الشّروطي البغدادي
كان شابًا، رائق الشّعر، بديع النّظم والنّثر.
أنشدني لنفسه من قطعة يغنّى بها:
يا طُلولُ بعدَهمُ كيفَ حالُ ذي شجَنِ
غيّرتْكِ حادثةٌ من حوادثِ الزّمنِ
وكان يُنشدني من شعره كثيرًا، ولم أثبته.
وآخر عهدي به سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة. وتوفي بعد ذلك، وأنا بواسط.
وله ديوان.
وكان معظم مدحه في نقيب النُقَباء ابن الأتقى الزّينيّ.
وله من قصيدة في مدحه، مستحسنة، أولُها:
في حدّ رأيِك ما يُغْني عن القُضُبِ وفي سخائك ما يُرْبي على السُحُبِ
وفي اعتزامِك ما لو شئت تُنفذُه أبادَ بالخوف أهلَ الدهرِ والرُعُبِ
دانت لهيبتك الأيام خاضعةً وفلّ عزمُك حدّ الموكبِ اللّجِبِ
وقال عنك لسانُ الدهر ما نطقت به على كل عودٍ ألسُنُ الخُطَبِ
يا طلحةُ بن عليّ ما لائدِنا الى الغنى غيرُ ما توليهِ من سببِ
جابت بنا البيدَ عيسٌ طالما غنِيَتْ براحتَيْك عن الأمواه والعُشُبِ
حتى وصلنا الى ملْكٍ مواهبُه مقسومةٌ بالنّدى في العُجم والعرَبِ
محجّب برِواق من مَهابته يلقى الوفود بمالٍ غيرِ متجِبِ
ومنها:
فجدّه في صعودٍ لم يزَلْ أبدًا ومالُه بالنّدى المنهَلِّ في صبَبِ
إن ساجَلوك وجاؤوا بانتسابِهم ففي السمء مقرّ الرّأسِ والذّنبِ
أو شابهوا عاطفاتٍ منك طيّبةً فالعودُ والعودُ معدودانِ في الخشبِ
وكلّه خشبٌ في الأرضِ منبِتُه لكنّ شتّان بين النّبعِ والغرَبِ
أو كان أصلُك يا ابنَ المجد أصلهمُ فالنّخل لا شكّ أصلُ اللّيف والرُطَبِ
لبّيكَ من منعِمٍ قال الزّمان له أنت المُعدّ لصَرْفِ الدهرِ والنّوَبِ
ومنها:
وكيف لا ترتضي الآمالُ رأيَ فتىً مذ كان في المهدِ أعطي الحكم وهْو صَبي
وأجدرُ الناس بالعلياء من شهدتْ له العلى وعلى حُبِّ الإمام ربي
يا من علت درجاتُ الفضلِ بي وبه شعري وجودُك رأسُ المجدِ والأدبِ
[ ٥٥ ]
لما غدوتَ من الأجوادِ منتخَبًا أتاك شري بمدحٍ فيك منتخَبِ
فلا مددتَ يدًا إلا الى ظفَرٍ ولا وطِئْتَ ثرىً إلا على أرَبِ
وله من قصيدة في مدحه:
جرّبتُ أبناءَ هذا الدهرِ كلهمُ ولم أجِدْ صاحبًا يصفو به الرّنَقُ
إنْ حدّثوا عن جميلٍ من خلائقهم مانوا وإن حدّثوا عن ميْنِهم صدقوا
هم العُدوّ فكن منهم على حذَرٍ لا يخدعَنْك له خلْقٌ ولا خُلُقُ
تغيّر الدهرُ والإخوانُ كلهمُ مالوا عليّ فلا أدري بمن أثِقُ
وله من قصيدة:
أعنِ العَقيقِ سألتَ برقًا أومَضا أأقامَ حادٍ بالرّكائب أو مضى
إن جاوز العلمَيْن من سِقْط اللّوى بالعيس لا أفضى الى ذاك الفضا
وله:
حيِّ جيرانًا لنا رحلوا فعلوا بالقلب ما فعلوا
رحلوا عنّا فكم أسَروا بالنّوى صبًّا وكم قتَلوا
من لصَبٍّ ذابَ من كمَدٍ طرفُه بالدّمعِ منهملُ
فهْو من شدْوِ النّوى طرِبٌ وهْوَ من خمرِ الهوى ثمِلُ
واقفٌ بالدّارِ يسألُها سفَهًا لو ينطقُ الطّللُ
لو تُجيبُ الدارُ مخبرةً أين حلّ القومُ وارتحلوا
لتشاكَيْنا على مضضٍ نحن والأوطانُ والإبِلُ
يا صَبا نجدٍ أثرتِ لنا حُرَقًا في القلب تشتعلُ
غرّدَ الحادي ببَينِهمُ فله يومَ النّوى زجَلُ
يا شُموسًا في القِباب ضُحىً حجبْتها دوننا الكِلَلُ
