قال أعرابى لأبى جعفر محمد بن على بن الحسين «١» ﵁: هل رأيت الله حين عبدته؟ فقال: لم أكن لأعبد من لم أره، قال: فكيف رأيته؟
قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، ورأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يدرك بالحواسّ، ولا يشبّه بالناس، معروف بالآيات، منعوت بالعلامات، لا يجوز فى القضيّات، ذلك الله الذى لا إله إلا هو. فقال الأعرابى: الله أعلم حيث يجعل رسالته.
قال الجاحظ: قال محمد بن على: صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين؛ لأنّ صلاح شأن جميع الناس [فى التعايش و] التعاشر وهو ملء مكيال: ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل.
قال الجاحظ: لم يجعل لغير الفطنة نصيبا من الخير، ولا حظا من الصلاح؛ لأن الإنسان لا يتغافل عن شىء إلا وقد عرفه وفطن له، قال الطائى:
ليس الغبىّ بسيد في قومه لكنّ سيد قومه المتغابى
وقال ابن الرومى لأبى محمد بن وهب بن عبيد الله بن سليمان:
تظلّ إذا نامت عيون ذوى العمى وإن حدّدوا زرقا إليك جواحظا «٢»
[ ١ / ١١٧ ]
تغاضى لهم وسنان، بل متواسنا، وتوقظهم يقظان بل متياقظا «١»
[وأبو جعفر هذا هو الباقر]، وكان أخوه زيد بن على ﵁ ديّنا، شجاعا، ناسكا، من أحسن بنى هاشم عبارة، وأجملهم شارة.
وكانت ملوك بنى أمية تكتب إلى صاحب العراق أن امنع أهل الكوفة من حضور زيد بن على؛ فإنّ له لسانا أقطع من ظبة السيف وأحدّ من شبا الأسنة «٢»، وأبلغ من السحر والكهانة «٣»، ومن كل نفث في عقدة.
وقيل لزيد بن على: الصمت خير أم الكلام؟ فقال: قبّح الله المساكتة، ما أفسدها للبيان، وأجلبها للعىّ والحصر «٤» ! والله للمماراة أسرع في هدم العىّ «٥» من النار في يبس العرفج، ومن السيل إلى الحدور «٦» .
وقال له هشام بن عبد الملك: بلغنى أنّك تروم الخلافة وأنت لا تصلح لها لأنك ابن أمة؟ قال زيد: فقد كان إسماعيل بن إبراهيم ﵉ ابن أمة، وإسحاق ابن حرّة؛ فأخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم! فقال له: قم! فقال: إذا والله لا ترانى إلّا حيث تكره! فلما خرج من الدار قال: ما أحبّ أحد الحياة قط إلّا ذلّ، فقال له سالم مولى هشام: لا يسمعنّ هذا الكلام منك أحد، وكان زيد كثيرا ما ينشد:
شرّده الخوف وأزرى به كذاك من يكره حرّ الجلاد «٧»
منخرق الخفّين يشكو الوجى تنكبه أطراف مرو حداد «٨»
[ ١ / ١١٨ ]
قد كان فى الموت له راحة والموت حتم في رقاب العباد
وقد رويت هذه الأبيات لمحمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين، وقد رويت لأخيه موسى.
