أقول هذا باب عقدناه لذكر إفشاء السر وضده وهزل كل منهما وجده إذ للمحبين فيهما مذهبان فمنمهم من أباح إباحته ورأى في إفشائه راحته ومنهم من رأى كتمانه من الديانة فحل من مراتب الحب في أعز مكانة حيث قال:؟؟؟؟؟؟؟؟ باح مجنون عامر بهواه وكتمت الهوى فمت بوجدي
فإذا كان في القيامة نودي من قتيل الهوى تقدمت وحدي
نعم من الناس من كتمه فأراه كتمانه عدمه ومنهم من أفشاه فوقع فيما يخشاه ولكل من المذهبين شاهد وبحر دمع زائد لا ينجو غريقه ولا تسلك طريقه فالعاشق منهما بين داءين كلاهما الأخطر وسيفين لا بد من قتله بإحدهما على الصحيح الأشهر كما قال شهاب الدين السهروردي:
وارحمتا للعاشقين تحملوا سرالمحبة والهوى فضاح
بالسر إن باحوا تباح دمائهم وكذا دماء العاشقين تباح
وإذا هم كتموا تحدث عنهم عند الوشاة المدمع السفاح
والذي أراه في ذلك لكه وتمييز وأبله من طله أن المحب إذا علم من محبوبه الوفاء وعدم الجفاء فالواجب عليه إفشاء السر إلى الحبيب وابداء العلة إلى الطبيب كما قيل:
وبح بالسرائر في أهله وإياك في غيرهم أن تبوحا
وقد ظفر أبو جعفر الشطرنجي حيث قال:
قل لمن شئت أنني بك مغرم ثم دعه يروضه إبليس
وقد قال بعض من مارس الحب وجلب أشطره إفشاء المحب سره إلى المحبوب وشكوى ما يقاسيه طرف من السحر.
قلت: بل هو السحر ومعظمه وجله وقد عرف ذلك من جربه وأدبه الحب وهذبه.
[ ٣٥ ]
وعلى هذا حكاية أحمد بن واصل قال لما كلفت عباسة بنت المهدي بجعفر بعد أن زوجه بها الرشيد وشرط عليه أن لا يقربها واشتد وجدها به وعشقها له ولم يطاوعها على ما أحبت وخاف على نفسه من الرشيد أن يظهر أمرها فكتبت له.
عزمت على قلبي أن يكتم الهوى فصاح ونادى إنني غير فاعل
فإن لم تصلني بحت بالسر عنوة وإن عنقتني في هواك عواذلي
وإن كان موت لا أموت بغصتي وأقررت قبل الموت أنك قاتلي
فنالت منه ما أرادت وهل حصل لها ذلك إلا بإفشاء سرها وشكوى ضرها.
وقال ابن شاذان الكاتب: قالت لي عريب جارية المأمون كنت مع الواثق وهو يطوف على حجر جواريه عند خروجه إلى الأنبار متنزهًا فدخل على فريدة جاريته وكان يحبها جدًا وكان أيضًا يهوي وصيفة لها ولم يكن يعلم ذلك غيري فلما رأته عندمولاتها دخلت خزانتها وقامت على رأسها وعليها عصابة مكتوب عليها بالذهب هذان البيتان:
عينيّ تبكي حذر البين ما أسخن الفرقة للعين
لم أر في الحب ولوعاته أوجع من فرقة إلغين
فقال لي الواثق فهمت يا عريب فقلت: نعم يا سيدي فكتب على الأرض بقضيب في يده:
ظهر الهوى وتهتكت أستاره والحب خير سبيله إظهاره
فاعص العوازل في هواك مجاهرا فألذ عيش المستهام جهاره
فحفظت الأبيات وتضاحكا ففطنت فريدة فقالت: يا سيدي علمت ما أنتما فيه فأمنن على أمتك بقبولها فقال الواثق قد فعلت خديها إليك يا عريب فأخذت بيدها فما ملك نفسه حتى انصرف من خلفي مسرعًا فخلا بها وأمرني بألف دينار.
