إما نامية أو غير نامية، والنامية إما أن تكون لها قوة الحس والحركة أو لا، فالتى لها الحس والحركة هى الحيوان، والتى لا حس لها ولا حركة فهى النبات «٢» وغير النامية فهى المعادن، وأول ما تستحيل إليه الأركان الأبخرة والعصارات، فالبخار ما يصعد من لطيف مياه البحار والآبار والآجام بواسطة تسخين الشمس، والعصارات ما يمكث في بطن الأرض من مياه الأرض ويختلط بالأجزاء الأرضية فيغلظ وتنضجها الحرارة المختنقة في عمق الأرض فتصيرها مادة للمعادن والنبات والحيوان، وأول مراتب الكائنات تراب وآخرها نفس ملكية «٣» .
فالمعادن أولها متصل بالتراب وآخرها متصل بالنبات، والنبات أوله متصل بالنبات وآخره متصل بالإنسان، والإنسان أوله متصل بالحيوان وآخره متصل بالملائكة.
وبيان ذلك: أن أول المعادن الجص والملح مما يلى التراب، فهو تراب رملى حصل له بلل من الأمطار فانعقد وصار حصى، والملح مما يلى الماء وهو ما امتزج باخرا سبخة من الأرض فانعقد ملحا.
وآخر المعادن مما يلى الكمأة «٤» وهى تتكون في التراب كالمعدن وتنبت في
[ ٢١٦ ]
مواضع نديّة أيام الربيع من الأمطار وأصوات الرعود، وكما ينبت النبات ففيها شبه من المعدنيات لكونها نامية كنمو النبات.
وأما النبات فإن أوله وأدونه مما يلى التراب وهو خضراء الدمن «١» والكمأة، أما خضراء الدمن فإنها غبار يتلّبد من الأرض فيصيبه بلل الأمطار فيصبح بالمغدوات أخضر، كأنها حشيش أخضر من نداوة الليل وطيب النسيم، ولا تنبت الكمأة ولا خضراء الدمن إلا في زمن الربيع، فأحدها نبات معدن والآخر معدن نباتى.
والنبات أشرفه النخلة «٢» فإن أحوالها مباينة أشخاص النبات، فإن فحولة النخل مباينة لأشخاص إناثه، ولفحولته في إناثه لقاح كما في الحيوان، وإذا قطع رأس النخلة جفّت وبطل ثمرتها كالحيوان، وغير متبين أن النخلة نبات حيوان، وأما الحيوان فإن أوله وأدونه يشبه النبات وهو ما ليس له سوى حاسة اللمس فقط وهو الحلزون «٣» فإنه دودة في جوف أنبوبة حجرية توجد بالسواحل، وتلك الدودة تبرز لنصف بدنها من جوف تلك الأنبوبة وتنبسط يمنة ويسرة لطلب ما تغتذى به فإذا أحست برطوبة أو لين انبسطت، وإن أحست بصلابة انقبضت واستترت في جوف الأنبوبة من فوق لجسمها وليس لها سمع ولا ذوق ولا شم إلا اللمس فقط.
وهذا حال أكثر الديدان المتولدة من الطين، فهذا النوع حيوان نباتى؛ لأنه ينبت جسمه كما ينبت النبات، وأما الحيوان الذى يلى الإنسان فالقرد «٤»؛ لأن شكل جسده قريب من جسد الإنسان، ونفسه تحاكى أفعال النفوس الإنسانية، وكذا الفرس «٥» الجواد، فإن الأصايل من الخيول لها ذكاء وحسن أدب وكرم أخلاق حتى أنها لا توّرث ما دام المالك راكبها، ولها أقدام في الهيجاء «٦» وصبر على الطعن.
[ ٢١٧ ]
وكذا الفيل «١» فإنه يفهم الخطاب ويمتثل الأمر والنهى كأنه إنسان عاقل، وآخر مرتبة الحيوان الإنسان، وهو طبقتان أدناها يلى الحيوان وهم الذين لا يعلمون سوى المحسوسات ولا يرغبون إلا في زينة الحياة الدنيا ولذاتها من الأكل والشرب والنكاح.
قال الله تعالى فيهم: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
«٢» .
فهم يرتقون كالخنازير والحمر «٣» ويدّخرون ما يحتاجون إليه كالنمل، ويقتتلون ويتخاصمون على حطام الدنيا كما يتشاجر «٤» الكلاب على الجيف، فهؤلاء وإن كانت صورهم صور الإنسان، فإن أفعال نفوسهم أفعال حيوانية، وأعلى مراتبها الإنسانية تلى الملائكة وهى مرتبة الذين انتبهت نفوسهم من نوم الغفلة، وانفتحت أعين بصائرهم حتى رأت بنور قلوبها ما غاب عن حواسها وشاهدت بصفاء جواهرها عالم الأرواح الملكية وتبين لها سرورهم ونعيمهم فرغبت فيه وزهدت زخرف الدنيا الفانية وأقبلت على تحصيل الآخرة فهم من أصناف الملائكة مع خلطتهم لأبناء جنسهم من الآدميين.