ تنتظم المُنى نرجو الغِنى والفقر في طلب الغنى
كلٌّ يعوذ بربّه من فِتنةٍ إِلاّ الحريص فسؤلُه أَن يُفْتَنا
يا قلْبُ أَنت مُعَذَّلٌ ومعذّبٌ لِمَ لا تزال أَخا الجَوى وأَبا الضنا
أَفرغْ عليك دِلاء صبرك وانتصر إِنّ السلاح لِدفع ضيمٍ يُقْتَنى
صبرًا، وإِن لم تستطع صبرًا فذُبْ مَنْ فَرّ مما لا يُطاق فما ونى
ليت الذي بالعشق دونك خصّني يا ظالمي قسم المحَبَّة بيننا
أَنا في الهوى مثلُ الخِلال مُثَقَّفٌ ولقد أَضرّتْ بي مناسبة القنا
أَلقى الهزبرَ فلا أَخاف نُيوبَه ويَروعُني نَظَرُ الغَزال إِذا رنا
وكذاكَ في طلب المعيشةِ شِيمَتي بخلاف من شاهدْت من أَهْلِ الدُّنا
لو نِلتُ منزِلةَ السِّماك مشارِكًا فيها، لأُبدلت العزاء من الهَنا
لا تقنَعَنَّ من الأُمور بِمَنْسِمٍ إِنّ السَنام بحذف آخره سَنا
النَّقْعُ شُبّه بالسماء لأّن علا والغيمُ منْ جنس الدُّخان إِذا دنا
والنّخل ما ثمراتُه بقريبةٍ ويكون أَعذبَ كلّ عودٍ مُجْتَنى
أَعْرِب جمالك بالمُجاملة التي هي نجوةٌ ودَع اللِّسان ليَلْحَنا
فاليومَ نِمْتُ عن النوائب وانْبرتْ هِمم الوزير تنُوبُ لي فيما عنا
وقنِعْت باسم مُؤَمَّلٍ جاوَرْتُه أَدعو لدولته مُسِرًّا مُعْلِنا
مَلِك يُشير بكفّه لا سيفه فَيَرُدّ بالخمس الخميسِ الأَرْعنا
ومن العجائِب أَنّ صُلْبَ نواله مُتَحَمِّلٌ ثِقل الرجاء وما انْحَنى
يَثْني خُطُوب الدّهْر عن إقليمه قَلَمٌ جرى يومَ الهِبات فما انثنى
مُتردّدٌ يسعى لحاجة غيره مُتَحَمِّلٌ عن قلب حامله العنا
ذو الدُّرِّ مُفْتَقِرٌ إِلى سُبُحاتِه وعن الجُمان بها لحامله غنى
يا مَنْ أَعار السيفَ شِدّةَ بأْسه وأَطاعه الفَلَكُ المُدار وأَذْعَنا
أَنا من يفضله القبول على الورى أَمّا إِذا وَقع الصُّدود فمن أَنا
ما بِعْتُ فيك الخلْق حتى زُرْتُهم فعلمتُ أضنك فوقهم متيقنا
وَمَخافتي أضنْ لا يكون لرغْبتي أَثَرٌ فأَبقى لا هُناكَ ولا هُنا
قد أَرْجف الحُسّاد أَنّي غَلْطَةٌ كُتِبت فأَصْبح كَشْطُها مُتَعَيِّنا
والفضل يأْنف أَن تُصيخَ لناقصٍ حاشا لسمعك أَن يُشافَه بالخَنا
لا ترْمِني رميَ القُلامة وارْمِ بي في مطلبٍ رَمْي الجمار إِلى مِنى
إِني أَعوذُ بما حَوَيْتَ من العُلى مِنْ أنْ يُخَرَّب فيَّ رأْيُك ما بنى
أَيروعني نَقَدٌ وأَنت جعلتني أَسدًا، وأَنْبَتَ لي رجاؤك بُرْثنا
أَعْرَضتَ، والغزّي أَنتَ غرسته فَعَلامَ تُعْرِض عن جَناه وما جنى
جاءت مديتُه نِكاحًا جائزًا وأَتَتْ مودّتُه بلا مَهْرٍ، زِنا
يا آل مُكْرَمٍ، المَكارِمُ لم تزلْ مُشتقةَ الأسماءِ منكم والكُنى
نحن النّباتُ وأَنتمُ السحب التي تهْتَزّ تحتَ قِطارها أرض المُنى
فصِفاتُنا في المدح لائقةٌ بكم وصِلاتُكم في الجود لائقةٌ بنا
لمّا صفا أَدبي تبيّن مجدُكم لون المُدامة في الزجاج تبيّنا
يا ابن العَلاءِ وما العلاء مُسَلَّمًا لِسواك، زِدْ بالشارِدات تَيَمُّنا
[ ٢ / ٢٢٠ ]
حِرْباء رتبتك الحَسُودُ، فَوجهُه أَبدًا يُقابل شَمْسَها مُتَلَوّنا
أقْسَمتُ بالمُتَسَرْبلين من السُّرى حُلَلَ الدُّجى فهُمُ العُراةُ مِن الونى
والباكياتِ من الفِراق بأَعينٍ يُجْرين منها في خُدودٍ أَعْينا
وعهودٍ لذات الشباب، وإِنها ليَرى الخَليعُ قبيحَها مُسْتَحْسَنا
أَيّامَ خَلْع عِذاره لا نعله يوطيه جانِبَ مُشْتهاه الأَيْمَنا
إنّ الوزير المُكْرَميّ لَمَوْرِدٌ لِظِماءِ هذا الخلْق، مطروقُ الفِنا
لا زال بالمنظوم من أَوصافه دون الممالك والغنى مُتزيّنا
وله في القاضي زين الإسلام أبي سعد الهروي:
تبًا لإِسلامٍ غدا والأَعورُ الهَرَويّ زَيْنُه
أَيُزَيّن الإِسلامَ مَنْ عَمِيَتْ بصيرَتُه وَعَيْنُه
وله من قصيدة يمدح ابن مكرم:
قُلوبُ الوَرى أَشْراكُهُنّ الشَمائلُ وشُهْبُ العُلى أَفْلاكُهُنّ الفَضائِلُ
إِليكُمْ تُضافُ المَكْرُماتُ، ابنَ مُكْرَمٍ كأَنَّكُمُ الأَفْلاكُ وهي المنازل
ومنها:
صَقَلْتَ العُلى بالمَكْرُماتِ وإِنّما تَنِمّ بأَسرار السّيوفِ الصَّياقِلُ
