ذكروا أنه كان عالما بالقراءات وطرقها، وأنه أقرأ الناس القرآن الكريم
[ ١ / ٨ ]
بسبتة وغيرها، وأن له قصيدة نظمها في قراءات نافع، عدد أبياتها ٢٠٩، وأن له ديوان شعر، وهو القائل:
أقول له وقد حيّا بكأس لها من مسك رقّته ختام:
أمن خدّيك يعصر؟ قال: كلا متى عصرت من الورد المدام؟
وأشهر قصائده تلك الدالية التي افتنّ في معارضتها الشعراء «١» ولنذكرها هنا لقيمتها وأثرها في تاريخ الآداب العربية، قال:
يا ليل الصبّ متى غده أقيام الساعة موعده
رقد السّمّار وأرّقه أسف للبين يردّده
فبكاه النّجم ورقّ له مما يرعاه ويرصده
كلف بغزال ذى هيف خوف الواشين يشرّده
نصبت عيناي له شركا فى النوم فعزّ تصيدّه
وكفى عجبا أنى قنص للسّرب سبانى أغيده
صنم للفتنة منتصب أهواه ولا أتعبّده
صاح والخمر جنى فمه سكران اللحظ معر بده
ينضو من مقلته سيفا وكأنّ نعاسا يغمده
فيريق دم العشاق به والويل لمن يتقلّده
كلّا لا ذنب لمن قتلت عيناه ولم تقتل يده
يا من جحدت عيناه دمى وعلى خدّيه تورّده
خدّاك قد اعترفا بدمى فعلام جفونك تجحده
إنى لأعيذك من قتلى وأظنك لا تتعمّده
[ ١ / ٩ ]
بالله هب المشتاق كرى فلعلّ خيالك يسعده
ما ضرّك لو دوايت ضنى صبّ يدنيك وتبده
لم يبق هواك له رمقا فليبك؟؟؟ عليه عوّده
وغدا يقضى أو بعد غد هل من نظر يتزوّده؟
يا أهل الشوق لنا شرق بالدمع يفيض مورّده
يهوى المشتاق لقاءكم وصروف الدهر تبعّده
ما أحلى الوصل وأعذبه لولا الأيام تنكده
بالبين وبالهجران فيا لفؤادى كيف تجلّده
وممن عارض هذه القصيدة من المتقدمين نجم الدين القمراوى إذ يقول:
قد ملّ مريضك عوّده ورثى لأسيرك حسّده
لم يبق جفاك سوى نفس زفرات الشوق تصعّده
هاروت بعنعن فن السحر إلى عينيك ويسنده
وإذا أغمدت اللحظ فتكت فكيف وأنت تجرّده كم سهّل خدّك وجه رضا
والحاجب منك يعقّده ما أشرك فيك القلب فلم
فى نار الهجر نحلّده؟
وناصح الدين الأرّجانى إذ يقول:
هل أنت بطولك مسعده يا ليل فصبحك موعده
لا كان قصير الليل فتى ميعاد منيّته غده
فى صدرى من كلف بكم جند للشوق يجنّده
أعليل اللحظ وعلته منها المتألّم عوّده
عيناك لسفك دمى جنتا فالصّدغ علام تجعّده
ودمى لا يحسن محمله فى الناس فلم تتقلّده
لم أنس برامة موقفنا والشمل أظلّ تبدّده
[ ١ / ١٠ ]
رشأ قد أفلت من شركى والبين غدا يتصيّده
سرب قد عنّ بذى سلم وغدا بفؤادى أغيده
وتطاول يتبعهم نظرا صبّ قد طال تبلّده
حرّان القلب متيّمه حيران الطرف مسهّده
وأبرع من عارضها من المعاصرين فخر مصر والشرق أمير الشعراء أحمد شوقى (بك) إذ يقول:
مضناك جفاه مرقده وبكاه ورحّم عوّده
حيران القلب معذّبه مقروح الجفن مسهّده
أودى حرقا إلا رمقا يبقيه عليك وتنفده
يستهوى الورق تأوّهه ويذيب الصخر تنهّده «١»
ويناجى النجم ويتبعه ويقيم الليل ويقعده
ويعلّم كلّ مطوّقة شجنا في الدّوج تردّده
كم مدّ لطيفك من شرك وتأدّب لا يتصيّده
فعساك بغمض مسعفه ولعلّ خيالك مسعده
الحسن حلفت «بيوسفه» و«السورة» أنك مفرده
قد ودّ جمالك أو قبسا حوراء الخلد وأمرده
وتمنّت كل مقطّعة يدها لو تبعث تشهده
جحدت عيناك زكىّ دمى أكذلك خدّك يجحده
قد عزّ شهودى إذ رمتا فأشرت لخدك أشهده
وهممت بجيدك أشركه فأبى واستكبر أصيده
وهززت قوامك أعطفه فنبا وتمنّع أملده «٢»
[ ١ / ١١ ]
سبب لرضاك أمهّده ما بال الخصر يعقّده
بينى في الحب وبينك ما لا يقدر واش يفسده
ما بال العاذل يفتح لى باب السّلوان وأوصده
ويقول: تكاد تجنّ به فأقول: وأو شك أعبده
مولاى وروحى في يده قد ضيّعها، سلمت يده!
ناقوس القلب يدقّ له وحنايا الأضلع معبده
حسّادى فيه أعذرهم وأحقّ بعذرى حسّده
قسما بثنايا لؤلؤها قسم الياقوت منضّده
ورضاب يوعد كوثره مقتول العشق ومشهده
وبخال كاد يحجّ له لو كان يقبّل أسوده
وقوام يروى الغصن له نسبا والرمح يفنّده
وبخصر أو هن من جلدى وعوادى الهجر تبدّده
ما خنت هواك ولا خطرت سلوى بالقلب تبرّده
وإنما ذكرت حياة أبى الحسن الحصرى، وشيئا من أخباره، لأنى رأيت أكثر الناس يحسبونه صاحب زهر الآداب، ولأنى أحب دائما أن أقدم للقارىء ما يمتع عقله ووجدانه من المعارف الأدبية، لأيّة مناسبة؛ ولأن أبا الحسن الحصرى ابن خالة أبى إسحاق الحصرى صاحب زهر الآداب، وفي هذه القرابة ما يدعو للتنويه به في هذا المقام، والظّفر للقارىء على أىّ حال «١» .
[ ١ / ١٢ ]