في صفات الخيل قد وصفها الناس في قديم الدهر وحديثه وصفًا كثيرًا واتسع فيها قولهم إتساعًا شديدًا وأنا أجئ بالبديع الغريب من ذلك وأضرب عن غيره لكثرته وإستفاضته ولا حاجة بالناس إلى أن نورد عليهم ما عرفوه ووقفوا عليه وتداولوه إلا مالا بُد من إيراده لفقد شبيهه وعدم نظيره: فمن بديع ما جاء عن القدماء في صفة الفرس قول أبي دؤاد:
(يحمل منه بعضه بعضه فراكبٌ منهُ مركوبُ)
وقول الأعرابي:
(وأحمرُ كالدبياج أما سماؤهُ فَرَيا وأما أرضهُ فمحُولُ)
سماؤه: أعاليه، وأرضه: أسافله: يعني حوافره. ومن أجود ما قيل في تأنيف أذن الفرس ما أنشده القتبي
(كأن آذانها أطراف أقلام)
وأحسن ما قيل في اصطفاف الخيل قول الأسعر:
(يخرجنَ من خللِ الغبارِ عوابسًا كأناملِ المقرورِ أقعى فاصطلى)
[ ٢ / ١٠٦ ]
أي كلهن يبادرُ الغارة فليس يفوت بعضها بعضًا: أخذه علي بن جبلة فقال ﵀:
(كأنَ خيلكَ في أثناءِ غمرتها أرسالُ قطرٍ تهامَى فوق أرسالِ)
(يخرجنَ من غمراتِ النقع سامية نشر الأناملِ من ذي القرةِ الصالي)
والأول أجود. ومثل ذلك قول الراجز
(مستويات كضلوع الجنب )
وفي وصف وقع قوائمها قول مالك بن حريم الهمداني:
(وتَهدي بي الخيل المغيرةَ نَهدة إذا صبرت صابت قوائمها معا)
ومن أحسن الاستعارة قوله:
(وإن عثرت إحدى يديهِ بثبْرة تجاوبَ أثناء الثلاث بدعدَعا)
وكان الأحسن أن لا يصفها بالعثار إلا أن قوله
(تجاوب أثناء الثلاث بدعدها )
مستعار حسن يعفى على إساءته في وصفه إياه بالعثار، ودعدع مثل قولهم (لعًا) وهو دعاء للعاثر بالحياة. وأهدى بعضهم شهريًا وكتب: بعثتُ بشهري حسن المجموع لين الموضوع وطئ المرفوع همه أمامه وسوطه لجامه. وقد أحسن ابن المعتز في وقوله:
(وخيل طواها القودُ حتى كأنّها أنابيبُ سمرِ من قنا الخط زبِّل)
(صببنا عليهم ظالمينَ سياطَنا فطارت بها أيدٍ سِراعٍ وأرجُلُ)
فذكر أنهم ضربوها من غير أن تمنع شيئًا من مطلوب سيرها فكانوا ظالمين لها. وقد أجاد في قوله أيضًا
(أضيع شئ سوطه إذ تركبه )
وقالوا أحسن بيت قالته العرب قول جرير:
(وطوى الطرادُ مع القيادِ بطونها على التجارِ بحضرموتَ بُرُودا)
وقد أحسن الأعرابي القول في سرعة الفرس حيث يقول
(غايةُ مجدٍ رُفعت فمن لها نحن حويناها وكنا أهلها)
(لو ترسلُ الريح لجئنا قبلها )
[ ٢ / ١٠٧ ]
وقول الآخر:
(جاءَ كمثلِ البرقِ جاشَ ماطرُه يسبحُ أولاهُ ويطفو آخره)
(فما يَمس الأرضَ منهُ حافرهُ )
وهذا غاية في وصف سرعة العدو إلا أن قوله
(يسبح أولاه ويطفو آخره )
ردئ لأنه جعله مضطرب المقاديم والمآخير. وقول عبيدة بن الطيب في الثور:
(يخفي الترابَ بأظلافٍ ثمانيةٍ في أربع مَسَّهنَّ الأرض تحليلُ)
يقول ان مواصلة هذا الثور بين خطواته كمواصلة الحالف يمينه بالتحلة لا تراخي بينهما، والتحلة قول إن شاء الله. ومن عجيب القول في سرعة الفرس قول ابن المعتز:
(كأنّ جنانَ الفلاةِ تضربه كأنّ ما يَهربُ منهُ يطلبه)
وقد أجاد القائل في صفة كلاب
(كأنما يرفعن مالا يُوضع )
ومن عجيب ما قيل في إدامة الجري قول العربُ يباري عنانه ظله ويباري شباة الرمح. ويستحب في الفرس إشراف مقدمه ومؤخره فمن أجود ما قيل في ذلك قول علي بن جبلة:
(تحسبهُ أقعدَ في استقبالهِ حتى إذا استدبرتهُ قلتَ أكبّ)
وقد أجاد المتنبي هذا المعنى في قوله:
(إن أدبرتْ قلتَ لا تليلَ لهاِ أو أقبلت قلتَ مالها كفلُ)
وقلت:
(طِرف إذا استقبلته قلتَ حبا حتى إذا إستدبرته قلت كبا)
(ذو أربع يلقى الصفا بمثلها وللحصى من خلفها وثب دبا)
(إذا ترامينَ به في سيرهِ تحسبهُ منها على أنف الصبا)
ووصف النبي