سَماحُك والتَّقريطُ زَندٌ وقادِحٌ وعَزْمُك والتوفيق فحلٌ وشائل
ومنها:
تقدَّمْتَ فضْلًا إن تأَخّرتَ مُدّةً هَوادي الحَيا طَلٌّ وعُقْباه وابِل
وقد جاء وِترٌ في الصلاة مؤَخَّرًا به خُتِمَتْ تِلك الشُفوع الأَوائل
ومنها:
وما أَنت إِلاّ النّصْلُ، والدّهْرُ غِمْدُهُ وما قيمةُ الأَغْماد لولا المَناصِلُ
ولِمْ لا تَرى نَبْتَ المدائح ناميًا وكَفُّكَ غَيْثٌ والرّياض الأَفاضل
ومنها:
ويلزَمَني لِمْ أَنت في الفضل طاعِنٌ وما أَنت جسّاس والفضْلُ وائل
خُطوبُك نارٌ، والكريم وَذِيلَةٌ وتحت لهيب النّار تصفو الوذائلُ
ويا همّتي لا تُنْكِري شَيْب لِمّتي فذا النّورُ بين الجهْل والحِلْم فاصل
ومنها في المديح:
هو السَّمْح إِلاّ بالمعالي فديح:
هو السَّمْح إِلاّ بالمعالي فإِنّه بها باخِلٌ، والسّمْحُ بالمجدِ باخلُ
إِذا زُرْتَه فاستغْن عن باب غيره فَساقِطَةٌ بالواجباتِ النّوافِل
وَقِفْ تحت رأْيٍ منه أَو تحت رايةٍ فلا الحدّ مَفْلولٌ ولا الرأْيُ فائل
إِليه مَرَدُّ الأَمْر، والأَمْرُ مُشْكِلٌ وفيه مَجالُ الفِكْر، والفكر ذاهل
ومنها في صفة القلم:
له ترجُمانٌ من بني الماء نَبَّهَتْ على فَضْلِها بالقُرْب منه الأَناملُ
يَزينُ، وإِن لم يشك شيبًا، قذالَه خِضابٌ، بمَسْح الرأْسِ في الحال ناصل
وظمآن يَرْوى بعد شَقِّ لسانه ولو صحّ لم تَنْقَعْ صَداه المَناهِلُ
تَوَهَّمَ أَنّ السِّفر بَحْرٌ فما له سوى موضع العُنْوان والختم ساحل
إِذا سُقِيَتْ منه القراطيسُ أَحدقت وأَثمر عود المُبْتَغى وهو ذابل
وأَلطفُ ما في صُنْعِه أَنّ رَمْزَه بمصر إِلى مَنْ بالعِراقَيْن واصِلُ
وأَنّ الذي يسقيه حين يَمُجُّهُ لِجانٍ وعافٍ منهُ حَتْفٌ ونائل
كَذا ثمراتُ الأَرْض، والماءُ واحد به اختلفتْ أَلوانها والمآكل
ومنها في وصف الكتابة:
كأَنّ المعاني في مَحاريبِ كُتْبِه قَناديلُ ليلٍ والسُّطورُ سَلاسلُ
كَواكب عَجْمٍ في أَهِلّةِ أَحْرُفٍ بُدورُ المعاني بينهنّ كَوامِل
ومنها:
ولي عادةُ التخفيف، والوصلُ في الهوى لِكثرتِه يُقْلى الحبيبُ المُواصِل
[ ٢ / ٢٢١ ]
وقد تكْثُر الأَلفاظ من ذي فَهاهَةٍ وما تَحتها إِلاّ المعاني القلائل
قَنا المجدِ ما ثَقَّفْتَ بالحمد والنُّهى أَسِنَّتَه، والمَكْرُماتُ العَوامِل
ومنها:
بَقيتَ بقاءَ الدَّهرِ يا كَهْفَ أَهلِه وهذا دُعاءٌ للبريّةِ شامل
وله من قصيدة أولها:
أَمامَكَ المُصْمِياتُ السُّمْرُ والحَدَقُ فَقَيِّدِ القَلْبَ إِنّ الظَّعْن مُنْطَلِقُ
ومنها:
جيرانَ سِقْطِ اللِّوى شَطَّتْ منازِلكم فليس يُدْركها وَخْدٌ ولا عَنَق
هلاّ سَأَلتمْ على بُعدٍ بذي سَقَمٍ أَراق ماء الكرى مِنْ جفنه الأَرق
ومنها في الشيب:
ما اسودّ عيشي، وذهني والنُّهى كَمُلا حتى تَشَعْشَعَ هذا الأَبيضُ اليَقِقُ
ومنها في المدح:
تَبْدُو مناقِبُه من حَيْثُ يستُرها والمِسكُ من حُقّة الداريّ مُنْتَشَق
حِدْ عن مُباراتِه واخْطُب مَبَرَّتَه فَعَزمُه البحر فيه الغُنْمُ والغرق
تُمْسي خزائنه من جُودِ راحتِه بيداءَ، لا ذَهبٌ فيها ولا وَرِقُ
وتحسبُ الوَفْرَ غُنْمًا والعُلى أُفقًا إِذا انجلى الغَيْم أَبدى حَلْيَهُ الأُفُق
أَمَا تَراني به استعصمْتُ من زمنٍ ثوب التَجَمُّلِ في أَحْداثِه خَلَق
ومَن أَكابِرَ، عَنْ تَشْييدِ مَنْقَبَةٍ أَلهتهم الخيلُ والغِلمان والسَرَق
وكُلُّهم يشتكي جوعًا ويَفْدَحُه خَرْجٌ وليس له رِفْدٌ ولا طَبَق
فلستُ واللهِ أَدري بدر مكسبهم في أَيّ بُرْجٍ من الإنْفاق يَمَّحق
من صاحبٍ، ربّ دست جدّ مُحتجبٍ وحاجبٍ عندها الإِمْلاق والمَلَق
أَيدي سبا، غير أَنّ المنعَ يجمعهم كما تداخل في المسرودةِ الحَلَق
ومنها:
عجبت من جَهْلهم ما وافقوك، وإِن كان التخلّقُ لا يُنْسى به الخُلقُ
وكيف قربُك لم يصْقُل خلائقهم وقد يُضيء بقُربِ الكوكبِ الغَسَق
وله من أخرى:
لولا مُزاحَمةُ الصَّباحِ، وإِنْ هدى كان الكرى، يا طَيْفُ، قد أَسْدى يدا