عجْن بالصبِّ المشوقِ فقد شفّه يومَ النّوى الملَلُ
وله:
ألِفْتُها وللحُدا تغريدُ عن رامةٍ إنْ وصلتْ زَرودُ
فلاحَ برقٌ بثنيّاتِ الحِمى تُشيمُه للأعينِ الرّعودُ
فمالتِ الأعناقُ منها طربًا كما يُميلُ الناشدَ المنشودُ
أسكرها خمرُ السُّرى تحت الدُجى لا الخمرُ ما جاء به العُنقودُ
وللنّسيم في الظلام يقظةٌ مسامرو الرّكْبِ بها رُقودُ
نوقٌ إذا ما سلِمتْ من الوجى أذابَها التّسْآدُ والتّسهيدُ
تبغي زَرودًا حاجةً ممنوعةً ومقصِدًا مرامُه بعيدُ
لو خُلّيتْ نالت ولكنْ عافها أنّ امتناعَ ركبِها قُيودُ
أو نطقت قالت كما قلت لها آهًا لهذا البينِ ما يُريدُ
في كل يومٍ للفراق روعةٌ وللرّكاب سائقٌ غِرّيدُ
دأبُ المحبّين الغرامُ والجوى ودأبُها الأنساعُ والقيودُ
قد شابهَ الرّكبُ الرِّكابَ في الهوى فكلّهم بوجْدِه عميدُ
ما للغمامِ لا عدا وادي الغضَى عليه من خِلاله يجودُ
وهبّ خفّاقُ النّسيم فانثنت غصونُه مائسةً تَميدُ
واكتستِ الكُثبانُ زهْرًا مثلما بصِبغها لُوِّنَتِ البُرودُ
وفاحَ نشْرُ الرّوضِ تحدوهُ الصّبا فطاب من ريّاهُما الصّعيدُ
وابتسم النّوْرُ على هامِ الرُبا كما وهت عن نظمها عقود
ومالتِ الأغصانُ روّاها النّدى كأنّما أوراقُها بُنودُ
فلستُ أدري أغصونًا مِسْنَ لي أم خطرَتْ بلينِها القُدودُ
هيهاتَ يُخفي ما به مُتيّمٌ دموعُه بوجْدِه شهود
مجتمعُ الأضدادِ من جُفونِه بحرٌ ومن أحشائِه وَقودُ
عاد الهوى فليتَ أيامَ الصِّبا مثلُ الهوى كما مضت تعودُ
والشّعراتُ البيضُ شُبْنَ مفرِقي فليتَها عادت وهنّ سودُ
[ ٥٦ ]
رُدّوا الصِّبا كردّ طرْفِ لحظةٍ إنّ الصِّبا زمانُه حميدُ
وخلّصوني من تكاليفِ الهوى إنّ الهوى عذابُه شديدُ
أو لا فنادوا ثم بيعوا مُهجتي بنظرةٍ فيمن عسى يَزيدُ
أو فاجمَعوا شيبي وذُلّي في الهوى وطول تعذيبي بمن أُريدُ
ما فعلت بالأنفُس البيض الظُّبا ما فعلت بنا الظِّباءُ الغيدُ
سنَحْنَ بالوادي فماذا فعلت بالأنفُس الأجيادُ والخدودُ
وله من قصيدة:
أسيرُ هوى المحبّةِ ليس يُفْدى ومقتولُ التّجنّي لا يُقادُ
ومن قد أمرضته وأتلفته ال عيونُ فلا يُفادُ ولا يُعادُ
فقدْتُ الصّبرَ حين وجدْت وجْدي وجاد الدّمعُ إذ بخلَتْ سُعادُ
وكنت أخافُ بُعدي يوم قُربي فكيف أكون إن قرُب البِعادُ
ديارَهُمُ كساكِ الزّهرُ ثوبًا وجادَ على معاهدِك العِهادُ
ألا هل لي إلى نجدٍ سبيلٌ وأيامي برامةَ هل تُعادُ
أقول وقد تطاول عمرُ ليلي أما للّيلِ ويحَكُمُ نفادُ
كأنّ الليلَ دهرٌ ليس يُقضى وضوءُ الصُبح موعدُه المَعاد
أعيدوا لي الرّقادَ عسى خيالٌ يزورُ الصبّ إن عادَ الرُقادُ
وبيعوني بوصلٍ من حبيي وفي سوق الهوانِ عليّ نادوا
فلو أنّ الذي بي من غرامٍ يُلاقي الصّخرَ لانفطرَ الجمادُ
وثِقتُ الى التصبّر ثمّ بانوا فخان الصّبرُ وانعكس المرادُ
وكان القلبُ يسكنُ في فؤادي فضاع القلبُ واختُلِس الفؤادُ
وقالوا قد ضللْت بحبّ سُعدى ألا هذا الضّلالُ هو الرّشادُ
وهل يسلو وِدادَهمُ محبٌّ له في كل جارحةٍ وِدادُ
وآنفُ من صلاحي في بعادي ويُعجبني مع القربِ الفسادُ
وبين الرملِ والأثلاتِ ظبيٌ يصيدُ العاشقين ولا يُصادُ
