وحضرتُ أنا أيضًا وزهيرٌ مجلسًا من مجالسِ الجن، فتذاكرنا ما تعاورته الشعراْ من المعاني، ومن زاد فأحسن الأخذ، ومن قصر. فأنشد قول الأفوه بعضُ من حضر:
وترى الطّيرَ على آثارنا رأي عينٍ ثقةً أن ستُمار
وأنشد آخر قول النابغة:
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائب
تراهنَّ خلف القوم خُزرًا عُيونها جُلوسَ الشيوخِ في ثيابِ المرانبِ
[ ١٢٨ ]
جوانِحَ، قد أيقنَّ أنَّ قبيلهُ، إذا ما التقى الجيشانِ، أوَّلُ غالبِ
وأنشد آخرُ قول أبي نُواس:
تتأيَا الطّيرُ غدوتهُ ثِقةً بالشِّبعِ من جزره
وأنشد آخرُ قول صريع الغواني:
قد عوَّد الطّير عاداتٍ وثقنَ بها، فهُنَّ يتبعنهُ في كل مُرتحلِ
وأنشد آخرُ قول أبي تمام:
وقد ظُلّلَتْ عِقبانُ أعلامهِ ضُحًى بِعِقبانِ طيرٍ في الدِّماء نواهلِ
أقامت مع الرَّاياتِ حتى كأنّها من الجيشِ، إلاَّ أنها لم تقابلِ
فقال شمردلُ السَّحابي: كلهم قصر عن النابغة، لأنه زاد في المعنى ودلَّ على أنَّ الطير إنما أكلت أعداء الممدوح، وكلامهم كلهم مشترك يحتمل أن يكون ضدَّ ما نواه الشاعر، وإن كان أبو تمام قد زاد في المعنى. وإنما المحسنُ المتخلّص المتنبي حيثُ يقول:
لهُ عسكرًا خيلٍ إذا رمي بها عسكرًا لم تبق إلاَّ جماجمه
[ ١٢٩ ]
وكان بالحضرةِ فتىً حسنُ البزَّة، فاحتدَّ لقول شمردل، فقال: الأمرُ على ما ذكرت يا شمردل، ولكن ما تسأل الطيرُ إذا شبعت أيُّ القبيلين الغالب؟ وأما الطيرُ الآخر فلا أدري لأي معنًى عافت الطيرُ الجماجم دونَ عظام السُّوق والأذرُع والفقارات والعصاعص؟ ولكنَّ الذي خلّص هذا المعنى كلّه، وزاد فيه، وأحس التركيب، ودلَّ بلفظةٍ واحدةٍ على ما دلَّ عليه شعرُ النابغة وبيتُ المتنبي، من أن القتلى التي أكلتها الطيرُ أعداءُ الممدوح، فاتكُ بنُ الصَّقعب في قوله:
وتدري سباعُ الطيرِ أنَّ كُماتهُ، إذا لقيت صيدَ الكُماةِ، سباعُ
لهُنَّ لُعابٌ في الهواء وهزَّةٌ، إذا جدَّ بين الدَّرعين قراعُ
تطيرُ جياعًا فوقهُ وتردُّها ظُباهُ إلى الأوكار وهي شباعُ
تملك بالإحسانِ ربقةَ رِقها، فهُنَّ رقيقٌ يُشترى ويُباعُ
وألحمَ من أفراجها فهي طوعهُ، لدى كل حربٍ، والمُلوكُ تُطاعُ
تُماصعُ جرحاها فيُجهزُ نقرها عليهم، وللطّير العتاقِ مِصاعُ
فاهتزَّ المجلسُ لقوله، وعلموا صدقه. فقلتُ لزهير: من فاتك بن الصَّقعب؟ قال: يعني نفسه. قلت له: فهلاَّ عرَّفتني شأنه منذ حين؟ إني لأرى نزعاتٍ كريمة؟ وقمتُ فجلست إليه جِلسة المعظِّم له. فاستدار نحوي،
[ ١٣٠ ]
مُكرمًا لمكاني، فقلت: جُد أرضنا، أعزَّك الله، بسحابك، وأمطرنا بعيونِ آدابك. قال: سل عما شئت. قلتُ: أيُّ معنى سبقك إلى الإحسان فيه غيرُك، فوجدته حين رُمته صعبًا إلا عليك أنك نفذت فيه؟ قال: معنى قول الكندي:
سموتُ إليها بعدما نام أهلها، سموَّ حباب حالًا على حالِ
قلتُ: أعزَّكَ الله، هو من العُقم. ألا ترى عُمر بن أبي ربيعة، وهو من أطبع الناس، حين رام الدُّنُوَّ منه والإلمام به، كيف افتضح في قوله:
ونفضتُ عني النّوم أقبلتُ مشيةَ ال حُبابِ، ورُكني خيفةَ القومِ أزورُ
قال: صدقت، إنه أساء قسمة البيت، وأراد أن يُلطف التَّوصُّل، فجاء مُقبلًا بُركت كركنه أزور. فأعجبني ذلك منه، وما زلتُ مقدِّمًا لهذا المعنى رجلًا، ومؤخرًِّا عنه أُخرى، حتى مررتُ بشيخٍ يُعلمُ بنيًا له صناعة الشّعر وهو يقول له: إذا اعتمدت معنًى قد سبقك إليه غيرُك فأحسن تركيبه، وأرقَّ حاشيته فاضرب عنه جُملة. وإن لم يكن بُدّ ففي غير العروض التي تقدَّم إليها ذلك المحسنُ، لتنشط طبيعتُك طبيعتُك، وتقوى مُنَّتُك.