فَرَسَيْ رِهانٍ كُنتما يَعْلوكما رَهَجٌ فما واجَهْتني حتّى بَدا
والغَرْبُ مثلُ الغِمْد مُنْتَطِم الحُلى والشَّرق مثل النَّصْل مُنْتَثِر الصَدا
والصُّبحُ مَلْكٌ والنّجومُ رعيّةٌ بَصُرت بغُرَّتِه فَخَرَّتْ سُجَّدا
متأَلِّقٌ قابلتُه فكأَنّما قابلتُ تاج الحضرتين محمّدا
صدرًا أَراح المُعْتَفين رجاؤُه رَوْح العُفاةِ يَزيدُ في تَعَبِ العِدا
أَغْنَتْهُ عن خِلَعِ الملوك سَجِيَّةٌ خَلَعَتْ عليه من الصّفاتِ السُؤْدُدا
ومنها:
مَنْ يكتَحِلْ بضياء وجهكَ لم يخفْ رَمَدًا، وإِنْ عَدِم الجَلا والإِثْمِدا
ومنها:
وافي زمانُكَ آخِرًا، وتقدَّمَتْ بكَ هِمَّةٌ، في كفِّها قَصَبُ المَدى
فَغَدَوْتَ كالعُنوان يُكْتَب خاتِمًا وبذاك في حالِ القراءة يُبْتَدى
ومنها:
لا أَقْتَضيكَ بما سماحُك فوقه فأَكون كالراجي من البحر النَّدا
السّيفُ لولا أَنْ تُجَرِّدَه يدٌ أَكَلَ القِرابَ بحدّه فتَجَرّدا
والبدْرُ لو لم أَلقه مُسْتَسْعِفًا مِن نوره لَلَقيتُه مُسْتَسْعِدا
ومن قصيدة:
وما الفضْلُ إِلاّ مُزنَةٌ أَنت ماؤها وإِن كان فيها للفصيح رعودُ
وليس يفي لحن الهَزار وإِن شدا بصَرْصَرة البازي غداة يَسيدُ
وكم قائلٍ أَلزمتَ نفسَك مذهبًا يَشُقُّ، وحَمْلُ الفادِحات يؤود
[ ٢ / ٢٢٢ ]
إِذا كنتَ صَبًّا لم تَصِفْ قمر الدُّجى ولم تكْتَرِثْ بالخُوطِ وهو يَميدُ
فقُلتُ له ذَرْني أُفَضِّلُ كاملًا إِذا لمْ يكُن فوقَ الكمال مَزيد
فما للغُصونِ المُسْتقيماتِ أَوْجُهٌ ولا للبُدورِ المُشْرِقات قُدود
ولا لكريمِ المُلْكِ في أَهلِ عَصْره نظيرٌ ولا في السُّحْب يومَ تَجُود
فَتىً، حَظُّهُ في ناظر الملك إِثْمِدٌ ومَسْعاهُ في جِيد الزّمان عُقودُ
وله من قصيدة في التهنئة بعيد الفطر:
صَوْمٌ أَغار عليه فِطْرُ كالنّجمِ بزَّ سَناه فَجْرُ
بِنْ يا صيامُ فلمْ تزلْ فَرْعًا له الإِفطار نَجْر
وله الشّهورُ وإِنما لك من جميع الحَوْل شهرُ
ما كنتَ أَوَّلَ راحلٍ ودّعْتَ والزّفراتُ جَمْر
ومنها:
بدأوا بأَخذ قلوبنا زادًا وقالوا نحن سَفْر
ومَضوْا وما لِقبابهم إِلاّ عَجاجُ الخَيْل سِتْر
حذرًا على بيضٍ وسُمْر دونها بيضٌ وسُمْر
هذا مأخوذ، بل مسلوخ، من قول ابن صربعر البغدادي:
بيضٌ وسُمْرٌ في قِبابهمُ ممنوعةٌ بالبيض والسُّمْرِ
ومنها في المخلص:
غُمْرٌ من انْتَجع الحيا وندى بهاء الدين غَمْر
ومنها في المدح:
صَدْرٌ يجود، وعزمُه قلبٌ له التوفيق صَدْرُ
كتب الكواكبُ مدحَهُ فعلى المجرّة منه سطر
يَلْقى المؤمِّلَ باسمًا كرمًا تهافت عنه كِبر
والحبّ مَوْقوفٌ على بَشَر يقابل منه بِشْرُ
في خَطّه دُرَرٌ يَجُو دُ بِهنّ يُمْناه بَحْر
ولِكُلّ عافٍ عندَه معنىً من الإِحسان بِكْر
نال العُلى كَسْبًا وليس لوارث العلياء فخر
كاللَّيْثِ علَّمه السُّطى نابٌ يصولُ به وظُفْر
فسمَتْ به وسَما بها فكِلاهما عِقْدٌ ونَحْر
فكأَنّه والمجد حين تمازجا ماءٌ وخمر
ومنها في التهنئة والشكر:
فاسعَد بعيدٍ رسمُه من جُود كفِّك مُسْتَمِرُّ
منْ نُور وجهك يَسْتَمِدّ فأَنت شمسٌ وهو بدر
قد جاءَتِ الصّلةُ التي تفصيلها خِلَعٌ وتِبْر
فجمعتُ شكري كلَّه ووَسَمْته بك وهو كُثْر
وأَخافُ أَن تُسدي يدًا أُخرى وليس لديّ شُكْر
يا مَنْ لنا مِنْ فتح با ب رجائه فتحٌ ونصر
نظمُ المدائح دَيْدني والجُودُ مالك عنه صبر
ومتى يقوم بحقّ من سَبقَتْ لُهاه الشِّعْرَ، شِعْر
وله من قصيدة:
أَين دَعواكَ والمَغاني مَغنِ والمعاني كاللفظ حاز المعاني
ونواك الشَّطونُ إِزْماعُكَ الرّحْلةَ مِنْ غزّةٍ إِلى عَسْقلان
ومنها:
إنما كانت الحياةُ حياةً في ليالي وصْلِ الحِسانِ، الحسان
يا خليليّ لو ملكتُ فؤادي جاز أَن يملك الصوابُ عِناني
ظالمي من أَراد إِنصافَ نفسي مِنْ هَواها، وآمري مَنْ نهاني
قد تورَّطْتُ في تعسُّفِ شَوْقي حيثُ لا يعرِفُ السُّلُوُّ مكاني
ومنها:
ربّ ليلٍ أَباحَ سفكَ دمِ الدّنِّ بضَرْبٍ تأْثيره في المثاني