أحمُّ المُقلتيْن غَضيضُ جَفنٍ تكِلّ لطرفِه البيضُ الحِدادُ
أقولُ وقد تحجّبَ عن لِحاظي حبيٌ بالجَفا عنه أُذادُ
أراك بمقلتي وبعين قلبي لأنّك من جميعهما السّوادُ
لمن وأنا المَلومُ ألومُ فيما على نفسي جنيتُ أنا المُفادُ
سعى طرْفي بلا سببٍ لقتلي كما لدمِ الحسينِ سعى زِيادُ
وله:
سترَ الغرامُ فهتّكته الأدمُعُ والدمعُ يُعلنُ ما تُجنّ الأضلع
وأعار في الأغصان كلّ حمامةٍ نوحًا فرقّ له الحمامُ السُجّعُ
واستنّ برقٌ بالحِجاز فشاقه ذاك الوميضُ وأقلقته الأربُعُ
وكذا المشوقُ إذا تذكّر منزلًا هاجت بلابلَهُ البُروقُ اللُّمَّعُ
يا قلبُ هل لك في السّلوِّ طَماعةٌ أم ما مضى لك من زمان يرجِعُ
أم هل لمن أسرَ التّجني مُنقذٌ إنْ أنّ في قيدِ الصّبابةِ موجَعُ
كيف السّبيلُ الى الحجاز ولعلَعٍ من بعدِها بعُدَ الحجازُ ولعْلَعُ
أوطارُ شوقٍ في الفؤادِ مقيمةٌ وغليلُ حُبٍّ في الحشا لا ينقَعُ
من للمحبّ ترحّلت أحبابُه بلِوى العقيق عن العقيق وودّعوا
خذلَتْه أنصارُ التّصبّر في الهوى يومَ الفراقِ وساعدته الأدمعُ
قِفْ وقفةً عنّي ببُرقةِ عاقلٍ وسلِ الطّلولَ وهل يُجيك بلقَعُ
واستخبرِ الرّسمَ القديمَ وقل له أين الكثيبُ وأين ذاك الأجرعُ
بل أين سكّان الحِمى فلئِنْ سرَوا عن مُقلتي فلهم بقلبي مربَعُ
أضحت هوادجُهم لدُرِّ رُبوعهم صدَفًا وهنّ على الحدائجِ تُرفَعُ
وله:
[ ٥٧ ]
هل بعد إقرارِ الدموعِ جُحودُ غلبَ الكرى وتمكّن التّسهيدُ
يا للرّجالِ لنازح متغرّب كثُر الغرامُ عليه وهو وحيدُ
أنا بين حالَيْ مُقتِرٍ ومبذّرٍ مُضْنى الفؤاد متيّمٌ معمودُ
صبرٌ ودمعٌ ليس لي بهما يدٌ فالصّبرُ يبخلُ والدموعُ تجودُ
أمذكّري تلك العهودَ برامةٍ أنَسيتَ ما أهدت إليّ زَرودُ
لا تثْنِ طرفَك عن ثنيّات اللّوى فلنا على تلك العهودِ عهودُ
ولقد وقفنا للوداع وضمّنا يومٌ بمنعرجِ اللّوى مشهودُ
جمعًا يفرّقنا الفراقُ ولم يزلْ شمْلُ الوداعِ يُبيدُه التّبديدُ
بلّغْ هُديتَ تحيّةً من عاشقٍ بالنّفسِ دون لِوى العقيقِ تجودُ
وأقرّ السّلامَ على الكثيبِ وقُلْ له هل ماءُ رامةَ بعدَنا مورودُ
يا عاذلَ العُشّاق إنْ هجروا وإنْ وصلوا فكلٌ بالجوى مجهودُ
دعهُمْ وما طُبِعوا عليه فإنّهم منهم شقيٌ في الهوى وسعيدُ
وله:
عتابٌ منك مقبولُ على العينين محمولُ
ترفّقْ أيه الجاني فعقلي فيك معقولُ
ويكفيني من الهِجرا نِ تعريضٌ وتهويلُ
ألا يا عاذلَ المشتا قِ إنّي عنك مشغولُ
وفي العشّاقِ معذورٌ وفي العشّاق معذولُ
أسُلْوانٌ ولي قلبٌ له في الحبّ تأويلُ
بمَنْ في خدِّه وردٌ وفي عينيه تكحيلُ
وجيشُ الوجدِ منصورٌ وجيشُ الصّبرِ مخذولُ
وله:
جفْنُ عيني شفّه الأرَقُ وفؤادي حشوهُ الحُرَقُ
من لمشتاقٍ حليفٍ ضنىً دمعهُ في الرّكبِ منطلقُ
أنا في ضِدّين نارِ هوىً ودموعٍ سُحْبُها دُفَقُ
بي حريقٌ في الفؤاد ولي مُقلةٌ إنسانُها غرِقُ
وحبيب غابَ عن نظري فدموعي فيه تستبقُ
غاب عن عيني فأرّقني فجفوني ليس تنطبقُ
قلت إذ لمَ العواذلُ واص طلحوا في اللّوْم واتّفقوا
وفؤادي فيه ذو قلقٍ ماعلى العُذّال لو رفَقوا
مذ نأت عنّي منازلُه ليس لي خلقٌ به أثِقُ