[ ١٣١ ]
فتذكرتُ قول الشاعر وقد كنتُ أنسيته:
لما تسامى النّجمُ في أفقهِ ولاحت الجوزاءُ والمِرزمُ
أقبلتُ والوطء خفيفٌ كما ينسابُ من مكمنه الأرقمُ
فعلمتُ أنه صدق؛ وابن أبي ربيعة لو ركب غير عروضه لخلص. فقلتُ أنا في ذلك:
ولما تمَّلأ من سًكرهِ فنام، ونامت عيونُ العسس
دوتُ إليه، على بُعده، دُنُوَّ رفيقٍ ما التمس
أدبٌّ إليه دبيب الكرى، وأسمو إليه سموَّ النفس
وبتُّ به ليلتي ناعمًا، إلى أن تبسمَّ ثغرُ الغلس
أقبلُ منه بياض الطُّلا، وأرشيفُ منه سواد اللَّعس
فقمتُ وقبلتُ على رأسه، وقلت: لله درُّ أبيك!
[ ١٣٢ ]
فقال لي فاتكُ بن الصَّقعب: فهل جاذبتَ أنتَ أحدًا من الفحول؟ قلتُ: نعم قول أبي الطّيب:
أأخلعُ عن كتفي وأطلبهُ، وأتركُ الغيث في غمدي وأنتجعُ؟
قال لي: بماذا قلتُ: بقولي:
ومن قُبةٍ لا يدركُ الطَّرفُ رأسها، تزلُّ بها ريحُ الصَّبا فتحدَّرُ
إذا زاخمت منها المخارم صوَّبت هُويًا، على بُعد المدى، وهي تجأرُ
تكلفتُها، والليلُ قد جاش بحرُه، وقد جعلت أمواجهُ تتكسرُ،
ومن تحت حضني أبيضٌ ذو سفاقس، وفي الكف من عسالة الخط أسمرُ
هما صاحباي من لدّن كُنتُ يافعًا، مُقيلانِ من جدّ الفتى حين يعثرُ
فذا جدولٌ في الغمد تُسقى به المُنى، وذا غُصنٌ في الكف يُجنى فيثمرُ
فقال: والله لئن كان الغيثُ أبلغ، فلقد زدت زيادة مليحة طريفة، واخترعت معاني لطيفة. هل غيرُ هذا؟ فقلتُ: وقوله أيضًا:
[ ١٣٣ ]
وأظمأ فلا أُبدي إلى الماء حاجةٌ وللشمسِ فوق اليعملاتِ لُعابُ
قال: بماذا؟ قلتُ: بقولي:
ولم أنس بالنّاوُوس الأُلى بها أينُنا محبُوبها وحبابُها
وفتية ضربٍ من زناتة، ممطرٍ بوبل المنايا طعنها وضرابُها
وقفنا على جمرٍ من الموت وقفةً، صليُّ لظاه دابُ قومي ودابُها
إذا الشمسُ رامت فيه أكل لُحومنا، جرى جشعًا فوق الجياد لُعابُها
فصاح صيحةً منكرةً من صياح الجنِّ كاد ينخب لها فؤادي فزعًا، والله، منه! وكان بنجوةٍ منا جنيٌّ كأنه هضبة لركتنته وتقبضه، يحدِّق في دُونهم، يرميني بسهمين نافذين، وأنا ألوذُ بطرفي عنه، وأستعيذُ بالله منه، لأنه ملأ عيني ونفسي. فقال لي لما انتهيتُ، وقد استخفهُ الحسد: على من أخذت الزَّمير؟ قلتُ: وإنما أنا نفاخٌ عندك منذ اليوم؟ قال: أجل! أعطنا كلامًا يرعى تلاعَ الفصحاحة، ويستحمُّ بماء العُذوبة والبراعة، شديد الأسر
[ ١٣٤ ]
جيد النّظام، وضعه على أي معنًى شئت. قلت: كأي كلام؟ قال: ككلام أبي الطّيب:
نزلنا على الأكوارِ نمشي كرامةً لمن بان عنه، أن نُلمَّ به ركبا
نذمُّ السحاب الغُرَّ في فعلها به، ونُعرضُ عنها، كلما طلعت، عتبا
وكقوله:
أرأيتَ أكبر همةً من ناقتي، حملت يدًا سُرحًا وخفقًا مُجمرا
تركت دُخان الرِّمث في أوطانها، طلما لقوم يوقدون العنبرا
وتكرَّمن رُكباتُها عن مبركٍ تقعان فيه، وليس مسكًا أذفرا