قال عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد: حدثنى رجل من بنى هاشم قال: كنا عند محمد بن على بن الحسين، وأخوه زيد جالس، فدخل رجل من أهل الكوفة فقال له محمد بن علىّ: إنك لتروى طرائف من نوادر الشعر، فكيف قال الأنصارى لأخيه؟ فأنشده:
لعمرك ما إن أبو مالك بوان ولا بضعيف قواه
ولا بألدّ له نازع يعادى أخاه إذا ما نهاه
ولكنّه غير مخلافة كريم الطبائع حلو نثاه «١»
وإن سدته سدت مطواعة ومهما وكلت إليه كفاه
فوضع محمد يده على كتف زيد، فقال: هذه صفتك يا أخى؛ وأعيذك بالله أن تكون قتيل أهل العراق! وكانت بين جعفر بن الحسن بن الحسين بن على وبين زيد رضوان الله عليهم منازعة في وصيّة، فكانا إذا تنازعا انثال الناس عليهما ليسمعوا محاورتهما؛ فكان الرجل يحفظ على صاحبه اللّفظة من كلام جعفر، ويحفظ الآخر اللفظة من كلام زيد. فإذا انفصلا وتفرّق الناس عنهما قال هذا لصاحبه: قال في موضع كذا وكذا، وقال الآخر: قال في موضع كذا وكذا؛ فيكتبون ما قالا، ثم يتعلّمونه كما يتعلّم الواجب من الفرض، والنادر من الشعر، والسائر من المثل! وكانا أعجوبة دهرهما وأحدوثة عصرهما.
ولما قتل زيدا يوسف بن عمر «٢» وصلب جثّته بالكناسة «٣» وبعث برأسه
[ ١ / ١١٩ ]
مع شبّة بن عقال، وكلّف آل أبى طالب البراءة من زيد، وقام خطباؤهم بذلك؛ فكان أول من قام عبد الله بن الحسن بن الحسين بن على رحمة الله عليه فأوجز فى كلامه ثم جلس، وقام عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب فأطنب- وكان شاعرا خطيبا لسنا ناسبا- فانصرف الناس وهم يقولون: ابن الطيار من أخطب الناس، فقيل لعبد الله بن الحسن في ذلك؛ فقال: لو شئت أن أقول لقلت، ولكن لم يكن مقام سرور، وإنما كان مقام مصيبة! وعبد الله هذا هو: أبو محمد وإبراهيم الخارجين على أبى جعفر المنصور، وهو القائل لابنه محمد أو إبراهيم: أى بنىّ! إنى مؤدّ حقّ الله في تأديبك، فأدّ إلىّ حقّ الله في الاستماع منى؛ أى بنىّ! كفّ الأذى، وارفض البذى «١» واستعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك فيها نفسك إلى الكلام، فإنّ للقول ساعات يضرّ فيها الخطأ، ولا ينفع فيها الصّواب، واحذر شورة الجاهل. وإن كان ناصحا، كما تحذر مشورة العاقل إذا كان غاشّا؛ لأنه يرديك بمشورته؛ واعلم يا بنىّ أن رأيك إذا احتجت إليه وجدته نائما، ووجدت هواك يقظان، فإياك أن تستبدّ برأيك، فإنه حينئذ هواك؛ ولا تفعل فعلا إلا وأنت على يقين أنّ عاقبته لا ترديك، وأن نتيجته لا تجنى عليك.
وهو القائل: إياك ومعاداة الرجال فإنك لن تعدم مكر حليم، أو معاداة لئيم.
وكتب إلى صديق له: أوصيك بتقوى الله تعالى، فإنّ الله تعالى جعل لمن اتّقاه المخرج من حيث يكره، والرزق من حيث لا يحتسب وعبد الله هو القائل:
[ ١ / ١٢٠ ]
أنس حرائر ما هممن بريبة كظباء مكة صيدهنّ حرام «١»
يحسبن من لين الحديث دوانيا ويصدّهنّ عن الخنا الإسلام «٢»
قال: وهذا كما روى أنّ عبد الملك بن مروان استقبل عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى، فقال له: قد علمت قريش أنّك أطولها صبوة، وأبعدها توبة، ويحك! أمالك في نساء قريش ما يكفيك من نساء بنى عبد مناف «٣»؟
ألست القائل:
نظرت إليها بالمحصّب من منى ولى نظر لولا التحرّح عارم «٤»
فقلت: أصبح أم مصابيح راهب بدت لك خلف السّجف أم أنت حالم «٥»
بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفل أبوها وإمّا عبد شمس وهاشم «٦»
فقال: يا أمير المؤمنين، فإنّ بعد هذا:
طلبن الهوى حتى إذا ما وجدنه صدرن وهنّ المسلمات الكرائم «٧»
فاستحيا منه عبد الملك، وقضى حوائجه ووصله.
