" الكناية عن أوصافهم وأحوالهم " " فصل في الاحتلام والختان " يكنى عن الختان بالطهر والتطهر: ومن املح ما سمعت في ذلك قول الصنوبري
اري طهر سيثمر بعد عرسًا كما قد يثمر الطرب المدامه
وما قلم بمغن عنك الا إذا التقيت منه كالقلامه
وما ينقضي تعجبي من حسن هذه الكناية وملاحة هذا التمثيل كما لا يتناهى اعجابي بقول ابي ابراهيم اسماعيل بن احمد العامري الشاشي من قصيدة مدح بها فخر الدولة وكنى عن تطهير ولديه باحسن كناية وما اظن ان احدًا خاطب ملك في معناه باحسن وابدع منه
[ ٦٤ ]
امسست شبلك في حق الهدى المًا لولا التقى لسفكنا فيه الف دم
جلوت سيفا ليرتاح الشجاع وقد شذبت غصن لينمى قامة النسم
كما لا احب ان احدا كنى عن احتلام الغلام باحسن من قول ابراهيم بن العباس في المنتصر وهو اذ ذاك ولي عهد
هذا هلال العهد قد اقمر بالمنتصر
ولي عهد الناس وابن امام البشر
يا ليلة نعدها مضت لنا من صغر
ابدت هلالا وانجلت مع صحبها عن قمر
" ومما يكنى " به عن القلفا قول دعبل
ما زال عصياننا لله يوبقنا حتى دفعنا الي فتح ودينار
إلى عليجين لم تقطع ثمارهما فقد طال ما سجدا للشمس والنار
" ومن ظريف " الكناية عنها ما قاله ابو سعيد بن دويست في غلام اتهم بمجوسي
عجبت من حسنك يا جوهري ومن مخازي فعلك المنكر
تترك ما يقشر من فولنا تبلع الفول ولم يقشر
" فصل في الكناية عن الغلام " الذي عبث به ووصف فراهيته وسائر أوصافه.. يكني عنه بالعلق والمطبوع والمعاشر والمواسى " ويقال " فلان يجيب المضطر إذا دعاه وهو من مكروه الاقتباس الذي نبهت عليه في كتاب الاقتباس من القرآن وفلان من الباب كما قال ابن طباطبا
عند صديق لنا من البابه يهيج للمسهام اطرابه
وفلان من شرط يحيى بن أكثم كما قال الاستاذ الطبري
يدور بها ساق تدور عيوننا على عينه من شرط يحيى بن أكثم
ويحيى بن أكثم مشهور باللواطة " وقد أحسن " القاضي علي بن عبد العزيز في الكناية عن شرط اللاطة بقوله من قصيدة كتبها إلى ابي القاسم علي بن محمد الكرخي
فان يك قد سلا وثناه عني رضاع الكأس أو ظبي ربيب
تسلطه النفوس على هواها وتعطيه أزمتها القلوب
باعطاف تباح لها المعاصي وألحاظ تحل لها الذنوب
فلى كبديه حرى وقلب على ما فيه من كمد طروب
ومن ملح ابي نواس في هذا المعنى قوله
مر بنا والعيون ترمقه تجرح منه مواضع القبل
أفرغ في قالب الجمال فما يصلح الا لذلك العمل
ولابي سعيد دوست في ذكر ذلك العمل
تعلقته علقًا كاللحم الجمل وهذا الربيع آوان الحمل
فرأيتك مولاي في غيره إذا ما نشطنا لذاك العمل
وعلى ذكر ذلك العمل فان ابا الحسن بن فارس أنشد لرجل بشيراز يعرف بالهمداني وقد عاتب رجلًا من كتابها على حضوره طعاما مرض منه
وقيت الردي وصروف العلل ولا عرفت قدماك الزلل
شكا المرض المجد لما مرضت فما نهضت سليما أبل
لك الذنب لا عتب الا عليك لماذا اكلت طعام السفل
طعامًا يسوي ببيع النبيذ ويصلح من جذر ذاك العمل
