بلا غلو إلى السبع الطباق سرى وعاد والليل لم يجفل بصبحهم١
قد تقدم القول على المبالغة، وتقرر أنها في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة. وتقرر أن الإغراق فوقها في الرتبة، وهو في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه عادة.
والغلو، فوقهما فإنه الإفراط في وصف الشيء بالمستحيل وقوعه عقلًا وعادة وهو ينقسم إلى قسمين: مقبول، وغير مقبول. فالمقبول لا بد أن يقر به الناظم إلى القبول بأداة التقريب، اللهم إلا أن يكون الغلو في مديح النبي -ﷺ- فلا غلو.
ويجب على ناظم الغلو أن يسبكه في قوالب التخيلات الحسنة، التي يدعو العقل إلى قبولها في أول وهلة، كقوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَار﴾ ٢ فإن إضاءة الزيت من غير مس نار، مستحيلة عقلًا، ولكن لفظة يكاد، قربته فصار مقبولًا.
ومنه قول أبي العلاء المعري:
تكاد قسيه من غير رام تمكن في قلوبهم النبالا
تكاد سيوفه من غير سل تجد إلى رقابهم انسلالا
ويعجبني هنا قول ابن حمديس الصقلي، في وصف فرس:
ويكاد يخرج سرعة من ظله لو كان يرغب في فراق رفيق
_________________
(١) ١ السبع الطباق: السموات السبع. ٢ النور: ٢٤/ ٣٥.
[ ٢ / ١٦ ]
ومنه قول الفرزدق، في على بن الحسين بن على بن أبي طالب -﵃ أجمعين:
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم١
ومن الغلو المقبول، بغير أداة التقريب، قول أبي الطيب المتنبي في ممدوحه:
عقدت سنابكها عليه عثيرًا فلو ابتغى عنقًا عليه أمكنا
معنى هذا البيت: أن سنابك الخيل، وهي أطراف الحوافر، عقدت على هذا الممدوح عثيرًا، وهو الغبار، حتى لو أراد أنه يمشي عليه عنقًا لأمكن، والعنق هو المشي السريع، وانعقاد الغبار في الهواء حتى يمكن المشي عليه، مستحيل عقلًا وعادة إلا أنه تخيل حسن مقبول.
وقد وقع٢ للقاضي الأرجاني، جمع فيه بين الشيئين الموجبين للقبول والتقريب، وهما ما جرى بهما مجرى كاد، والتخيل الحسن، وذلك قوله:
يخيل لي أنْ سُمّر الشهب في الدجا وشدت بأهدابي إليهن أجفاني
فقوله: يخيل لي، هو الجاري مجرى كاد، فإنه جعل الأمر توهمًا لا حقيقة، وأما التخيل الحسن، فهو ما ذكر من تسمير الشهب، وشد أجفانه إليها بأهدابه، وجعل الأهداب بمنزلة الحبال، ولا يخفى ما في هذا من التخييل الحسن.
وأما الغلو الذي هو غير مقبول فكقول أبي نواس:
فلما شربناها ودب دبيبها إلى موضع الأسرار قلت لها قفي
مخافة أن يسطو عليَّ شعاعها فيطلع ندماني على سري الخفي
قالوا: إن سطوة شعاع الخمر عليه، بحيث يصير جسمه شفّافًا يظهر لنديمه ما في باطنه لا يمكن عقلًا ولا عادة.
ومنه قول بعضهم:
أسكر بالأمس إن عزمت على الشرب غدًا إنَّ ذا من العجب
_________________
(١) ١ الحطيم: بناء خارج الكعبة قبالة ميزاب الرحمة، الاستلام: أي استلام الحجر الأسود وهو من شعائر الحج. ٢ وقع تخييل حسن.
[ ٢ / ١٧ ]
فسكره بالأمس، بسبب عزمه على الشرب غدًا، مما لا يمكن عقلًا ولا عادة أيضًا.
ومنه قول أبي نواس:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه لتخافك النطف التي لم تخلق
وهذا الذي قاله أبو نواس أيضًا، أمر مستحيل، فإن قيام العرض الموجود، وهو الخوف بالمعدوم، وهي النطف التي لم تخلق، لا يمكن عقلًا ولا عادة. ومن ألطف ما يحكى هنا أن العتابي الشاعر لقي أبا نواس، فقال له: أما تستحي من الله بقولك:
وأخفت أهل الشرك البيت؟ فقال له أبو نواس: وأنت أيضًا ما استحيت من الله بقولك:
ما زلت في غمرات الموت مطرحًا يضيق عني وسيع الرأي من حيل
لم تزل دائبًا تسعى بلطفك لي حتى اختلست حياتي من يدي أجلي١
فقال العتابي: قد علم الله، وعلمت أن هذا ليس مثل قولك، ولكنك أعددت لكل سؤال جوابًا.
ومنه قول بعضهم:
قد كان لي فيما مضى خاتم واليوم لو شئت تمنطقت به٢
وذبت حتى صرت لو زج بي في مقلة النائم لم ينتبه٣
ومثل هذا أيضًا لا يقبله العقل، ولا عليه رونق القبول.
قلت: ومراتب الغلو تتفاوت إلى أن تئول بقائلها إلى الكفر. فمن ذلك قول ابن دريد:
مارست من لو هوت الأفلاك من جوانب الجو عليه ما شكا
قيل: إنه لأجل هذا البيت، والإدعاء العظيم الذي ادعى فيه ابتلي بمرض كان فيه يخاف من الذباب أن يقع عليه.