وقال آخر في هذا المعنى:
تعطّلن إلا من محاسن أوجه فهنّ حوال في الصفات عواطل «٨»
كواس عوار صامتات نواطق بعفّ الكلام باخلات بواذل «٩»
برزن عفافا واحتجبن تستّرا وشيب بحقّ القول منهنّ باطل «١٠»
[ ١ / ١٢١ ]
فذو الحلم مرتاد وذو الجهل طامع وهنّ عن الفحشاء حيد نواكل «١»
وقال العديل بن الفرخ فيما يتطرف طرفا من هذا المعنى:
لعب النعيم بهنّ في أطلاله حتى لبسن زمان عيش غافل «٢»
يأخذن زينتهنّ أحسن ما ترى فإذا عطلن فهنّ غير عواطل
وإذا خبأن خدودهن أريننى حدق المها وأخذن نبل القاتل «٣»
يرميننا لا يستترن بجنّة إلا الصّبا وعلمن أين مقاتلى «٤»
يلبسن أردية الشباب لأهلها ويجرّ باطلهنّ ذيل الباطل
وتعرّض لعبد الله بن الحسن رجل بما يكره، فقال فيما أنشده ثعلب:
أظنّت سفاها من سفاهة رأيها أن اهجوها لما هجتنى محارب «٥»
فلا وأبيها إننى بعشيرتى ونفسى عن ذاك المقام لراغب «٦»
وأنشد هذين البيتين أبو العباس المبرّد لرجل لم يسمّه في رجل يعرف بابن البعير، وقبلهما:
يقولون أبناء البعير وما لهم سنام ولا في ذروة المجد غارب «٧»
وساير عبد الله بن الحسن أبا العباس السفاح بظهر مدينة الأنبار وهو ينظر إلى بناء قد بناه أبو العباس ويدور به، فأنشد عبد الله:
ألم تر جوشنا لما تبنّى بناء نفعه لبنى بقيله
يؤمّل أن يعمّر عمر نوح وأمر الله يحدث كلّ ليله
وكان أبو العباس له مكرما، ولحقّه معظّما؛ فتبسّم مغضبا، وقال: لو علمنا
[ ١ / ١٢٢ ]
لاشترطنا حقّ المسايرة! فقال عبد الله: بوادر الخواطر، وأغفال المسانح؛ والله ما قلتها عن رويّة، ولا عارضنى فيها فكر؛ وأنت أجلّ من أقال، وأولى من صفح، قال: صدقت؛ خذ في غير هذا.
ولما قتل المنصور ابنه محمدا- وكان عبد الله في السجن- بعث برأسه إليه مع الربيع حاجبه؛ فوضع بين يديه، فقال: رحمك الله أبا القاسم فقد كنت من «الّذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والّذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب» ! ثم تمثل:
فتى كان يحميه من الذلّ سيفه ويكفيه سوءات الأمور اجتنابها
ثم التفت إلى الربيع فقال له: قل لصاحبك قد مضى من بؤسنا مدة، ومن نعيمك مثلها؛ والموعد الله تعالى! قال الربيع: فما رأيت المنصور قطّ أكثر انكسارا منه حين أبلغته الرسالة «١» .
أخذ العباس بن الأحنف «٢» هذا المعنى، وقيل: عمارة بن عقيل بن بلال ابن جرير»
فقال:
فإن تلحظى حالى وحالك مرة بنظرة عين عن هوى النفس تحجب
تجد كلّ يوم مرّ من بؤس عيشتى يمرّ بيوم من نعيمك يحسب
ولما قتل المنصور محمد بن عبد الله اعترضته امرأة معها صبيان، فقالت:
يا أمير المؤمنين، أنا امرأة محمد بن عبد الله، وهذان ابناه، أيتمهما سيفك، وأضرعهما خوفك «٤» . فناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تصعّر لهما خدّك،
[ ١ / ١٢٣ ]
أو ينأى عنهما رفدك «١»؛ ولتعطفك عليهما شوابك النسب، وأواصر الرّحم «٢» فالتفت إلى الربيع، فقال: اردد عليهما ضياع أبيهما، ثم قال: كذا والله أحبّ أن تكون نساء بنى هاشم.