" ومن كنايات " الصوفي في هذا الباب قولهم للغلام الصبيح شاهد ومعناهم فيه انهم لحسن صورته شهيد بقدرة الله عز اسمه على ما يشاء " ويحكي " ان اصحاب ابي علي الثقفي تحلو لفظة الشاهد بين يديه هيبة له فتواصوا فيما بينهم ان يقولوا للغلام الصبيح حجة فاتفق انهم صحبوه في بعض الطريق فترأى لهم من بعيد غلام فقال أحدهم حجة وهو يظن انا ابا علي لا يفطن لمغزاه فلما قرب الغلام منهم كان غير مليح فالتفت ابو علي اليهم وقال داحض " وسمعت " بعض الفقهاء ينسب هذا الحكاية إلى ابي اسحق المروزي ونظيرها ما يروي ان شبانا مشوا مع ابن المنكدر فكانوا إذا رأوا امرأة جميلة قالوا بينهم قد ابرقنا وهم يظنون ان ابن المنكدر لا يفطن لمغزاهم فرأوا قبة مجللة فقال أحدهم بارقة وانكشف جلال القبة عن امرأة قبيحة فقال ابن المنكدر يا اخي هذه صاعقة " ومن مليح " الكناية عن الغلام المخنث قول سعيد بن حميد
الست ترى ديمة تهطل وهذا صياحك مستقبل
وهذا المدام وقد راعنا بطلعته الشادن الاكحل
فبادر به وبنا سكره تهون اسباب ما اسأل
فاني رايت له طره تدل على انه يفعل
[ ٦٥ ]
وأنشدت للحسن المروزي الضرير في غلام نصراني
وما انس لا انس ظبي الكناس يريد الكنيسة من داره
فيا حسن ما فوق ازراره ويا طيب ما تحت زناره
وكتب السري الموصلي إلى صديق له سرية في يوم الشك ويصف ما عنده من الملاهي
غدات الشك ندعوك إلى الراح تغاديها
وعندي قينة تعطيك در القول من فيها
إذا دغاغت العود حسبانه يناغيها
وراح كللت بالطيب من انفاس ساقيها
وورد كخدود الغيد تحكيه ويحكيها
وعلق يحمل الراية لا غشا ونمويها
" وللصاحب "
ان ابن مسرور فتى كاتب يأخذ من كل صديق قلم
مستحسن الشارة ذا شارة من أحذق الناس بحمل العلم
ولبعض العصرين من اهل نيسابور
ارسلت في وصف صديق لنا ماحقة كتبت بالعسجد
في الحسن طاووس ولكنه اسجد في الخلوة من هدهد
ولم اسمع احسن وابدع من قول ابي الحسن الجوهري الجرجاني لبعض الأجلة يتوسل اليه بخدمته في صباه ويكنى عن المعنى الطف كنايه
الا ايها الملك المعلى أنلني من عطاياك الجزيله
لعبدك حرمه والذكر فحش فلا تحوج إلى ذكر الوسيلة
ومما يستملح للمطراني الباشي ما كتبه إلى صديق له رأي عنده غلاما
رأيت ظبيًا يطوف في حرمك أغن مستأنسًا الي كرمك
أطمعني فيه انه رشأ يرشي ليغشى وليس من خدمك
فاشغله في ساعة إذا فرغ ت دواته ان رأيت من قلمك
ومن مليح ما كنى به عن الغلام الوسيم غير الجسيم قول الجماز
ظبيك هذا حسن وجهه وما سوى ذاك جميعًا يعاب
فافهم كلامي يا اخي جملة لايشبه العنوان ما في الكتاب
ولغيره في معناه
أتيح لي يا سهل مستظرف تفتني ألحاظه الساحره
ما شئت من دنيا ولكنه منافق لست له آخره
وفي مثل ذلك قال الظرفاء نثرًا ليس وراء عبادن الا الخشبات فنظمه ابو نصر بن المرزبان فقال
يا غزالا وجهه كالبدر يجلو الظلمات
ذقت من فيه ومن قبلته ماء الحيات
ليس لي من بعد عبا دان الا الخشبات
وسمعت بعض العامة يقول بالفارسية في وصف غلام يأخذ من دبره وينفق على قبله فلان يذيب الالية على الشحم..