فُوِّقَتْ للسُّرورِ فيه سِهامٌ وقَعتْ في مَقاتِل الأَحْزانِ
بين بيضٍ تجُودُ بالمُهَج الحُمْر، وصُفْرٍ تجود بالأبْدان
وغزالٍ تَعَلَّم الناسُ من عينيه حِفظَ النُّصول بالأَجفان
شفَع الضعف بالسُّطى، كالحُميَّا مَن مجيري في القَتُول الواني
كَبِدي منه خِلْبها في مخاليبِ عُقاب الصُّدودِ والهِجران
كُرةً صار كلُّ قلبٍ لصُدغٍ صار لمّا لواه كالصَّوْلجان
وعجيبٌ من خدّه كيفَ يَبْقى ماؤه بين جَمْرةٍ ودُخان
[ ٢ / ٢٢٣ ]
دعْ حديثَ الهوى فقد وثب العَقْلُ على الجهلِ وِثبة السِّرحان
وسلِ الله أَن يَزيدَ بهاء الدين عزًّا حضيضُه الفَرْقَدانِ
فهو من يحسب المَكارمَ دينًا ويَعُدُّ المديح عَقْد ضَمان
ومنها:
كلَّ يومٍ تعاقب المالَ يُمنا هـ بِسَوطِ النّدى وليس بجانِ
لاقيًا من جوارها ما يُلاقي طَرَفُ الرمح من جِوار السِّنان
ليس يختصّ مدحُه بلساني مَدْحُ شمسِ الضُّحى بكلِّ لِسان
ومنها:
ما دعوناه من بني الدّهر إلاّ أَهَّلَ الدّهرُ نفسه للتهاني
جُمِعَ الأُسْد والكواكب والأَبْحر والنّاسُ منه في إنسان
واستجابت له مناقبُ شَتَّى لم تَجُلْ في خواطر الإِمكان
هيبةٌ في طلاقةٍ، واهتزازٌ في ثباتٍ، وموجَزٌ في بيان
شِيَمٌ رَوّتِ القواضبَ والسُّمْر، ظِماءً، في كلّ حربٍ عوان
ومنها:
يا أَبا جعفر، أَبو الجعفر البحرُ، وقد صحّ ما ادّعاه الكاني
كيف يبقى ما أَثْبتته السجايا ولِكفَّيْك في النَّدى آيتان
ثمرٌ لا يَقِلّ، والعودُ ذاوٍ وربيعٌ، والشمسُ في الميزان
مالُكَن الدَّهْرَ، قِسْمَةٌ بعدَ وُفّا دِكَ بين الخُوان والإِخوان
لا كمن عَزّ خُبزُه أَن ترى العينُ مُحَيّاه في سوى رمضان
وله من قصيدة في وزير بعد سمل عينيه ويذكر ما جرى له في القلعة:
اللهُ جارُك والنبيُّ الهادي يا من يُوالي فيهما ويُعادي
كِلْ ما يَهولُ من الأُمورِ إِلى الذي عَلِمَ السَريرةَ فهو بالمِرْصادِ
كم سَرّ آخرُ عارضٍ من بعد ما ساءتك منه طلائع وهوادي
في كُلّ حُكْمٍ حِكمةٌ مدفونةٌ كشرارةٍ عطَّيْتَها برَماد
ما النّاسُ إِلاّ جازِعٌ أَو طامعٌ خُلِقُوا عبيدَ السيف والإِرفاد
لو كان يُنْجي الاعتزالُ نجا به مما دهاه، الحارثُ بن عَباد
ومنها:
تَبَّتْ يدُ الأَيام إنَّ صروفها سَقَمُ الكِرام وصِحَّةُ الأَوْغادِ
لو أَنصَفْتك لكنتَ أَشرفَ رائحٍ في تاجِ مملكةٍ وأَكرمَ غادِ
لكنْ خُلِقْنا في زمانٍ جاهلٍ بمواضع الإًصلاح والإفساد
يصف عمى الممدوح:
لِلهِ في إِبقاء عِزّك باذِخًا سِرٌّ حَداه من المشيئةِ حادِ
مِنْ بعدِ ما ظنّ السَوادُ من الوَرى أَنّ العُلى في مُقلةٍ وسواد
هيهاتَ خاطرُكَ المنير تخاله كالشَّمس أَو كالكوكب الوقّاد
وعَمى العُيون، إذا البصائر أَبصرتْ كفٌّ عن النظر الطَّموحِ العادي
أَصبحت كالفِردوس ليس ضياؤها بالنَّيِّرين ولا بقَدْحِ زِناد
ومنها يصف القلعة:
كم رام حربك من خميسٍ، قَلْبُه كاليمِّ، في التَّمويجِ والإِزباد
سدّ البسيطة نازلًا من قُلّة الجبلِ الأَشَمِّ إِلى قرارِ الوادي
حتّى غَدا الحَصن المُبارك خِنْصرًا في خاتَمٍ من بُهْمَةٍ وجواد
واشتدّ غيظ بني السخائم واغتدَوْا زُرّاع ما طمعوا له بحصاد
قَصَموا الصّوارم حين يُكْرَه لَمْسُها من غيظهم وتَسَعُّرِ الأَكباد
فكأَنّما كان الوَباءُ كمينَهُم بعثوه واتّفقوا على ميعاد
ومنها:
بارزتَهُمْ بكُماة رأْيٍ كَهْلُها وغُلامها من حيّ مَحْض سَداد
ومنها:
إِنّ الحصون تَحَصَّنَتْ برجالها همْ كالمناصِل وهي كالأَغْماد
والفتحُ من ربّ السماءِ منالُه بالنصر لا بِتَكاثُر الأَجْناد
أَخذ الفوارسَ فارسٌ، فلْيمتنع بأَبي الفوارس مُقْبِلُ الأَولاد
ومنها:
[ ٢ / ٢٢٤ ]
إِن كان من أَهل الزمان، وجُلُّهُمْ للذَّمِّ، وهو يُخَصَّ بالإِجمادِ
فمن الحدائد، وهي أَصلٌ واحدٌ، سيفُ الكَمِيّ ومِبْضَع الفَصّاد
يا واحدًا في أُمةٍ قد ساسها أُممُ الأَنام تُساس بالآحاد
ومنها في الشعر والشعراء:
أَما القصيدةُ فهي عِلْقٌ بِعْتُه في يومِ مَسْغَبَةٍ وسُوقِ كَساد
ما كثرةُ الشعراءِ إِلا عِلَّةٌ مُشْتقّةٌ من قِلّة النّقادِ
كُلٌّ يُهدِّد بالقريض وسيفِه والنَّصْلُ نَصْلي والنِّجاد نجادي
فلكُ البلاغة والفصاحة خاطري أَهدى لمجدِكَ كلَّ نجمٍ هادِ
ومنها في الشعر:
إِني سُئلتُ عن المكارم والعُلى فأَجبتُ بالإِنشاء والإِنشاد
نِعم الجوابُ لسائلٍ، جوّابةٌ كالرّيح في الإغْوار والإِنْجاد
تَصْطادُ من صاد الأُسود وتمسح الدنيا وتَنْقَع من غليل الصادي
وله من قصيدة في الوزير أبي المعالي ابن المطلب:
تَجودُ الأَخيليَّةُ بالخيال وعِقْد الجوّ مُنْتَطِم اللآلي
فيطرقنا فريدًا من فريد وكم من عاطلٍ في حُسْنِ حال
إِذا عِفْتَ الحليّ وخِفْتَ جِرْسًا فكيف أَمِنْتَ رائحة الغوالي
أَلم تعلم بأَنّ الريح إِلبٌ على سِرّ المَلاب بكلّ حال
فَمُرْ مهما سريتَ اللُّوحَ يعقِدْ بأَزْرارِ الجَنوب عُرى الشّمال
ومنها:
عجبتُ لحبِّ أَفئدةٍ مصونٍ نُبدّده لنَمْل هوىً مُذال
ومنها وقد أبدع في هذا المعنى:
تبدّلني النوى لونًا بلونٍ فيُظْلِم خاطري بسَنا قَذالي
كذاك المسك أَحمرَ كان قِدْمًا ولكن سوّدته نَوى الغَزال
وما خُلِق الفَراشُ وطار إِلاّ ليعلم كيف يَهْوى النارَ صالِ
ومنها:
أَمٍنْتُ حوادث الأَيّام لمّا غسَلت يَديَّ من جاهٍ ومال
ملِلْتُ العيش حتّى كدتُ أَشكو جِنايات المَلال إِلى الملال
وما اعتاص المَرام عليّ إِلاّ وجدت التَرْك يُرْخِص كلَّ غال
تَحُلّ بي النوائب ثم تمضي وما نحتت خِلالًا من خِلالي
وأَحملها كَحَمْل بَنانٍ كَفّي أُلوفًا في الحِساب ولا أُبالي
وله من قصيدة في مدح الوزير أحمد ابن نظام الملك ويصف فتح البلاد المزيدية وقتل صدقة بن منصور:
جَلا لكَ وَجْهَهُ الفتحُ المبينُ وَمَدّ بضَبْعِك السَبَبُ المتين
وكان الخطب في التقدير صعبًا فهانَ، وأَيّ صعبٍ لا يهُون
ومنها:
إِذا استغنيتَ عن جَدٍ بِجَدٍّ فكلُ يدٍ تصول بها يَمين
صَوابُ الحال مَبْدا الأمرِ يَخْفى ولكنْ عند مَقْطَعه يَبينُ
وقد تَدْنُو المَقاصد والمَباغي فتَعْتَرِض الحوادثُ والمنون
وما اللَّجِب اللُّهام بذي امتناعٍ غداة يقوده الضَرَعُ المَهِين
ومنها في الأمير صدقة:
أَقام بأَرضِ بابلَ مُسْتَبِدًّا يُراسِلُه الإِمام فما يَدين
ويُوسِعُه غياث الدّين حلمًا وغَيْرُ مُثَقَّفٍ ما لا يلين
يَتيهُ بِثرْوَةٍ وطنين صِيتٍ وأَجنحةُ البَعوض لها طنين
ولمّا لم تَعِظْهُ من اللَّيالي قرائنُ، بعد ما خَلَتِ القُرون
سَرى ورَمى الفُراتَ وراءَ ظهرٍ فُنونًا جمة كان الجُنون
فأَقبل وهو لاسم أَبيه ضِدّ وأَدبر والبَوار له قرين
حمى اللَّيْثُ العرينَ، وآلُ عوفٍ ليوثٌ كان يَحْميها العرين
فلمّا أَصحروا صاروا نِقادًا ومن شَرّ الحَماسة ما يخون
في الفرار:
كأَنَّ الأَعوجيَّة يوم فَرّوا مُقَيَّدةُ القوائِم أَو صُفون
ومنها:
[ ٢ / ٢٢٥ ]
دُعاء الخَلْق للسّلطان فرضٌ لأَن الشَّرْع ماءٌ وهو نون
كأَنّ ركابه الأَفلاك تجري ومِنْ حركاتها حَصَل السّكون
ومنها:
خَلَتْ أَرض العِراق فلا هِجانٌ يَرُوق له الثَّناء ولا هَجين
وَجَفّ النّاسُ حتى لو بَكَيْنا تعذّر ما تُبَلُّ به الجفون
فما يَنْدى لممدوح بَنان ولا يندى لمَهْجُوٍّ جبين
ولو أَطلقْتَني لهَربتُ مِنها أسيرًا من جَوامِعه الدّيُون
ومنها:
فلا تُغْفِل ملاحظتي، فجاهي بما اكْتسبته آمالي رَهين
وظنّي كان ضامنَ ما أُرجّي فإِنْ أَخّرْته أُخِذَ الضمين
وله من قصيدة في الشيب في مدح القاضي ابن الخطيبي وأحسن في تشبيهه بالغبار:
مَسَحَتْ عارضي وما ذاك إِلاّ أَنها ظنَّتِ القَتير غُبارا
وأنا شبهته بالغبار في موضع آخر، وأظن أني ابتكرت المعنى، وهو من قصيدة طويلة:
وما مشيب المَرءِ إِلا غُبْرَةٌ تعلقت من ركض عُمْرٍ قد غَبَر
وذكرت المعنى في كلمة أخرى طويلة منها:
ليْلُ الشّبابِ تَوَلّى والشّيْبُ صبحٌ تأَلّقْ
ما الشَّيْب إِلاّ غُبارٌ من رَكْض عمري تَعَلَّقْ
