ومن رسالتي في الحَلواء حيث أقول: خرجتُ في لمّةٍ من الأصحاب، وثُبَةٍ من الأتراب، فيهم فقيهٌ ذو لَقْم، ولم أعرَّفْ به، وغَريم بطنٍ، ولم أشعر له، رأى الحَلواء فاستخفّه الشره، واضطرب به الولَه، فدار قس ثيابه، وأسال من لُعابه، حتى وقف بالأكداس وخالط غَمار الناس، ونظر إلى الفالوذَج فقال: بأبي هذا اللمْص، انظروه كأنه الفصّ؛ مُجاجةُ الزنابير، أُجريَتْ على شوابير، وخالطها لُباب الحبّة، فجاءت أعذبَ من ريق الأحبّة.
[ ١١٥ ]
ورأى الخبيص فقال: بأبي هذا الغالي الرَّخيص، هذا جليدُ سماء الرَّحمة، تمخضت به فأبرزت منه زُبدَ النَّعمة، يُجرحُ باللّحظ، ويذوبُ من اللّفظ. ثم ابيضَّ، قالوا بماء البيض البضّ، قال غضٌّ من غَضّ، ما أطيب خلوة الحبيب، لولا حضرةُ الرَّقيب! ولمح القُبيطاء، فصاح: بأبي نُقرةُ الفضّة البيضاء، لا تَرُدُّ عن العَضَّة. أبنارٍ طُبخت أم بِنُور؟ فإني أراها كقطع البدُّور؛ وبلوزٍ عُجنت أم بِجَوز؟ فإني أراها عين عجينٍ الموز. وموشى إليها وقد عدَّل صاحبُها بدرهمين، وانتهشها بالنّابين، فصاح: القارعة ما القارعة؟! هِية! ويلٌ للمرء من فيه! ورأى الزَّلابِية، فقال: ويلٌ لأمها الزانية، أبأحشائي نُسِجَتْ، أم من صِفاقِ قلبي أُلفت؟ فإني أجدُ مكانها من نفسي مكينًا، وحبل هواها على كبدي متينًا، فمن أين وصلت كفُّ طابخها إلى باطني، فاقتطعتها
[ ١١٦ ]
من دواجني؟ والعزيز الغفار، لأطلُبنها بالثأر! ومشى إليها، فتلمظ له لسانُ الميزان، فأجفل يصيحُ: الثُّعبان الثُّعبان! ورُفع له تمرُ النَّشا، غير مهضوم الحشا، فقال: مهيم! من أين لكم جنى نخلة مريم؟ ما أنتم إلاّ السُّحار، وما جزاؤكم إلاَّ السيفُ والنار. وهم أن يأخذ منها. فأثبت في صدره العصا، فجلس القُرفُصا، يُذري الدُّموع، ويُبدي الخُشُوع. وما منّا أحد إلاّ عن الضَّحك قد تجلّد. فرقت له ضُلوعي، وعلمتُ أنَّ فيه غيرُ مُضيعي. وقد تجمل الصَّدقةُ على ذوي وفر، وفي كل ذي كبدٍ رطبةٍ أجر. فأمرتُ الغلام بابتِياع أرطالٍ منها تجمعُ أنواعها التي أنطقته وتحتوي على ضُروبها التي أضرعته، وجاء بها وسِرنا إلى مكانٍ خالٍ طيّب، كوصف المُهلَّبي:
خانٌ تطيبُ لِباغِي النُّسكِ خلوتُهُ وفيه سترٌ على الفُتّاكِ إن فتكوا
[ ١١٧ ]
فصَّبها رطبة الوُقوع، كراديس كقطعِ الجُذوع؛ فجعل يقطعُ ويبلغُ، ويدحُوا فاه ويَدفع، وعيناه تبصَّان كأنهما جمرتان، وقد برزتا على وجهه كأنهما خُصيتان، وأنا أقولُ له: على رسلك أبا فلان! البطنةُ تُذهبُ الفطنة! فلما التقم جُملة جماهيرها، وأتى على مآخيرها، ووصل خورنقها بسديرها، تجشأ فهبت منه ريحٌ عقيم، أيقنا لها بالعذاب الأليم. فنثرتنا شذر مذَر، وفرَّقتنا شغر بغر، فالتحمنا منه الظَّريان، وصدَّق الخبر فيه العيانُ: نفح ذلك فشرَّد الأنعام، ونفخ هذا فبدَّد الأنام، فلم نجتمع بعدها، والسّلام. فاستحسناها، وضحكا عليها، وقالا: إنَّ لسجعك موضعًا من القلب، ومكانًا من النفس، وقد أعرته من طبعك، وحلاوة لفظك، وملاحةِ سوقك، ما أزال أفنه، ورفع غينه، وقد بلغنا أنك لا تُجازى في أبناء جنسك، ولا يُملُّ من الطعن عليك، والاعتراض لك. فمن أشدُّهم عليك؟ قلت: جارانِ دارُهما صَقَب، وثالثٌ نابته نُوَب، فامتطى ظهر
[ ١١٨ ]
النَّوى، وألقت به في سرقُسطة العصا. فقالا: إلى أبي محمد تُشير، وأبي القاسم وأبي بكر؟ قلت: أجل قالا: فأين بلغتَ فيهم؟ قلت: أما أبو محمدٍ فانتضى عليَّ لسانه عند المستعين، وساعدته زراقةٌ استهواها من الحاسدين، وبلغني ذلك فأنشدتُه شعرًا، منه:
وبُلِّغتُ تجيشُ صُدورُهم عليَّ؛ وإني منهم فارغُ الصَّدرِ
أصاخُوا إلى قولي فأسمعت مُعجزًا، وغاصوا على سري فأعياهم أمري
فقال فريقٌ: ليس ذا الشعرُ شعره؛ وقال فريقٌ: أيمُنُ اللهِ، ما ندري
أما علمُوا أني إلى العلم طامحٌ، وأني الذي سبقًا على عرقه يجري؟
وما كلُّ من قاد الجياد يسُوسُها؛ ولا كلُّ من أجرى يُقال له: مُجري
فمن شاء فليخبر فإني حاضرٌ، ولا شيء أجلى للشُّكُوكِ من الخُبرِ
وأما أبو بكر فأقصر، واقتصر على قوله: له تابعةٌ تؤيدُه. وأما أبو القاسم الإفليلي فمكانُه من نفسي مكين، وحُبه بفؤادي دخيل؛ على أنه حاملٌ عليَّ، ومنتسب إليَّ.
[ ١١٩ ]