وكان أهل المدينة لما ظهر محمد أجمعوا على حرب المنصور، ونصر محمد؛ فلما ظفر المنصور أحضر جعفر بن محمد بن على بن الحسين الصادق، فقال له:
قد رأيت إطباق أهل المدينة على حربى، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يغوّر عيونهم «٣»، ويجمّر نخلهم «٤» . فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين؛ إنّ سليمان أعطى فشكر، وإنّ أيوب ابتلى فصبر، وإنّ يوسف قدر فغفر؛ فاقتد بأيّهم شئت، وقد جعلك الله من نسل الذين يعفون ويصفحون، فقال أبو جعفر:
إنّ أحدا لا يعلّمنا الحلم، ولا يعرّفنا العلم، وإنما قلت هممت، ولم ترنى فعلت؛ وإنك لتعلم أن قدرتى عليهم تمنعنى من الإساءة إليهم.
وعزّى جعفر بن محمد رجلا، فقال: أعظم بنعمة في مصيبة جلبت أجرا وأفظع بمصيبة في نعمة أكسبت كفرا هذا كقول الطائى:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلى الله بعض القوم بالنّعم
وكان جعفر بن محمد يقول: إنّى لأملق أحيانا فأتاجر الله بالصدقة فيربحنى.
وقال جعفر ﵁: من تخلّق بالخلق الجميل وله خلق سوء أصيل فتخلّقه لا محالة زائل، وهو إلى خلقه الأوّل آيل، كطلى الذهب على النحاس ينسحق وتظهر صفرته للناس.
وهذا كقول العرجى:
يأيها المتحلّى غير شيمته ومن خلائقه الإقصار والملق «٥»
[ ١ / ١٢٤ ]
ارجع إلى خلقك المعروف وارض به إنّ التخلق يأتى دونه الخلق «١»
وكان يقول: ما توسّل إلىّ أحد بوسيلة هي أقرب إلىّ من يد سبقت منى إليه أتبعها أختها لتحسن ربّها وحفظها «٢»؛ لأنّ منع الأواخر يقطع لسان الأوائل.
وقيل لجعفر ﵀: إنّ أبا جعفر المنصور لا يلبس مذ صارت إليه الخلافة إلّا الخشن، ولا يأكل إلا الجشب «٣» . فقال: يا ويحه! مع ما مكّن له من السلطان، وجبى إليه من الخراج! قالوا: إنما يفعل ذلك بخلا وجمعا للمال.
فقال: الحمد لله الذى حرمه من دنياه ما ترك له من دينه. انتهى.
قال: ومن دعاء جعفر ﵁: اللهم إنك بما أنت أهل له من العفو أولى بما أنا أهل له من العقوبة.
وكان عبد الله [بن معاوية بن عبد الله] بن جعفر عالما، ناسبا، وكان خطيبا مفوها، وشاعرا مجيدا، وكتب إلى بعض إخوانه:
أما بعد، فقد عاقنى الشكّ في أمرك عن عزيمة الرّأى فيك، وذلك أنك ابتدأتنى بلطف عن غير خبرة؛ ثم أعقبتنى جفاء عن غير جريرة؛ فأطمعنى أوّلك فى إخائك، وأيأسنى آخرك عن وفائك؛ فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطّراحا، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة؛ فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الشكّ في أمرك عن عزيمة الرأى فيك؛ فاجتمعنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف، والسلام.