ثم سمعت بعض العامة يقول في ذلك فلان ينفق من طسته على ابريقه " وبلغني " أن اصحاب البريد بنيسابور كتب إلى الحضرة ببخارى في انهاء ما شجر بين بعض المشايخ بها وبين أحد القواد الاتراك فقال في حكاية ذلك وانه قال له يا مؤاجر فلما نظر وزير الوقت في هذه اللفظة أنكرها وأكبرها وصرف صاحب البريد عن عمله فلما ورد بخارى وحصل في مجلسه قرعه على تلك السقطة ووبخه وقال له هلا صنت حضرة السلطان عن مثل تلك اللفظة القذعة فقال أيد الله الشيخ الجليل فما كنت أكتب إذا وقد أمرت بانهاء الاخبار على وجوهها فقال أعجزت ويحك أن تكنى عنها فتقول شتمه بما يشتم به الاحداث أو كلاما يؤدي معناه " فصل في الكناية عما يتعاطى منهم " حكي المبرد قال كان سليمان بن وهب يكتب لموسى بن بغا ويتعشق مملوكا لموسى ولا يرى به الدنيا فخرج موسى ذات يوم متصيدا ومعه أبو الخطاب الكاتب فورد عليه أمر احتاج فيه إلى سليمان فأمر أن يستدعى فقال أبو الخطاب لذلك الغلام بادر إلى سليمان فاحضره فركض اليه فلما حصل بين يديه تلطف له سليمان حتى نال ماأحب منه ونهض معه إلى متصيد موسى وامتثل أمره فلما كان من الغد كتب اليه أبو الخطاب
لا خير عندي في الخليل ينام من سهر الخليل
قولا لا كفر من رأي ت لكل معروف جليل
هل تشكرن لي الغداة تلطفى لك في الرسول
اذ نحن في صيد الجبال وأنت في صيد السهول
ومثل هذه الكناية أحسن من كناية ابن الرومي في قوله
هل مانعي حاجتي مليح من خلقه البعض واللجاجه
[ ٦٦ ]
فانما حاجتي اليه حاجة ديك إلى دجاجة
وقد مرت في ابيات لابن المعتز في نهاية الملاحة يشتمل البيت الاخير منها على كناية مستظرفة جدا وهي
وشادن أفسد قلبي بعد حسن توبته
جاد بجيش الحسن في عديده وعدته
فماتت التوبة لما ان بدا من هيبته
وجاء ابليس يهنى نظري بطلعته
ولم يزل يذكرني ربي وعفو قدرته
وقال لي ما قبلة وغيرها في رحمته
وعلى ذكر القبلة فقد أنشدت أبياتًا ليونس العروضي فيها كناية لطيفة عما يتبع القبلة وهي
اني من حبك ياسيدي في خطة هائلة صعبه
وقد أذنت اليوم في قبلة راعيت فيها حرمة الصحبه
كأنني اذ نلتها خلة قبلت ركن البيت ذي الحجبه
والركن قد فزت بتقبيله فكيف لي أن أدخل الكعبه
ومن ظريف الكناية عن القبلة ما أنشدتيه أبو الفضل عبد الله بن أحمد الميكالي لعبد الله بن النجم
شكي اليك ما وجد من خأته فيك الجلد
حيران لو شئت اهتدى ظمآن لو شئت ورد
ومن حسن الكناية عن العدول عن مباشرة النسوان إلى مفاخذة الغلمان قول بعضهم
لا أركب البحر ولكنني أطلب رزق الله في الساحل
وأبدع ما سمعت في معنى الضيق والسعة بأحسن كناية وألطف عبارة ما أنشدنيه أبو نصر أحمد بن اكريد الزنجاني لنفسه في غلامه يوسف
مضى يوسف عنا بتسعين درهما وعاد وثلت المال في كف يوسف
فكيف يرجي بعد هذا صلاحه وقد ضاع ثلثا ماله في التصرف
ونظير هذه الحكاية في فحش المعنى وطهارة اللفظ ما أنشدنيه أبو جعفر محمد بن موسى الموسوي قال أنشد محمد بن عيسى الدامغاني ولم يسم قائله
تذكر اذ أرسلته بيدقا فيك فوا فاني فرزانا
ومن اعارة الشطرنجيين إذا تفرزن بيدق لهم في الرقعة ان يعلموا عليه بما يتميز معه عن سائر البيادق فقد كنى هذا الشاعر عن ذلك الشئ انه دخل وهو نظيف وخرج وهو معلم قذر " ومن " نادر الكناية عن اتيان الغلام ما أنشدنيه القاضي أبو بكر الستي للسرى الموصلي من أبيات
أنخت في حانة أترجة وحبذا السكر بها من مناخ
يصافح الخمر بها نفسها ونبذر النسل بها في السباخ
فانظر كيف كنى عن اللواطة بالبذر في سباخ لا ينبت " ومن " مشهور ما يليلق بهذا الفصل قول بعضهم