ومنهم من لا يجري ذكر العشق على لسانه البتة ويسكت حتى كان به السكتة ولم أر في ذلك مما يتنافس فيه المتنافس أحسن من قول ابن قلاقس:
كتمت الهوى عند العواذل ظنة عليهم بمن أصبو إليه وأهواه
ولو قلت أني عاشق فطفوا به لعلمهم أن ليس يعشق إلا هو
ومنهم من يبوء بإثمه ويرى التصريح باسمه
فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى فلا خير في اللذات من دونها ستر وقال ابراهيم بن عبد الله:
رأيت على خد جارية مكتوبًا بالغالية
كل يوم أذوب من ألم الشوق وقلبي من الصدود قريح
لم أجد خلوة إليك فاشكو ما بقلبي لعله يستريح
ويح قلبي كأنه لحد قبر ضم أعضاء ميت فيه روح
وفي البيت الثاني من هذه الأبيات تنبيه على إفشاء السر إلى الحبيب لا يكون إلا خلوة فينبغي أن لا يعلم به خلًا ولا صديقًا ما وجد إلى ذكل طريقًا كما قيل:
يا موقد النار إلهابًا على كبدي إليك أشكو الذي بي لا إلى أحد
إليك أشكو الذي بي من هواك فقد طلبت غيرك للشكوى فلم أجد
وقال الأحوص:
لعمرك ما استودعت سري وسرها سوانا حذارًا أن تضيع السرائر
ومن ظريف ما مر بي في هذا الباب أن بعض العشاق أنشد يومًا محبوبته قول الشاعر:
سري وسريك لم يشعر به أحد إلا الإله ولا أنت ثم أنا
فقالت له لا تنسى القوادة فإنها لا بد أن تدري بسرنا وتطلع على أمرنا.
ومن أحسن ما سمعته في ذم مفشي السر قول الحسين بن بشر.
لحى الله امرأً أوعاك سرًا لتكتمه وفض الله فاه
فإنك بالذي استوعبت منه أنم من الزجاج بما حواه
قلت وما يبعد أن يكون المتصف بهذه الصفة من ذرية القائل:
وما أكتم الأسرار لكن أنمها ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي
فإن قليل العقل من بات ليله تقلبه الاسرار جنبًا على جنب
وأين هذا من قول القائل:
وقائلة ما بال جسمك لا يرى سقيمًا وأجسام المحبين تسقم
فقلت لها قلبي بحبك لم يبح لجسمي فجسمي بالهوى ليس يعلم
ويحكى أن سكينة بنت الحسين بن علي ﵃ مرت في جواريها بعروة بن أذينة وهو يغني فقالت لجواريها: من الشيخ. فقلن: عروة. فمات نحوه. فقالت: يا أبا تمام أنك تزعم لم أنك تعشق قط كيف وأنت تقول: قالت: وابثثتها سري فبحت به.