ما الشَّيْبُ إِلاّ غُبارٌ من رَكْضِ عمري تَعَلَّقْ
ركبتُ لمّا تكهَّلْتُ بعدَ أَدهَمَ أَبْلَق
وضاع مفتاحُ وصل الحسان فالبابُ مُغْلَق
ولا حِزامي وثيق ولا عِنانيَ مُطْلق
وشبّهت الشيب بتتريب الكتاب مبتكرًا المعنى في قولي من كلمة طويلة:
أَصُدودًا ولم يَصِدُّ التَّصابي ونِفارًا ولم يَرُعْك المشيب
وكتابُ الشّبابِ لم يَطْوِه الشيْبُ ولا مَسّ نَقْشَه التَتْريبُ
رجعنا إلى الغزي ومن قصيدة الغزي:
يا شُموس الحِجالِ كان الشّبابُ الجَوْن ليْلًا يستصحب الأقمارا
طَلَع الفجر فاطّلعن علينا إِنّما تَطْلُع الشموس نهارا
ومنها:
وسهَوْنا عن قَصٍّ أَجنحة العمر بما يُصْلِحُ المَعادَ فطارا
ومنها في المدح:
وَغَدا يُعتِق العبيد زمانًا ثم أمسى يستعبد الأحرارا
ومنها:
يُفْحِم النّاطقين بالحرف، والكو كبُ مهما تَبَلَّجَ الصُّبْحُ غارا
ومتى حَلَّ مُشْكِلاتِ الخَفايا حلّ عن جيد فهمك الأَزرارا
ومنها في القلم:
وله المزبر الذي ينظِمُ الأَحْرُف زَغْفًا، يثني بها الأَقدارا
قلمٌ خِلْته لكثرة ما يأ سو كُلومَ الورى به مِسْبارا
لو كتبنا إِليه عُونَ المعاني أصبحت في مديحه أَبكارا
ومنها:
دُمْتَ في وجنة الرياسة توريدًا وفي ناظر العُلوم احوِرارا
وإِذا كان دونَك اللهُ دِرعًا جَعَلَ الأَيديَ الطِوال قِصارا
ومنها:
ليس هذا بِمدْحَةٍ إِنَّما نكتُب أَمثال ذا إِليه اعتذارا
وله من قصيدة في ظهير الدين ابن الفقيه صاحب المخزن بعد خلاصه من حبس السلطان محمد بن ملكشاه:
كم ذا التَّجانُف، والصُّدود فِراقُ أَأَمِنْت أَنْ تَتَذَمَّمَ العُشاقُ
أَطلقْتَهم باليأْس من صَفَدِ المُنى يأْسُ المُقَيَّدِ بالمُنى إِطْلاق
للحُسن أَمواهٌ تروق بروضةٍ وعلى مواردها الدّماء تُراق
سَكْرى الفِراق وإِن صَحَوْا مَرْضى الهوى والحبُّ ما لمريضه إِفراق
نطقوا بأَعينهم وأَفصحُ صامتٍ دمعٌ يفُضُّ ختامَه الأَشواق
ومنها:
ما كان صفو العيش إِلا مَنْصِبًا لمُخالف الأَيام فيه وفاقُ
فعُزِلْتُ عنه، وللرجال بعزلها مثلُ الغواني، عِدّةٌ وطلاق
أَنفقتُ من كيس الشباب على الهوى يبقى الغِنى ما أَمكن الإنفاق
ومنها:
صبرًا فإِن الصبر فيه مشقةٌ فيها لِمعراج المُراد بُراقُ
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وإِذا رنا طرْفُ النوائب فابتهج فمن الرُنوُّ تَوَلَّدَ الإِطراق
ولقد صَحِبت الليل يسحبُ مِسْحَه والجوّ خَصْرٌ والنّجوم نِطاق
ومنها:
بخلاص خالصة الخلافة بعدما يئست قلوبٌ أَن يُحَلَّ خِناق
إِحماد عاقبة العناء عِنايةٌ والمجد فيه السمّ والدّرْياق
ومنها أيضًا:
ثقُلت مغارمُه فزاد نوالُه كالعود ضاعف طيبَه الإِحراق
ومنها:
لا تَعْتِبنّ على الخطوب، فربّما خَفِي الصوابُ فأَخطأ الحُذّاق
شُربُ الدواء المرّ يُعْقِب صحةً تحلو، وإِن لم يحلُ منه مَذاق
ومنها:
خِلَعُ الإِمام، ولم تزل أَهلًا لها، شرفٌ يُمَدّ له عليك رِواق
وأَجلّ منها ذكره لك في النوى والاشتمال عليك والإِشفاق
ما تنسج الأَيدي يبيد، وإِنما يبقى لنا ما تنسج الأَخلاق
وله من قصيدة في الأستاذ أبي إسمعيل:
لا تحسبوا فَيْض عبرتي عَجَبًا لو قُيِّد الدمع بعدهم وَثَبا
إِنّ المُغذّين بالدُّمى تَخِذوا خاورق الحجب دونها حُجُبا
ومنها:
وربّ خطبٍ حللتُ عُقدته بمنزلٍ لا تُحَلّ فيه حُبا
ومَلِكٍ جُبتُ نحوه ظُلَمًا فزرته مُشرق المنى، شَحِبا
جاد بما يملأُ الحقائب لي وجُدتُ بالشعر يملأُ الحُقُبا
وكم تصيَّدتُ والصِّبا شركي سِرْبَ ظِباء لحاظُهن ظُبا
يصف الغدير:
على غديرٍ برَوْضَةٍ نظمَتْ نُوّارُها حول بدره شُهُبا
يدقّ فيه الغمامُ أَسهمه فيكتسي من نصالها حَبَبا
ويَعْجُم الطلّ ما يَخُطّ على صفحته مَرُّ شَمْأَلٍ وصَبا
بُرود نقشٍ كأَنما خلع الأَيْم عليهن بُرْدَهُ طربا
لو كنّ يَبْقَيْن ظنَّهُن صفيُّ الدولةَ الأَحرف التي كتبا
عاقلة الفضل وابن بجدته وقلب جسم الزمان، لا وَجَبا
وله من قصيدة:
بَيني وبين رضاهم مَهْمَةٌ قُذُفُ وعند بطء التلاقي يسرع التلفُ