وهو القائل:
رأيت فضيلا كان شيئا ملفّعا فكشّفه التمحيص حتى بدا ليا «٤»
[ ١ / ١٢٥ ]
فأنت أخى ما لم تكن لى حاجة فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
كلانا غنىّ عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
فلا زاد ما بينى وبينك بعد ما بلوتك في الحاجات إلّا تماديا
فعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أنّ عين السخط تبدى المساويا
والقائل أيضا:
لسنا وإن أحسابنا كرمت يوما على الأحساب نتّكل
نبنى كما كانت أوائلنا تبنى ونفعل مثل ما فعلوا
وهذا كقول عامر بن الطفيل، قال أبو الحسن على بن سليمان الأخفش:
أنشدنى محمد الحسن بن الحرون لعامر بن الطفيل «١»:
تقول ابنة العمرىّ: مالك بعد ما أراك صحيحا كالسليم المعذّب «٢»
فقلت لها: همّى الذى تعرفينه من الثّأر في حيّى زبيد وأرحب
إن اغز زبيدا أغز قوما أعزّة مركّبهم في الحىّ خير مركب
وإن أغز حيّى خثعم فدماؤهم شفاء وخير الثّأر للمتأوّب «٣»
فما أدرك الأوتار مثل محقّق بأجرد طاو كالعسيب المشذّب «٤»
[ ١ / ١٢٦ ]
وأسمر خطىّ وأبيض باتر وزغف دلاص كالغدير المثوّب «١»
وإنى وإن كنت ابن سيد عامر وفي السرّ منها والصّريح المهذّب
فما سوّدتنى عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
ولكننى أحمى حماها، وأتقى أذاها، وأرمى من رماها بمنكب
وقال أيضا يهنّىء بعض الهاشميين بإملاك «٢»: زاد الله في نعمته، وبارك فى فواضله، وجميل نوافله؛ ونسأل الله- الذى قسم لكم ما تحبّون من السرور- أن يجنّبكم ما تكرهون من المحذور، ويجعل ما أحدثه لكم زينا، ومتاعا حسنا، ورشدا ثابتا، ويجعل سبيل ما أصبحت عليه، تماما لصالح ما سموت إليه؛ من اجتماع الشّمل، وحسن موافقة الأهل؛ ألّف الله ذلك بالصلاح، وتممه بالنجاح، ومدّ لك في ثروة العدد، وطيب الولد، مع الزيادة في المال، وحسن السلامة في الحال، وقرّة العين، وصلاح ذات البين.
وهجا أبو عاصم محمد بن حمزة الأسلمى المدنى الحسن بن زيد بن الحسين «٣» بن على ابن أبى طالب رحمة الله عليه، فقال:
له حقّ وليس عليه حقّ ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقا عليه لغيره وهو الرسول
فلما ولى الحسن المدينة أتاه متنكّرا في زى الأعراب، فقال:
ستأتى مدحتى الحسن بن زيد وتشهد لى بصفّين القبور «٤»
قبور لم تزل مذ غاب عنها أبو حسن تعاديها الدهور
قبور لو بأحمد أو علىّ يلوذ مجيرها حمى المجير
هما أبواك من وضعا فضعه وأنت برفع من رفعا جدير
[ ١ / ١٢٧ ]
فقال: من أنت؟ قال: أنا الأسلمى. قال: ادن حيّاك الله! وبسط له رداءه، وأجلسه عليه، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
وكان الحسن بن زيد قد عوّد داود بن سلم مولى بنى تيم أن يصله، فلما مدح داود جعفر بن سليمان بن على- وكان بينه وبين الحسن بن زيد تباعد- أغضبه ذلك «١»، وقدم الحسن من حجّ أو عمرة، فدخل عليه داود بن سلم مهنئا، فقال:
أنت القائل في جعفر بن سليمان بن على:
وكنا حديثا قبل تأمير جعفر وكان المنى في جعفر أن يؤمّرا «٢»
حوى المنبرين الطاهرين كليهما إذا ما خطا عن منبر أمّ منبرا «٣»
كأن بنى حوّاء صفّوا أمامه فخيّر في أنسابهم فتخيّرا
فقال داود: نعم، جعلنى الله فداك، فكنتم خيرة اختياره! وأنا القائل:
لعمرى لئن عاقبت أو جدت منعما بعفو عن الجانى وإن كان معذرا «٤»
لأنت بما قدمت أولى بمدحة وأكرم فخرا إن فخرت وعنصرا
هو الغرة الزهراء من فرع هاشم ويدعو عليا ذا المعالى وجعفرا «٥»
وزيد الندى والسبط سبط محمد وعمّك بالطّفّ الزكىّ المطهّرا
وما نال منها جعفر غير مجلس إذا ما نفاه العزل عنه تأخرا «٦»
بحقكم نالوا ذراها وأصبحوا يرون به عزّا عليكم ومظهرا
فعادله الحسن بن زيد إلى ما كان عليه، ولم يزل يصله ويحسن إليه إلى أن مات.
