أخبرني عم أبي عن أبيه قال قال العتابي كنت واقفًا بباب المأمون أنتظر من يستأذنه لي فأقبل يحيى بن أكتم فقمت إليه فقلت أستأذن لي على أمير المؤمنين فقال لست بحاجب فقلت ولكنك ذو فضل وذو الفضل معوان قال سلكت بي غير سبيلي قلت ان الله قد أتحفك بجاه وهو مقبل عليك بالزيادة إن شكرت وبالنقصان إن كفرت وأنا لك منذ اليوم أنفع منك لنفسك أدعو إلى زيادة نعمتك وتأبى على ولكل شئ زكاة وزكاة الجاه رفد المستعين وقد قال رسول الله
(أفضلُ المعروف فضل جاهكَ تعود به على من لا جاهَ له) فقعدت ودخل فما لبث ان خرج الحاجب يسأل عني فدخلت فقال
حدثنا أبو نصر التمار عن سفيان بن عيينة عن ابن نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله & علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وجعفر الطيار وعمر بن الخطاب
[ ١ / ١٥٣ ]
رضي الله تعالى عنهم أجمعين فتذاكروا المعروف فقال علي: المعروف حصن من الحصون وكنز من كنوز فلا يزهدنك فيه كفر من كفره فقد يشكر الشاكر ما أضاعه جحود الكافر. وقال العباس: المعروف أفضل الأمور وأوثق الحصون ولايتم إلا بثلاثة تعجليه وتصغيره وستره فإذا عجلته هنأته وإذا صغرته عظمته وإذا سترته تمته إن بأهل المعروف من الرغبة أكثر مما بأهل الحاجة إليهم وبيان ذلك أن لهم ذكره وسناه وفخره فمهما أتيت من معروف فإنما أتيته لنفسك. وقال عمر إن لكل شئ أنفًا وأنف المعروف السراح. فخرج عليهم رسول الله & فقال (فيم أنتم) فقالوا نتذاكر المعروف فقال ﵊ (المعروف كاسمه وأولُ من يدخل الجنة المعروف وأهلهُ) . ومن أجود ما قيل في بذل المعروف وإن كان قليلًا ما
أخبرنا به أبو أحمد عن الجوهري عن المنقري عن الأصمعي عن بعض العباسيين قال كتب كلثوم بن عمرو إلى رجل في حاجة: بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاءك وجعله يمتد بك إلى رضوانه وجنته. أما بعد فإنك كنت روضة من رياض الكرم تبتهج النفوس بها وتستريح القلوب إليها وكنا نعفيها من النجعة استتمتمًا لزهرتها وشفقة على نظرتها وادخارًا لثمرتها حتى مرت بنا في سفرتنا هذه سنة كانت قطعة من سني يوسف اشتد علينا كلبها واخلفتنا غيومها وكذبتنا بروقها وفقدنا صالح الإخوان فيها فانتجعتك وأنا بانتجاعي بك كثير الشفقة عليك مع علمي بأنك نعم موضع الزاد واعلم بأن الكريم إذا استحى من إعطاء القليل ولم يحقر الكثير لم يعرف جوده ولم تظهر همته وأنا أقول في ذلك:
(ظلُّ اليسارِ على العباسِ محدودُ وقلبهُ أبدًا بالبخلِ معقودُ)
(إنَّ الكريمَ ليخفي عنك عسرتهُ حتى تراه غنيًا وهو مجهود)
(وللبخيل على أمواله عللٌ رزقُ العيونِ عليها أوجهٌ سود)
(إذا تكرهت أن تعطي القليلَ ولم تقارب على سعةٍ لم يظهر الجود)
[ ١ / ١٥٤ ]
(بثَ النوالَ ولا يمنعك قلتهُ فكل ما سدَ فقرًا فهو محمودُ)
قال فشاطره ماله حتى بعث إليه قيمة نصف خاتمه وفرد نعله. ومن مليح ما جاء في هذا المعنى قول ابن الرومي:
(أبا عمروٍ لك المثلُ المعلّى وجدُ عدوَّك التربُ الذليلُ)
(رأيتُ المطلَ ميدانًا طويلًا يروضُ طباعهُ فيهِ البخيلُ)
(فما هذا المطالُ فدتك نفسي وباعُكَ بالندَى باعٌ طويل)
(أظنك حينَ تقدرُ لي نوالًا يقلُ لديك لي منهُ الجزيلُ)
(فلا تقدرْ بقدركَ لي نوالًا ولا قدري فيحقرُ ما تنيلُ)
(وأطلِقْ ما تهمُّ بهِ عساهُ كفافي أيها الرجلُ النبيلُ)
(وإلا فالسلامُ عليم مِنّي نبتْ دارٌ فأسرعَ بيَ الرحيلُ)
(إذا ضاقت على أملٍ بلادٌ فما سُدَّتْ على عزمٍ سبيلُ)
وقال غيره:
(وما الجودُ عن فقرِ الرجالِ ولا الغنى ولكنهُ خيمُ الرجال وخيرُها)
ومن عجيب المعاني في عظم السؤال وموازنته للنوال بل رجاحته عليه ما
أخبرنا به أحمد
أخبرنا أبو بكر بن دريد
أخبرنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد قال دخل كوثر بن زفر بن الحارث الكلابي على يزيد بن المهلب فقال له أيها الأمير أنت أعظم قدرًا من أن تستعان أو يستعان عليك وليس تفعل من المعروف شيئًا ألا وهو يصغر دونك وأنت أكبر منه وليس العجب أن تفعل ولكن العجب أن لا تفعل. فقال سل حاجتك قال حملت عشر ديات وقد بهظتني فقال قد أمرت لك بها وشفعتها لك بمثلها فقال أما ما سألتك بوجهي فأقبله منك وأما ما أبتدأتني به فلا حاجة لي فيه. قال ولم وقد كفيتك مؤنة السؤال؟ قال أني رأيت الذي أخذت مني بمسألتي إياك بوجهي أكثر مما نالني من عرفك وكرهت الفضل على نفسي. فقال له يزيد أسألك بحقك علي لما رأيتني أهله من إنزال الحاجة بي إلا قبلتها فقبلها.
[ ١ / ١٥٥ ]
وسأل العتابي رجلًا فحصر وأقل فقيل له قد أقللت فقال وكيف لا أقل ومعي ذل المسألة وحيرة الطلب وخضوع الهيبة وخوف الرد. وقيل لآخر متى يكون البليغ عيبًا قال إذا سأل حاجة لنفسه. وقال أحمد بن أبي خالد الأحول: ما استكثرت بذلًا بذلته قط لأني أرى الأجر والشكر أكثر منه ولا استصغرت معروفًا قط لأني أراه أكبر من تركه. ومن جيد ما قيل في الترغيب في المعروف قول الأول:
(فإنك لا تدري إذا جاءَ سائلٌ أأنتَ بما تعطيهِ أم هو أسعدُ)
(عسى سائلٌ ذو حاجةٍ ان منعتهُ من اليومِ سؤلًا أن يكون لهُ غدُ)
هذا آخر كتاب الخصال والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصبحه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بصرنا سبل الحمد ووفقنا على طرق الذم لنضع كلًا منهما في موضعه ونستعمله في حينه ونلحقه بمستحقه إذ ذكر من أحبه فقال ﴿نعم العبد إنه أواب﴾ ووصف من مقته فقال ﴿همازٍ مشاءٍ بنميم مناعٍ للخير معتدٍ أثيم عتلٍ بعد ذلك زنيم﴾ فذم قوله وفعله وعاب شيمته وخلقه وهتك بالشتم عرضه وسود بالذم وجهه جزاءً بما اكتسب من ذميم الفعال ووفقًا لما أطلقه من اسم المقال نكالًا من الله والله عزيز حكيم. وصلى الله على نبيه محمد البشير النذير الداعي إلى الله باذنه والسراج المنير وعلى آله الطيبين وعترته.
[ ١ / ١٥٦ ]