أخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن عمه قال كانت عند رجل من بني أسد ابنة عم له ورآها فدخل إليها يومًا وهي متغضبة فقال ما شأنك. قالت إنك لا تشبب بي كما يشبب الرجال بنسائهم، قال أفعل ثم أنشأ يقول:
(تمتْ عبيدةُ إلاّ في ملاحِتها والحسنُ منها بحيثُ الشمسُ والقمرُ)
(ما خالفَ الظبيُ منها حينَ تُبصِرُها إلا سوالفُهُ والجيدُ والنظرُ)
(قُلْ للذي عَابها من حاسد حَنق أقصر فرأسُ الذي قد عبتَ والحجر)
وأنشدنا للعديل بن الفرج العجلي:
(هل تقضينَ لمستهام حاجةً نيطت إليك بها حبالُ رجائهِ)
(أفنى تجلدهُ بقاءُ دموعهِ وأدامَ عَبرتهُ فناءُ عزائهِ)
وحدثنا أبو أحمد عن الصولي عن أحمد بن محمد الخراساني قال كنت في مجلس ابن ثوابة فناظره رجلٌ عن ضيعة له فاستقصى الحجة وأخذ بنفسه فقال ابن ثوابة
[ ٢ / ٢٣٦ ]
يا مابون فوثب الرجل وهو يقول:
(كلانا يرى الجوزاءَ يا جُمل أن بدت ونجمُ الثريا والمزارُ بعيدُ)
فتحدث الناس بها مدةَ. قال أبو بكر ويشبه هذا حديثًا حدثناه أبو العيناء قال خاصم يومًا جيلان القمي المقبول الزيادي فقال المقبول يا دعي فأنشأ جيلان يقول:
(بثينةُ قالت يا جميلُ أربتني فقلت كلانا يا بثين مُريبُ)
فبلغ هذا ابن عائشة التيمي فقال: جيلان في التمثل بهذا البيت في هذا الموضع أشعر من جميل قائله. أنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا أبو بكر بن دريد لنفسه يهجو بعض النحويين:
(عفظير إن اختلفنا في الفعلِ من فاعلينِ)
(فقال قومٌ يثني لجمعنا الهمزتين)
(وقال قومٌ يعدّي بملتقى الساكنين)
(وأنتَ أعلم منا بذا وذاك وذين)
(لأنكَ الدهرَ فعلٌ يعتلُ من جهتينِ)
وأنشدني عم أبي ﵀:
(صحبتكم دهرًا طويلًا لعسرتي أرجى نجاحًا والظنونُ فنون)
(فما نلتُ منكم طائلًا غيرَ أنني تعلمتُ ذلَ العيشِ كيفَ يكونُ)
وأنشدني أيضًا في مسجون:
(لئن حجبتك الحجبُ عنا فربما رأينا جلابيبَ السحابِ على الشمسِ)
وأنشدنا أبو أحمد عن ابن المسيب عن ابن الرومي:
(خيرُ مال موزونه لذوي الحمد كما خيرُ حمدِهم مَوْزونهْ)
(وأصحُ الآراءِ ما ظنَ ذو الأفنِ بذي الرأي أنهُ مأفونه)
ومن ههنا أخذ المتنبي قوله:
(وإذا أتتك مذمَّتي من ناقصٍ فهي الشهادةُ لي بأني فاضلُ)
[ ٢ / ٢٣٧ ]
(والمحلُ الخلاءُ من كلِّ ضيفٍ ومضيف معطلٌ مسكونهُ)
(وأخسُ الرجالِ من راحَ فيهمْ مُسلمَ العرضِ سالمًا ماعونهُ)
(أنفقِ المال قبل انفاقك العمرَ ففي الدهرِ ريبهُ ومنونهْ)
(لا تظننَ أنَّ مالك شئ كدم الجوفِ خيرهُ محقونهْ)
(قلما ينفعُ الثراءُ بخيلًا علقتْ في الثرَى المهيْلِ رهونْه)
(كلْ وأطعمْ فربما راع ريعًا زاكيًا منْ تعولهُ وتمونهْ)
(وإذا ما ظننتَ شرًّا فخفهُ ربَ شرٍ يقينهُ مظنونهْ)
(كم ركونٍ جنى عليك حذارًا من أطالَ الركونَ قلَّ ركونهْ)
وأنشدنا أبو أحمد عن ابن الأنباري عن أبيه:
(يموتُ قومٌ فيحي العلمُ ذكرَهُمُ ويلحقُ الجهلُ أحياءَ بأمواتِ)
ونحوه قول دعبل:
(سأقضي ببيتٍ يحمدُ الناسُ أمرَهُ ويكثر من أهلِ الروايةِ حامله)
(يموت ردئ الشعرِ من قبلِ ربهِ وجيّده يبقى وإنْ ماتَ قائله)
أخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر عن أبي عثمان عن التوزي عن أبي عبيدة عن خالد عن يونس: دخل الطرماحُ بن حكيم على خالد بن عبد الله القسري فقال له: أنشدني بعض شعرك فأنشده قوله:
(وشيبني أنْ لا أزال مُناهِضًا بغيرِ غِنى أسمو بهِ وأبوعُ)
(وإنَّ رجالَ المالِ أضحوا ومالهم لهم عندَ أبوابِ الملوك شفيع)
(امخترمي ريبُ المنونِ ولم أنلْ من المالِ ما أعصى بهِ وأطيعْ)
فأمر له بعشرين ألفًا وقال له اعصي بها الآن وأطع إذا شئت.
[ ٢ / ٢٣٨ ]