ومنها:
أَفدي الذي ضمّني والبين يَحْفِزُه ولم يَرُعْه انحناءُ الظهر والشظفُ
إِذا تعانق مُنادٌ ومعتدلٌ كانا كلا، ضاع فيها اللام والأَلِف
والحظّ من جوهر الأَشياء سَلْه ولا تسأَل من الله قَدًّا زانه الهَيَفُ
فالقوس، في قبضة الرامي، لعزّتِها والسّهم، من هُونه، يُرْمى به الهدف
لم يُبْقِ لي زمني شيئًا أُسَرُّ به فالحمد للهِ لا فَوْزٌ ولا أَسَفُ
عَرّى أَاكبِرَه من ثَوْبِ مَحْمَدةٍ فالقومُ في السّابغات اللُّبَّسُ الكُشُفُ
لم يقنعوا بحجاب البخل فاحتجبوا كما غلا بعد سوء الكِيلَة الحَشَفُ
وإِن جرى غلطٌ منهم بمكرُمةٍ فَبَيْضَةُ العُقْر لا يُرْجى لها خَلَف
أَعجِبْ بهم قطُّ في الآراء ما اتّفقوا على صَوابٍ، وفي التقصير ما اختلفوا
ومنها:
حمى أَبو طالب طُلاّبَ نائِلهِ عن بِذلةٍ، للعلى من مثلها أَنَفُ
ومنها:
إِني لأَطمعُ في أَني بلمحتهِ يوم النّدى من صروف الدهر أَنتصف
في فقر الممدوح وضيق يده عن الممنوح:
لا عيْبَ فيه سوى ظلم الزمان له والدهرُ معتذرٌ يومًا ومُقْتَرِفُ
وإِنما رام بالإِنفاض وَقفتهُ عن هزّة الجود، والأَفلاك لا تقف
عَلياه تحت عَجاج الحالِ واضحةٌ كطلعة البدر ما أَزرى بها الكَلَف
وربّما حال دون الجود ضيقُ يدٍ والغيثُ أَحواله في الجود تختلف
ومنها:
قد فلَّ غَرْب القوافي جهلُ سامعها ونالت المَهْرَ، دون الكاعب، النَّصَفُ
وضاعت الأَرض بالأَحرار واتصلت نوائبُ الدهر حتى مالها طرف
[ ٢ / ٢٢٧ ]
ومنها:
لك الفصاحة ميدانٌ شأَوتَ به وكلنا بقصورٍ عنك نعترف
فمهّدِ العُذر في نظمٍ بعثتُ به مَنْ عنده الدُّرُّ لا يُهدى له الصَّدف
وللغزي:
لا يَفْرَحَنّ بما أَتاه مُعَجَّلًا فلكلِّ تشبيبٍ طويلٍ مَخْلَصُ
ولعلّ دولته جَناحا نملةٍ كم عاثرٍ بذُيولِ ما يتقمَّصُ
وله من كلمة سبق ذكرها:
فأَنت إِذا نطقت أَبو المعاني وأَنت إِذا كتبت أَبو المعالي
صَلاة مكارم الأَخلاق فرض وما غيرُ الأَذان على بِلال
وقد جاءتك مُحكمةٌ شَرودٌ تَمُتّ بنفثةِ السحر الحَلال
لو امتلأَت بها أُذنُ ابنِ حُجرٍ لعلّقها مع السبع الطِوال
وله:
أَبو جعفرٍ في كفه أَلف جعفر يفيض، ويغنيينا عن الوشل البَرْضِ
له الخُلُق المبنيّ في الجود لم يزل وما دونه للرفع والنصب والخفض
يَهِشّ بمن يلقاه والدهرُ عابسٌ ويبسُط كفّ الجود في موضع القبض
وله:
جبانٌ عن الإِنفاق، والمال وافرٌ وربّ سلاحٍ عند من لا يقاتلُ
وما الرزق إِلاّ طائرٌ أَعجب الورى ومُدَّتْ له في كل فنّ حبائلُ
وله:
كنتَ كالدرّة اليتيمة في العِقد وإِن كان كلُّه من لآلي
وله من قصيدة:
قومٌ كأَن ظهور الخيل تُنبتهم وما سمعتُ بإِنباتٍ بلا مطر
لا يجسُر الطيفُ يسري في منازلهم مهابة خَيَّمت في مَطْمَحِ الفِكر
ومنها:
هذي الوزارة لا ما كنتُ أَعهده أَين اعتكار الدُّجى من بَلْجة السَّحَر
ولستُ أَطعن في القوم الذين مَضَوْا ولا أُبرقع وجهَ الصدق بالطَّحَر
أَبدى لنا عصرُهم من عوده وَرَقًا فالشهب، لولا ثبات القطب، لم تَدُر
إِن كنتَ فردًا فضوء الصبح أَين بدا فردٌ يفيض على بادٍ ومُسْتَتِر
وربّ وطفاء لم تُشْفَع بثانيةٍ تَهْمي فتُنْبِت أنواعًا من الزَّهَر
فاسلم ودُم ليصير الملك ذا خطرٍ وقيمةٍ، قيمةُ الأَصداف بالدُّرر
وله:
يُشاركني في سيبه كلُّ ناطقٍ أَلا إِنما شِرْكُ المكارم توحيدُ
كأنَّ محيّا الصُّبح قابلَ فضله ففي خدّه من خجلة النقص توريدُ
يَزيدُ سماحًا والخطوب تُمِضُّه كما زاد طيبًا، وهو يحترق، العود
فَضَلْتَ الورى طُرًّا وإِن كنت بعضهم كما فضل الأَيامَ في السنةِ العيدُ
وله:
ولما دخلتُ الريّ قلت لرفقتي خذوا حِذركم من داغر وخؤون
ففيها لصوصٌ في الدُّجى بخناجر وفيها لصوص في الضحى بعيون
وله:
لبستُ السّرورَ فأَبليته وبعدَ السّرور سيَبْلى الحَزَنْ
وبُدِّلْتُ من سَبَجٍ لؤلؤًا فأَبغضتُ كلَّ نفيس الثمن
سَنا الشيب رَحْضٌ يفيد البيا ضَ على أَنه لا يُزيل الدَّرن