_________________
(١) ١ معنى قول أبي نواس ظاهرة الشرك وباطنه المبالغة فهو يكاد يصل بممدوحه درجة الخالق جلّ وعلا إذ النطف التي لم تخلق لا تخاف إلا خالقها، عقلًا وقول العتابي: يعني: ما زلت أعاني من المصاعب المميتة ولا أستطيع لنفسي حيلة للنجاة. وأنت واضبت، تلطفًا منك وكرمًا، تفتش لي عن مخرج مما أنا فيه حتى كان ذلك على يديك فكأنك قد خلصتني من الموت بإذن الله. ولا يخفى الفرق بين المقصودين. ٢ تمنطق: لبس المنطقه وهي قطعة من جلد أو من قماش تشد على الوسط. ٣ زجّ: حشر ووضع في مكان يضيق عليه.
[ ٢ / ١٨ ]
ومنه قوله:
ولو حمى المقدار عنه مهجة لرامها أو تستبيح ما حمى
تغدو المنايا طائعات أمره ترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى
ومثله قول أبي الطيب:
كَأَنّي دَحَوتُ الأَرضَ مِن خِبرَتي بِها كَأَنّي بَنى الإِسكَندَرُ السَدَّ مِن عَزمي١
هذا أيضًا من الغلو الذي يؤدي إلى سخافة العقل، مع ما فيه من قبح التركيب، وبعده عن البلاغة.
وأقبح من هذا كله قول عضد الدولة:
ليس شرب الراح إلا في المطر وغناء من جوارٍ في السحر
غانيات سالبات للنهى ناغمات من تضاعيف الوتر٢
مبرزات الكأس من مطلعها ساقيات الراح من فاق البشر٣
عضد الدولة بان ركنها ملك الأملاك غلاب القدر
روي أنه لم يفلح بعد هذا القول، وكان لا ينطق إلا بقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ٤.
ولولا الإطالة، وهو نظم غير مقبول، لأوردت كثيرًا من نظم الذين كانوا يتساهلون في هذا النوع، كأبي نواس، وابن هانئ الأندلسي، والمتنبي، وأبي العلاء المعري، وغيرهم من المتأخرين، كابن نبيه ومن جرى مجراه. وكنت من المبادئ أستقبح قول الشيخ صفي الدين الحلي، وأستقل أدبه بقوله، في موشحه الذي أوله: دارت على الدوح سلاف القطر. وذلك قوله في ممدوحه:
لو قابل الأعمى غدا بصيرا ولو رأى ميتًا غدًا منشورا٥
ولو يشا كان الظلام نورا ولو أتاه الليل مستجيرا
آمنه من سطوات الفجر
_________________
(١) ١ دحوت الأرض: سطحتها فجعلتها مدحية مسطحه، أو بسطتها ووسعتها. ٢ النهى: العقول والألباب. ٣ فاق البشر: أعلى منزلة منهم. ٤ الحاقة: ٦٩/ ٢٨، ٢٩. ٥ النشور: الحياة بعد الموت.
[ ٢ / ١٩ ]
وبيته في بديعيته على هذا النوع، أعني الغلو، قوله:
عزيز جار لو الليل استجار به من الصباح لعاش الناس في الظلم
قلت هذا الغلو هنا مقبول، في مديح النبي -ﷺ- غير لائق بممدوحه الذي أشار إليه في موشحه بقوله:
ولو أتاه الليل مستجيرًا آمنه من سطوات الفجر
فقد تقرر أن الناظم إذا قصد الغلو في مديح النبي -ﷺ- فلا غلو.
وبيت العميان في بديعيتهم يقولون فيه، عن النبي -ﷺ:
تكاد تشهد أن الله أرسله إلى الورى نطف الأبناء في الرحم
فنسبة الشهادة إلى النطف، وهي في الأرحام، لا تمكن عقلًا، وما استحال عقلًا استحال عادة، وهذا الغلو هنا مقبول في مديح النبي -ﷺ- وقد زاد الناظم تقريبه بكاد، ولكن ذكر الأرحام والنطف في المدائح النبوية ما يخلو من قلة أدب.
وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته، يقول فيه عن النبي -ﷺ:
في مدحه نفحات لا غلوّ بها يكاد يحيي شذاها بالي الرمم١
نفحات هذا البيت عطرت الوجود بالمديح النبوي، وغلوها فيه ملحوظ بعين القبول، وتقريبها بكاد أحرز قصبات السبق، ولا أقول كاد، وهذا البيت عندي مقدم على بيت الشيخ صفي الدين، وبيت العميان، لالتزامه بتسمية النوع البديعي مورى به من جنس المديح، مع انسجامه ورقته.
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، ﷺ:
بلا غلو إلى السبع الطباق سرى وعاد والليل لم يجفل بصحبهم
هذا الغلوّ يرخص عنده بانتظامه في سلك المدائح النبوية كل غلو، فإنه لو كان في غير النبي -ﷺ- استحال عقلًا وعادة، ونعوذ بالله من نسبته إلى غيره، فإنها تؤدي إلى الكفر المحض، وحصره في النبي -ﷺ- متفق عليه عقلًا ونقلًا. وقولي عند نظم هذا النوع بلا غلو، ويعلم طالب هذا العلم طريق سلوك الأدب، وهذا البيت من خلاصات المدائح النبوية، فنرجو الله أن تشملنا بركة ممدوحه، ﷺ، والله أعلم.
_________________
(١) ١ الرمم: جمع رمة وهي جثة الإنسان بعد موته.
[ ٢ / ٢٠ ]