[ ٣٦ ]
وقد كنت عندي تحب الستر فاستتر الستر تبصر من حولي فقلت لها: غطى هواك وما ألقى على بصري وقالت: كل ما ترى حولي من الجوار أحرار إن كان ٨٧ هذا الكلام خراج عن قلب سليم قط حكي عن أحمد بن أبي عثمان الكاتب أنه صديقًا لأبي الفضل عبد الغفار الأنصاري فعشق أحمد جارية لأم جعفر اسمها نعمي وهام بها فأطلعه على سره ووصفها له فعشقها عبد الغفار الأنصاري فأعتل علة طويلة فاتصل خبره بأم جعفر وظنت أن به علة فوجهت إليه طبيبًا فأنشد:
أرسلت أم جعفر لي طبيبًا لشكائي فضل علم الطبيب
ودوائي واصل دائي لديها في يدي شادن غرير ربيب
خبروها بأن نعمي دوائي كي تداوي مريضها عن قريب
فسمعت أم جعفر الآبيات وسألت عن قصته فلما وقفت عليها وهبته الجارية وهجر أحمد عبد الغفار وقال جعلتك موضعًا لسري فأفسدت علي والمفاسد المترتبة على إفشاء السر إلى الغيرة كثيره ولهذا قاال أبو العلاء المعري:
فظن بسائر الإخوان شرًا ولا تأمن عليّ فؤادًا
وقال الصاحب محي الدين الجزري من رسالة فواعجبًا كيف لا يتفطن من لا اسمية ولا ينشق لكثرة ما أحوم حول القول فيه ولا أوفيه أن شرحت فاضت نفوس فضلًا عن عيون وترامت إلى مهاوي الإثم الظنون ولو ابديت بعضه أخاف أن يفطن الناس وأن افضت فيه أخشى أن لا يسعه قرطاس.
ومن أحسن ما سمعه في كتمان السر قول النابغة.
وكان الإمام علي ﵁ يتمثل به وهو:
لا تفش سرك لا إليك فإن لكل نصيح نصيحًا
فإني رأيت وشاه الرجال لا يتركون أديمًا صحيحًا
وكتب بهما عبد الملك بن مروان إلى الحجاج وكان قد استكتمه أمرًا في كتاب كتبه ليه فظهر وقال عمرو بن العاص ما استودعت أحدًا سرًا فأفشاه فلمته لأني كنت أضيق منه صدرًا به حين استودعته أخذه الشاعر فقال:
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسهفصدر الذي يستودع السر أضيق
وقال آخر:
إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها فسرك عند الناس أفشي وأضيع
وقال أبو جعفر الشطرنجي:
فلا تخبر بسرك بل أمته وصير من حشاك له حجابًا
فما أودعت مثل النفس سرًا ولا أغلقت مثل الصدر بابًا
وحكى الماوردي أن عبد الله بن طاهر تذاكر الناس في مجلسه حفظ السر فقال:
ومستودعي سرًا تضمنت ستره فأودعته من مستقر الحشى قبرا
فقال ابنه عبد الله وهو صبي وأحسن ما شاء.
وما السر في قلبي كثا وبحفرة لأني أرى المدفون ينتظر الحشرا
ولكنني أخفيه حتى كأنني من الدهر يوما ما احطت به خبرا
وقال آخر:
يا ذا الذي اودعني سره لاترج أن تسمعه مني
لم أجره بعد في خاطري كانه ما مر في اذني
وقال بشار:
لأخرجن من الدنيا وحبكم بين الجوانح لم يعلم يه أحد
وقال طلحة بن أبي بكر:
لا تظهرن محبة لحبيب فترى بعينيك منه كل عجيب
أظهرت يومًا للحبيب مودتي فأخذت من هجرانه بنصيب
قيل أسر رجل إلى رجل حديثًا لما فرغ قال: أحفظته. قال: بل نسيته وقال ابن المعتز كلما كثرت خزان الأسرار زاد ضباعًا ومن كلام الحكماء احفظ ذهبك كما تكتم مذهبك ومنها مقتل الرجل بين فكيه. ومن كلام القاضي الفاضل وأمت الأسرار في قلبك والحد موتاها في جنبك فقبيح بك أن يرى لك سر إلا ربك. ووصف أعرابي قومًا فقال: سيوفهم آفات الأعمار وصدورهم قبور الأسرار وما أحسن قول ابن مماتي من أبيات:
وضاق علي السجن حتى كأنني حللت به للضيق في صدر محنق
فياليتني كالدمع في جفن عاشق فأخرج أو كالسر في صدر أحمق
وقال العباس بن الأحنف.
باخ دمعي فليس يكتم سرًا ووجدت اللسان ذا كتمان
كنت مثل الكتاب أخفاه طي فاستدلوا عليه بالعنوان