من كل شيئ قضت نفسي مآربها الا من الطعن بالقثاء في التين
لا أغرس الدهر الا في مشرفة ولا يجوز الا تحت سرقين
وأنشدني أبو الفتح البستي لنفسه
أفدى الغزال الذي في النحو كلمني مناظرًا فاجتنبت الشهد من شفته
وأورد الحجيج المقبول شاهدها محققًا ليربني فضل معرفته
ثم افترقنا على رأي رضيت به فالرفع من صفتي والنصب من صفته
يعني انه كان فاعلا والفاعل مرفوع والغزال مفعولا به منصوب ولابي تمام فيما يقاريه
وكنت أدعوك عبد الله قبل فقد أصبحت أدعوك زيدًا غير محتشم
سمحت جودا بما قد كنت تمنعه ما كل جود الفتى يدعو إلى الكرم
" وله "
ما كان في المخدع من أمركم فانه في المسجد الجامع
يا طول فكري فيك من حامل صحيفة مكسورة الطابع
وأما قول ابن المعتز
وجاءني في قميص الليل مستترًا يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
فبت أفرش خدي في الطريق له ذلا وأسحب أذيالي على الأثر
وكان ما كان مما لست أذكره فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
فهو كناية عن التصريح: ومثله لعبد الصمد بن المعذل
وإذا هبت النفوس اشتياقًا وتشهى الخليل قرب الخليل
كان ما كان بيننا لا اسمي هـ ولكنه شفاء الغليل
ولبعض أهل العصر والمراد هو البيت الاخير
[ ٦٧ ]
صفحت لدهري عن جميع هناته وغددت يوم الباغي أسنى هباته
وقابلت اشجارًا هناك بقد من تعطل غصن البان عن حركاته
ويخجل ورد الباغ عند طلوعه ويعزله بالورد في وجناته
ويسجد نور الاقحوان لثغره ويقصر نشر الورد عن نفحاته
ولما دجي الليل استعاد سنا الضحى بوجه جميع الحسن بعض صفاته
فيالك من ليل رقيق ظلامه بتأليف شمل الانس بعد شتاته
ومن ردى هذا الفصل قول بعض الفضلاء
اني إذا حان سكري وكان وقت مقيلي
أدخلت اصبع بطني في عين ظهر خليلي
ومن جيد الكناية عن التفخيذ قول ابي نواس
وغزال تشره النف س إلى حل ازراره
بسطته سورة النا س لنا بعد ازوراره
فاطفنا بحواليه ولم نعرض لداره
" فصل في الكناية عن اللواط وأهله " إذا كان الرجل يقول بالغلامان دون النسوان قيل فلان يؤثر في صيد البر على صيد البحر " فلان " يقول بالظباء ولا يقول بالسمك " وفلان " يحب الحملان ويبغض النعاج قال ابو نواس
اني امرء ابغض النعاج وقد يعجنني من نتاجها الحمل
وفلان يميل إلى من لا يحيض ولا يبيض قال الشاعر
جعلت فداك ما اخترناك الا لا نك لا تحيض ولا تبيض
ولو ملنا إلى وصل الغواني لضاق بنسلنا البلد العريض
وفلان يكتب في الظهور وفلان يحب الميم وببغض الصاد " وقد " اساء ابن الرومي في قوله
بغضي لصاد شهير انني رجل اصفى المودة مني للحواميم
وليس بغضي لقرآن ولا مقتى اياه لله بل للصاد والميم
" وقال آخر "
لعجم الصاد ارضى الله قدما وعبد الله يعجم كل ميم
ويقال فلان من العطارين والعطار كنايه عن الكناس في كثير من البلدان قال ابو اسحاق الصابي في ذم اللاطه
لحاجة المرء في الادبار إدبار والمآلون إلى الاحراح أحرار
كما من نظيف ظريف باتت ممتطيًا ظهر الغلام فأضحى وهو عطار
فاذا كان يقول بالمرد الجرد قيل شرطه أهل الجنة لان النبي ﷺ قال في وصفهم جرد مرد مكحلون: فاذا كان يقول بالصغار دون الكبار قيل فلان يؤثر السخال على الكباش " ويروي " ان حماد عجرد لما قعد لتأديب ولد العباس بن محمد قال بشار بن برد