وله:
إِن عاق فكري عن التجويد ضيقُ يدي فالشَّوكُ يُقْصِر خَطْوَ الراجل الحافي
أَو قصّرتْ خدمتي فالجودُ أَفضلُه تجاوُزُ المرتجى عن هفوة الهافي
وله:
كن في زمانك جاهلًا لا عالمًا إِنْ كنتَ تطمع في حصول مقاصدِ
فالنار أَحرقت النضيج لأَخذه منها، وتُنْضج كلَّ نِيّ بارد
ومنها:
لعلوّه يدنو، وأَقرب ما تُرى شمسُ الضحى من أَوجها المتباعد
إِن عدّ من صِيْدِ الملوك فما خلا أَسلافه من عالم أَو زاهد
والعودُ يُعْرب فرعُه عن أَصله ويجيء من ثمراته بفوائد
وله:
لا أقتضيك بما سماحُك فوقَه فأَكون كالراجي من البحر النَّدا
[ ٢ / ٢٢٨ ]
السيفُ لولا أَن تجرِّدَه يدٌ أَكل القِرابَ بحدّه فتجرَّدا
وله:
يا مَنْ ذنوبي عنده الفضل الذي لولا مَزِيَّتُه لكان مُسالمي
ومطلع القصيدة:
أَنا ظالمي إِن عِفتُ سَطْوة ظالمي بل لائمي إِن خفتُ جَفْوَةَ لائمي
ومنها:
ومُحجّبٍ جاد الوداع بضمّهِ فحلبت غُنْمي من ضُرع مغارمي
وظفرتُ من تقبيله متلثّمًا بجَنى أَقاحٍ في بُطون كمائمِ
يُسْقى القضيبُ إِذا ذوى، أَما إِذا أَبْدى الثمار فكم له من راجم
خُفِض المنافس في انتصابك للنّدى فارفع دعائِمه بأَمرٍ حازم
ما في كريم المُلْك دام جمالُه عيبٌ سوى كرم الطّباع الدائم
شِمٌ كروْضات الرُّبى أَرَجًا إِذا لَطَم النَّسيمُ وجوهَها بلطائِم
وشمائلٌ أَنطقْنني من بعد ما كان السكوت عليّ ضربةَ لازم
ومتى اشتملتَ على العلوم وأَهلها أَيَّدتَ خافية العُلى بقوادم
ما الملك إِلاّ صارمٌ تُحمى به الدنيا، وأَنت فِرَنْدُ ذاك الصارم
جذبتْ بِضَبْعي بين قوم، فخرُهم في جرّ أَذيالٍ ولَوْث عمائِم
قيِّدْ عدوَّكَ بين شَرْي مَخافةٍ من عزمك الماضي وأَرْي مكارم
كلُّ القَنا حسنٌ ولا سِيَما إِذا خَلّيتَ أَطراف القنا بلَهاذِم
وله:
أَبو جعفر في كفّه أَلفُ جعفر من الجود ما فيهن للعَذْل مَوْرِدُ
كريمٌ كأَنّ المال خالَف أَمره فعاقبه بالبذل، والشَّهم يحقِد
حمى عن حروف النفي غَرْبَ لسانه مخافة لا، فالقول بالفعل يُنْجَد
وإِن قالها عند الصّلاة فإنها لإِثبات وحدانيةٍ يتشهَّدُ
وله:
ولربّما ستر الحياءُ فضيلةً في المرء فانكشفت بهمزة ثالب
كيتيمة الدُّرّ التي لم تنخرط في سلكها إِلاّ بطعنة ثاقب
وله:
لو لم أَمُتْ بهواك قال العُذَّل ما قيمةُ السيف الذي لا يَقْتُلُ
ومنها:
مُتَبَدِّلون لِوى العقيق من الحِمى إِنّ التبدّل للمصول تَبَذُّل
حَتّامَ أَنتظر الوصال وماله سببٌ، وهل تلِد التي لا تَحبل
ويَزيدني أَلم القطيعة رغبةً فيكم، ويُنْقِضُ مَنْكِبَيَّ وأَحْمِلُ
والعاجزان الغالبان: مُعاقبٌ لا ينتهي ومعاتب لا يخجل
وتغيُّرُ المعتاد يَحْسُنُ بَعْضُه لِلْوَرْدِ خدٌّ بالأُلوف مُقَبَّل
ومنها في المدح:
صَدْرٌ يُعير الشمسَ ضوءَ جبينه ودُوَيْن أَخْمَصِه السّماك الأَعزل
يبغي ببذل المال إِحرازَ العُلى والعَرْف يبقى يوم يَفْنى المَنْدل
إِن كان يستر بالتواضع مجده فالقلب تحت شَغافه لا يُجْهل
والنّصر ليس يَبينُ حقَّ بيانه إِلاّ إِذا ستر الخميسَ القَسْطَل
يا واحدًا هو في المكارم أُمّةٌ وبجوده حسد الأَخيرَ الأَوَّلُ
لمُساجليك من المعالي لفظُها ولك المعانين والمعاني أَفْضلُ
فاسلم لهذا الملك فهو مفازةٌ جَدْواك للصادين فيها مَنْهَل
وأنشدني بأصفهان الشاب أبو المحاسن بن فضلويه، وكان الغزي في داره عند كونه بها، قال أنشدني لنفسه في الكوفي الذي كان يحبه:
ولما رأَيتُ الحُسْنَ عزّ مَرامُه عليّ وكان الاشتراك شنيعا
عشقتُ قبيحًا كي أَفوز بوحدةٍ فشاركني فيه الأَنامُ جميعا
وأنشدني أيضًا فيه:
يقولون ماءُ الحسن تحت عِذاره على الحالة الأولى، فقُلتُ غرور
أَلسنا نعاف الماء من أَجل شَعْرةٍ تُخالط عَذْب الماء وهو نمير
وأنشدني له فيه وكان فقيهًا:
[ ٢ / ٢٢٩ ]
سأَلت الكويفي في قُبْلةٍ فنام على وجهه وانبطحْ
وقال فهمتُ دليل الخطاب ومن عَشِقَ الدَّنَّ باس القدح
وفائدة الفقه أَن تهتدي إلى صورة الغَرض المقترح