أبو فراس طراد بن علي الدمشقي ذكره الشريف حيدرة العلوي الزيدي المصري المولد، وهو شيخ ورد واسطًا من جانب فارس سنة خمس وخمسين وخمسمائة، قال: وكان ينظم نظمًا ركيكًا ينتجع به، فلما رأى أنه قلما ينفق نظمه صار رائضًا للخيل وصاروا يحسنون إليه لأجل الرياضة. قال: فارقت مصر منذ عشرين سنة وسألته عن الشعراء بها فذكر من جملتهم البديع الدمشقي، وقال: هو معدود في الشعراء، ووهب له صاحب مصر يومًا ألف دينار.
فمما أنشدنيه من شعره، من قصيدة:
هكذا في حبّكم أَستوجبُ كبِدٌ خحَرّى وقلب يَجِبُ
وَجَزا مَنْ سهِرت أَجفانُه هِجرةٌ تمضي وأُخرى تعقِبُ
يا لَقومي كلّ ما سهَّلْتمُ من طريق الصبر عِندي يصعُب
كلُّ ما حلّ بقلبي منكمُ فالعيون النُّجْلُ فيه السبب
وبقلبي بدرُ تِمٍّ طالِعٌ ما جرت قطُّ عليه السُّحُب
وَجْهُهُ روضةُ حسنٍ أَسفرت خدُّه من وَردها مُنْتَقِب
زفراتٌ في الحَشا محرقةٌ وجُفونٌ دمعها منسكِب
[ ٢ / ٢٧٧ ]
قاتل الله عَذولي ما درى أَنّ في الأَعين أُسدًا تثب
لا أَرى لي عن حبيبي سلوةً فدعوني وغرامي واذهبوا
قد قبلنا ما حكمتُمْ في الهوى ورضينا فعلامَ الغضب
ومنها:
يوَمِنَ الرَّيْحان في عارضه أَرجلُ النمل بمسكٍ تكتب
فوحقِّ الحب ما أَدري: الدُّجى شَعرُه أَم صُدغه أَم عقرب
وأنشدني من أخرى:
يا نسيمًا هبَّ مِسكًا عَبِقا هذه أَنفاس رَيّا جِلِّقا
كُفَّ عنّي، والهوى، ما زادني بردُ أَنفاسك إِلاّ حُرَقا
ليت شعري، نقضوا أَحبابنا يا حبيب النفس، ذاك المَوْثِقا
يا لَصبٍّ أَسروا مُهجته بسهامٍ أَرسلوها حَدَقا
وأَداروا بعده كأْس الكرى وهو لا يشرب إِلاّ الأَرَقا
يا رياح الشوق سُوقي نحوهم عارضًا من سحب دمعي غدِقا
وانثري عِقد دموعٍ طالما كان منظومًا بأَيّام اللِّقا
ومنها:
أَسروا قلبي جميعًا عندهم بأَبي ذاك الأَسيرَ المُوثَقا
ليت أَيامَ التصابي تثبتت بالفتى أَوْ ليته ما خُلقا