قل للامير جزال الله صالحا لا يجمع الدهر بين السخل والذيب
السخل غر وهم الذئب غفلته والذئب يعلم ما بالسخل من طيب
" وقال ايضًا "
يا ابا الفضل لا تنم وقع الذئب في الغنم
ان حماد عجرد شيخ سوء قد اغتلم
بين فخذيه حربه في غلاف من الأدم
وهو ان نال فرصة مسح الميم بالقلم
فلما شاعت الابيات امر العباس باخراج حماد " ونظير " هذه السعايه قول ابي اسخاق الصابي في كتاب
يا ابا الفضل استمع قول امرئ يصفيك حبا
سرح غلمانك قد أصبح للسرحان نهبا
وكان لابن سكرة الهاشمي غلام يستشرطه فلما كبر اخرجه من داره فقيل له في ذلك فقال
ما تركناه وفيه لمحب من طباخ
هدر الطير ومن عاداتنا اكل الفراخ
وإذا كان الرجل يقول بالصغار والكبار قيل فلان يصطاد ما بين الكركي إلى العندليب " فاذا كان " يقول بالزنا واللواط كلاهما قيل فلان يصيد الطيرين ويقبض الديوانين وفلان قلم برأسين وينشد
أي دواة لم يلقها قلمه وأي سطح لم ينله سلمه
فاذا كان يأتي ويؤتي قيل فلان لحاف ومضربه وفلان يذعن للقصاص فطورا سقف وطورا أرض " فاذا كان " يقول بحسن الوجه دون الجسامة قيل هو يقول بالدنيا دون الآخرة " فاذا كان يقول بهما جميعًا قيل هو يقول بالآخرة ولا ينسى نصيبه من الدنيا " فاذا جمع " الغلام هاتين الصفتين قيل هو دنيا وآخره " فاذا كان " وسيما غير جسيم قيل هو منافق وقد تقدم ذكره
[ ٦٨ ]
" فصل في الكناية عن خروج اللحية مدحا وذما " كان ابو نواس يقول تزودوا من لذة لا توجد في الجنة يكنى عن اتيان المختطين لان اهل الجنة جرد مرد كلهم " وفي كتاب " لباب الاداب فلان قد غلفته يد الحسن وقد احرقت فضة خده وطرز ديباج وجهه " ومن " أحسن ما احاضر به في الكناية عن خط اللحية قول بعض المولدين
كتاب من الحسن توقيعه من الله في خده قد نزل
وما أظرف ما كنى عنه الصاحب بزغب الحسن في قوله
هل زغب الحسن به ضائر والقمر التم به يقمر
انشدني بديع الزمان لنفسه من أبيات
كن كيف شئت فانني قد صغت قلبا من حديد
وجلست انتظر الكسوف وليس ذلك بالبعيد
وانما كني بالكسوف عن خروج اللحية كما قال الآخر
واها لبدر قد كسف أسفا وهل يغني الاسف
ومن بديع الكناية وخفيها في هذا الفصل قول القاضي ابي الحسن علي بن عبد العزيز
قد برح الحب بمشتاقكا فاوله احسن اخلاقكا
لا تجفه وراع له حقه فانه آخر عشاقكا
يكني غن قرب خروج اللحية أو خروجها وانه لا عاشق له بعدها " الباب الثالث في الكناية عن بعض فضول الطعام وعن المكان المهيأ له " " فصل في مقدمته " قرأت في المستنير ان يحيى بن زياد ومطيع بن اياس وحماد عجرد اجتمعوا في مجلس يقصفون ومعهم رجل كان ينادمهم فخرجت منه ريح لها صوت فاستحيا ولم يعد اليهم فكتب اليه أحدهم
امن قلوص غدت لم يؤذها أحد الا تذكرها بالرمل أوطانا
خان العقال لها فانبث اذ نعرت وانما الذنب فيها للذي خانا
منحتنا منك هجرانا وتقلية وغبت عنا ثلاثا لست تغشانا
خفض عليك فما في الناس من احد الا واينقه يفلتن أحيانا
وعرض مثل ذلك لجارية تغني في مجلس فيه الجماز فاحبت ان تنظر ما عنده فقالت أي شئ تشتهي ان اغنيك فقال غنى
