الحيا المنهل، والمحيا السهل، ذو الشيبة المنيرة، والهيبة المبيرة، والهمة الأبية.
كان للخائف ملاذًا وفي المخاوف معاذًا. فكل من يخشى من الخليفة والسلطان، يجد عنده المن والمنى والأمان، فلا يقدر عليه ولا يساء إليه، حتى قال بعض الواسطيين في هذا المعنى:
كلُّ مَنْ وَلَّتْ سعادتُه فإِلى الغَرّافِ ينحدرُ
وترى الغَرّافَ عن كَثَب عبرةً يأتي بها الخبرُ
قال لي الشاهد، هبة الله، بن سلمان، الواسطيُّ: هذا الشعر، لي من جملة أبيات نظمتها.
[ ٥٢٩ ]
قرب حماد لابن حَماد، كهف وراد ورواد. ما ينحدر أحد إليه، إلا أنعم عليه، وحظي لديه.
فالجود على الحقيقة مات بموته، والكرم في العراق، بين الخليقة فات بفوته.
كان أبًا للأيتام مربيًا، وبرًا بمستحقي البر على الأبرار مبرًا مربيًا، يتصدق وينفق، وسوق المعالي عنده تنفق.
قد كانت بلاد البطائح، محترمة به كالأباطح، أحصن من الحصون، والبلد المصون.
كانت أيامه غررًا في الغراف مجمع الأفاضل والأشراف.
وافاه الحِمام في الحَمّام، وذبح ولا ذَبْحَ فراخ الحَمام. وثب عليه بعض أحفاد المهذب بن أبي الجبر، ليغلب على بيته على سبيل القهر والجبر، فدخل إليه الحمّامَ، واستحلَّ دمه الحرام، ولم يتمكن مما أراد، لكن خرب بقتله البلاد، وذلك في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة.
[ ٥٣٠ ]
أنشدني المخلص، أبو النجم، بن عمارة، الواسطي بها، لناصر الدولة مظفر بن حماد، كتبه إلى نصر بن مهذب الدولة:
أخي وابنَ خالي ما الَّذي كان بينَنا من الأمر حتّى صِرتَ تَنْفِرُ من قُربي
ولو أَتَّنِي يا نصرُ رامَتْ جَوانحي إساءةً فعلٍ فيك حارَبَها قلبي
حُكي لي: أن هذا نصرا ملك البطيحة بعد أبيه، ففتك به ابن حماد واستولى على الملك. وملوك البطائح لم يزالوا يملكون بالقتل والفتك.
[ ٥٣١ ]