فأتتك دامية الأظل كأنما حُذيت قوائمها العقيق الأحمرا
وكقوله:
على كل طاوٍ تحت طاوٍ كأنما من الدَّمِ يُسقى أو من اللّحمِ يُطعمُ
[ ١٣٥ ]
لها تحتهُم ريُّ الفوارسِ فوقها، فكلُّ حصانٍ دارعٌ مُتلثَّمُ
وما ذاك بُخلًا بالنُّفوسِ على القنا، ولكنَّ صدم الشرّ بالشرّ أحزمُ
فأدَّني والله بما قرع به سمعي، وقلت له: أيُّ ماء لو كان من جمامك واستهلت به عينُ غمامك! ثم استقدمتُ فأنشدته:
ولرُبَّ ليلٍ للهمومِ تهدَّلت أستارُه فحما الصُّوى بستُورهِ
كالبحر يضربُ وجههُ في وجههِ، صعبٌ على العُبار وجهُ عُبورهِ
طاولته من عزمي بُمضبَّرٍ، أثبتُّ همي في قرارةِ كورهِ
وعلىَّ للصَّبر الجميل مُفاضةٌ، تلقى الرَّدى، فتكلُّ دون صبوره
وبرتحتي من فكرتي ذو ذُكرةٍ، عُهدت تُذاكرُني بطبعِ ذكيرهِ
فزادًا، إذا بعثت دياجي جنحهِ هولًا عليَّ، خبطتُ في ديجُورهِ
حتى بدا عبدُ العزيزِ لناظري أملي، فمزَّقت التُّجى عن نُورهِ
[ ١٣٦ ]
وأنشدته:
الله في أرضِ غذيتَ هواءها، وعصابةٍ لم تتهم إشفاقها
نكزتهُمُ أفعى الخُطُوبِ، وعُوجلُوا بُمثَّلٍ منها، فكن درياقها
وافتح مغالقها بعزمةِ فيصلٍ، لو حاولت سوق الثُّريا ساقها
ولو أنها منه، إذا ما استلها، تتعرضُ الجوزاءُ، حلَّ نطاقها
وأنشدتُه:
لا تبكينَّ من اللّيالي أنها حرمتك نغبة شاربٍ من مشربِ
فأقلُّ ما لك عندها سيفُ الرَّدى، يُستلُّ من شعرِ القذالِ الأشيبِ
ورحيلُ عيشك كلَّ رحلةِ سلعة، وفناءُ طيبكَ في الزَّمان الأطيبِ
فإذا بكيت فبكِّ عُمرك، إنهُ زجلُ الجناحِ يًمرُّ مرَّ الكوكبِ
وأنشدته:
ولم أر مثلي ما له من مُعاصرِ، ولا كمضائي ما لهُ من مُضافرِ
[ ١٣٧ ]
ولو كان لي في الجو كسرٌ أؤمُّهُ، ركبتُ إليه ظهر فتخاءَ كاسرِ
وهمت بإجهاشٍ علَّ، وقد رأت بي في آثار إحدى الكبائر
فقلتُ لها: إن تجزعي من مُخاطرٍ، نك لن تحظي بغيرِ المخاطرِ
شت ثمار الوفر مني، وإنها لدى كل مُبيضّ العنانيز وافرِ
له في بياضِ اليومِ يقظةُ فاجر، وتحت سواد الليل هجعةُ كافرِ
رويدك، حتى تنظري عمَّ تنجلي غيابةُ هذا العارضِ المُتناثرِ
ودون اعتزامي هضبةٌ كسرويةٌ، من الحزمِ، سلمانيةٌ في المكاسر
إذا نحنُ أسندنا إليها، تبلجت مواردُنا عن نيِّراتِ المصادرِ
وأنت، ابن حزمٍ، منعشٌ من عثارها إذا ما شرقنا بالجدودِ العوائر
وما جرَّ أذيال الغنى نحو بيته كأروع معرورٍ ظهور الجرائرِ
إذا ما تبغي نضرة العيش كرَّها، لدى مشرعٍ للموت، لمحة ناظرِ
فسلَّ من التأويلٍ فيها مهندًا أخو شافعياتٍ كريمُ العناصرِ
[ ١٣٨ ]
لِمُعتزليّ الرَّأي، ناءِ عن الهُدى، بعيد المرامي، مُستمينِ البصائرِ
يُطالبُ بالهنديّ في كل فتكةٍ ظُهُور المذاكي عن ظُهورِ المنابرِ
وأنشدته:
وقالت النفسُ لما أن خلوتُ بها، أشكو إليها الهوى خلوًا من النِّعمِ:
تامَ أنت على الضرَّاء مُضطجعٌ، مُعرِّسٌ في ديار الظُّلمِ والظُّلمِ؟
وفي السُّرى لك، لو أزمعت مرتحلًا، برءٌ من الشوق، أو برءٌ من العدم
ثم استمرَّت بفضل القولِ تُنهضي، فقلتُ: إني لأستحيي بني الحكم
المُلحفين رداء الشمس مجدهمُ، والمنعلين الثُّريا أخمص القدمِ
ألمتُ بالحُبّ، حتى لو دنا أجلى، لما وجدتُ لطعم الموت من ألم
وزادني كرمي عمن ولهتُ به، ويلي من الحبّ، أو ويلي من الكرمِ
[ ١٣٩ ]
تخوَّنتني رجالٌ طالما شكرت عهدي، وأثنت بما راعيتُ من ذممِ
لئن وردتُ سُهيلًا غبَّ ثالثةٍ، لتقرعنَّ عليَّ من ندم
هناك لا تبتغي غير السَّناءِ يدي، ولا تخفُّ إلى غير العُلى قدمي
حتى راني في أدني مواكبهم، على النَّعمامة شلاَّلًا من النَّعمِ
ريان من زفراتِ الخيلِ أوردُها أمواه نيظة تهوي فيه باللُّجُمِ
قُدَّام من قوم وجدتُهمُ أرعى لحقِّ العُلى من سالفِ الأمم
ففتح عليَّ عينين كالماويتين ثم قال لي: من القائل:
طلعَ البدرُ علينا، فحسبناهُ لبيبا
والتقينا، فرأينا هُ بعيدًا وقريبا
فيا من إذا رام معنى كلامي، رأى نفسهُ نُصبَ تلك المعاني
شكوتُ إليك صروف الزَّمانِ، فلم تعدُ أن كنت عون الزَّمان
[ ١٤٠ ]
وتقصرُ عن همتي قُدرتي فيا ليتني لسوى من نماني
ولا غرو للحُرّ، عند المَضِيُ قِ، أن يتمنى وضيع الأماني
قلت: أخي قال: فمن القائل؟
صدودٌ، وإن كان الحبيبُ مُساعفًا، وبعدٌ، وإن كان المزارُ قريبًا
وما فتئت تلك الديارُ حبائبًا لنا، قبل أن نلقى بهنَّ حبيبا
ولو أسعفتنا بالمودَّةِ في الهوى، لأدنين إلفًا، أو شغلن رقيبا
وما كان يجفو ممرضي، غير أنه عدته العوادي أن يكون طبيبا
قلت: عمي. قال: فمن القائل؟
أتيناك، لا عن حاجةٍ عرضت لنا إليك، ولا قلبِ إليك مشوقِ
ولكننا زُرنا بفضل حلومنا حمارًا، تلقى برَّنا بعُقُوقِ
قلت: جدي. قال: فمن القائل؟
ويلي على أحور تياه، أحسن ما يلهُوه به الللاهي
أقبل في غيدٍ حكين الظِّبا، بيضِ تراقِ أفواهِ
يأمرُ فيهنَّ وينهى، ولا يعصينهُ من آمرٍ ناهي
حتى إذا أمكنني أمرهُ، تركتهُ من خيفةِ اللهِ
[ ١٤١ ]
قلت: جدُّ أبي. قال: فمن القائل؟
ويح الكتابة من شيخٍ هبنَّقةٍ، يلقى العيون برأسٍ مخُّهُ رار
ومنتنِ الريحِ إن ناحيته أبدًا كأنما مات في خيشُومه فارُ
قلتُ: أنا قال: والذي نفس فرعون بيده، لا عرضتُ لك أبدًا، إني أراك عريقًا في الكلام. ثم قلَّ واضمحلَّ حتى إنَّ الخنفساء لتدوسُه، فلا يشغل رجليها. فعجبتُ منه، وقلت لزهير: من هذا الجني؟ فقال لي: استعذ بالله منه، إنه ضرط في عين رجلٍ فبدرت من قفاه، هذا فرعونُ ابن الجون. فقلتُ: أعوذُ بالله العظيم، من النار ومن الشيطان الرَّجيم! فتبسَّم زهيرٌ وقال لي: هو تابعةُ رجُل كبير منكم، ففهمتها عنه
[ ١٤٢ ]