يا ربح ما تنصفين بالدمن كم لك من محو منظر حسن
فضحكت وعلمت انه قد أخس بذلك " وعرض " مثل ذلك لرجل في مجلس الصاحب فاستحيا وانقطع منه فكتب اليه الصاحب
يا ابن الحصيري لا تذهب على خجل لحادث كان مثل الناي والعود
فانها الريح لا تستطيع تحبسها اذ لست أنت سليمان بن داود
" وعرض " مثل ذلك لفتى في مجلسه ليلا فقال له الصاحب يا صبي لا تنم فخجل وقال هذا صرير التخت فقال الصاحب احسب ان يكون صرير التخت " ومن " مليح ما سمعت في هذه الكناية حكاية ابي عبد الله بن الحجاج وهي انه دعا مغنية كان يتعاشق لها فلما حصلت عنده ليلا ودارت الكؤوس نعس فتفرقع ظهره وهي قاعدة فغضبت وانصرفت فكتب اليها من الغد
قد غضبت ستي وقد انكرت فرقعة تعرض في ظهري
وليس لي ذنب ولكنني اصر بالليل ولا ادري
فليت شعري وهي غضابة من جحرها اضرط أم جحري
" فصل في عاقبة الاكل "
[ ٦٩ ]
قد كنى الله تعالى عنها بقوله أو جاء احد منكم من الغائط - والغائط - المكان المطمئن من الارض وكانوا يأتونه تسترا وانتباذا ثم كثر ذلك في كلامهم حتى سموا الحدث باسمه واشتقوا منه الفعل تغوط " ومن " كنايات العامة عن الحاجة إلى دخول الخلا قولهم له حاجة لا يقضيها غيره " ومن " لطائف الاطباء كنايتهم عن حشو الامعاء بالطبيعة والبراز وعن سيلان الطبيعة الخلفة وعن القيام لها الاختلاف " ومنه " قول ابي العيناء وقد سئل فقيل إلى من يختلف فقال إلى من يختلف عليه.. وقد تكني الاطباء عن البول بالماء والدليل وعن القئ بالتعالج " وقال " بعض المفسرين في قول الله تعالى " كانا يأكلان الطعام " وقوله " ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق " انما هو كناية عن الحدث لان من اكل فلا بد له من عاقبة الاكل ونفض الفضل " وقد " عابهم الجاحظ بهذا التفسير وقال كأنهم لم يعلموا ان مس الجوع وما ينال أهله من الذلة والعجز أدل دليل على انهم مخلوقون حتى يدعوا على الكلام شيأ قد أغناهم الله عنه " وعلى " ذكر التفسير فقد قال لي أبو النصر محمد بن عبد الجبار القبي سألني بعض أهل جرجان عن تفسير قوله تعالى " وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق " فقلت يعني انه ليس بملك ولا ملك وذلك ان الملائكة لا يأكلون ولا يشربون والملوك لا يتسوقون ولا يتبذلون فعجبوا ان يكون مثلهم في الحال يمتاز من بينهم في علو المحل والجلالة والله أعلم حيث يجعل رسالته " وقرأت " في كتاب المستنير ان أبا تمام والخثعمي اجتمعا في مجلس أنس فقام أبو تمام إلى الخلا فقال له الخثعمي ندخلك فقال نعم وأخرجك فتعجب الحاضرون من هذا الابتداء البديع والجواب العجيب السريع " ومما " يشبه هذه الحكاية ما حدثنيه أبو النصر سهل بن المرزبان فقال دخل ابن مكرم الي أبي العيناء فسأله ان يقيم عنده فقال ابن مكرم اذهب واتوضأ فقال ابو العيناء إذا لا يعود الينا منك شئ أي لانه كله حدث وينشد أصحاب المعاني لابي صعترة
هم منحوك طول الليل سقيا خبيث الريح من خمر وماء
يكنى عن انهم ضربوه وهو سكران حتى احدث..وكان بشر المريسي يقول إذا قيل له فلان قد وضع كتابا الوضع وضعان احدهما له افتخار والآخر له بخار يريد قول القائل
مررت بدارها فوضعت فيها كجثمان القطاة له بخار
وكتب بعض الظرفاء إلى شارب دواء
ابن لي كيف أصبحت على حال من الحال
وكم سارت بك الناقة نحو المنزل الخالي
وكتب مؤلف الكتاب إلى المجلس العالي آنسه الله في يوم أخذ فيه دواء
يا مالكا حاز أصله الشرفا فلم يدع منه للوري طرفا
لما أخذت الدواء والطالع الس عد على العزم منك قد وقفا
صقلت سيف العلي وصفيت تبر السمجد والعيش منك صفا
لا زلت تحسو السرور في مهل وتنفض اليهم عنك والدنفا
والعرب تقول لا رأى لحاقن ولا لحاقب - والحاقن - كناية عمن به بول - والحاقب - كناية عن الذي احتاج إلى الخلاء فلم يتبرز شبه بالبعير الحاقب الذي دنا الحقب من قبله فمنعه ان يبول.. وقد ملح منصور الفقيه في الكناية عن الحدث بقوله
تنبه فجسمك من نطفة وأنت وعاء لما تعلم
" فصل في الكناية عن المكان التي تقضي تلك الحاجة اليه " يكنى عنه بالحش وهو البستان وبالمستراح والمبرز والمذهب والمتوضأ والميضاء.. وما أحسن ما سمعت في ذلك وأصدقه قول أبي الفتح البكتمري
أحق بيت من بيوت الورى يصونه قدما واستاره
بيت إذا ما زاره زائر فقد قضى أعظم أوطاره
يدخله المولى بخزكما يدخله العبد باطماره
وهو إذا ما كان مستنظفا مروة الانسان في داره
[ ٧٠ ]
وعلى ذكر الكنايات عن ذلك المكان فقد اعترضت حكاية كتبها إلى ابو سعد دوست باسناد له عن الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الوليد الزبيري قال قدم رجل من بني هاشم المدينة ومعه جاريتان مغنيتان وبلغه ان بها رجلا مضحكا فبعث اليه وأحضره وسقاه نبيذًا قد القى اليه سكر العش وهو يسهل البطن وتناوم الهاشمي وغمز الجاريتين فلما شرب المضحك ثلاثا حركته بطنه فقال ما أحسبهما الا مكيتين فقال جعلت فدا كما اين بيت المذهب فقالت احداهما لصاحبتها ما الذي يقول قالت يقول غن لي
ذهبت من الهجران في غير مذهب ولم يك حقا طول هذا التجنب
فصبر على مكروه عظيم ثم قال ما احسبهما الا بصريتين فقال جعلت فداكما اين بيت الخلا فقالت أحدهما للاخرى ماذا يقول قالت يقول غني
اضحت خلاء واضحي اهلها احتملوا اخنى عليها الذي اخني على لبد
قال فصبر على امر عظيم واظلم ما بين عينيه فقال ما احسبهما الا كوفيتين فقال فديتكما الا تسمعان اين بيت الحش فقالت احداهما للاخرى ماذا يقول قالت يقول غنى
اوحش الحنبذان فالدير منها فقراها فالمنزل المحصور
فقال المضحك ما فهمتا عني وصبر على أشد ما يكون وانفتح بطنه وضاقت حيلته فقال هما البتة مد نيتان فقال فديتكما أين بيت الكنيف فقالت احداهما للاخرى ماذا يقول قالت يقول غني لي
تكنفني الهوي طفلا فشيبني وما اكتهلا
فقال يا زانيتان أنا اخبركما ما هو فقام رافع ثوبه وسلح عليهما وملأ المجلس فانتبه الهاشمي وقال ويحك ما صنعت قال اقعدت معي هاتين الزانيتين ما يحسبان الكنيف الا الصراط المستقيم فهما ينفسان على بان يدلان عليه قال أفتفسد على ثيابي فقال والله ما افسدت على من بطني أشد مما أفسدت من مجلسك " وأنا " اختم هذا الفصل بخبر عن النبي ﷺ في الكناية عن الاحداث في الشوارع وطرق المارة وهو قوله ﵊ اتقو الملاعن وأعدوا السبل