[ ١ / ١٢٨ ]
وقوله: «وإن كان معذرا»، لأن جعفرا أعطاه على أبياته الثلاثة ألف دينار.
ولما ولى الحسن بن زيد المدينة دخل عليه إبراهيم بن على بن هرمة، فقال له الحسن: يا إبراهيم؛ لست كمن باع لك دينه رجاء مدحك، أو خوف ذمك، فقد رزقنى الله تعالى بولادة نبيه ﷺ الممادح، وجنّبنى المقابح، وإنّ من حقه علىّ ألا أغضى على تقصير في حقّ وجب؛ وأنا أقسم لئن أتيت بك سكران لأضربنك حدّا للخمر، وحدّا للسكر؛ ولأزيدنّ لموضع حرمتك بى، فليكن تركك لها لله ﷿ تعن عليه، ولا تدعها للناس فتوكل إليهم.
فنهض ابن هرمة، وهو يقول:
نهانى ابن الرسول عن المدام وأدّبنى بآداب الكرام
وقال لى أصطبر عنها ودعها لخوف الله لا خوف الأنام
وكيف تصبّرى عنها وحبى لها حبّ تمكّن في عظامى
أرى طيف الخيال علىّ خبثا وطيب العيش في خبث الحرام
وكان إبراهيم منهوما في الخمر، وجلده خيثم بن عراك «١» صاحب شرطة المدينة لرباح بن عبد الله الحارثى في ولاية أبى العباس.
ولما وفد على أبى جعفر المنصور ومدحه استحسن شعره ووصله، وقال له:
سل حاجتك، قال: تكتب لى إلى عامل المدينة ألّا يحدّنى إذا أتى بى سكران فقال أبو جعفر: هذا حدّ من حدود الله تعالى لا يجوز أن أعطله، قال: فاحتل لى يا أمير المؤمنين! فكتب إلى عامل المدينة: «من أتاك بابن هرمة سكران فاجلده مائة، واجلد ابن هرمة ثمانين» .
فكان الشّرط يمرّون به مطروحا في سكك المدينة، فيقولون: من يشترى مائة بثمانين؟! وقال موسى بن عبد الله «٢» بن على بن أبي طالب:
[ ١ / ١٢٩ ]
إذا أنا لم أقبل من الدهر كلّ ما تكرّهت منه طال عتبى على الدّهر
إلى الله كلّ الأمر في الخلق كلهم وليس إلى المخلوق شىء من الأمر
تعودت مسّ الضر حتى ألفته وأسلمنى طول البلاء إلى الصبر
ووسّع صدرى للأذى الأنس بالأذى وإن كنت أحيانا يضيق به صدرى
وصيّرنى يأسى من الناس راجيا لسرعة لطف الله من حيث لا أدرى
وموسى بن عبد الله هو القائل:
تولّت بهجة الدنيا فكل جديدها خلق «١»
وخان الناس كلّهم فما أدرى بمن أثق
رأيت معالم الخيرا ت سدّت دونها الطرق
فلا حسب ولا نسب ولا دين ولا خلق
فلست مصدّق الأقوا م في شىء وإن صدقوا
وكان المنصور حبسه لخروجه عليه مع أخويه، ثم ضربه ألف سوط، فما نطق بحرف واحد؛ فقال الربيع: عذرت هؤلاء الفساق في صبرهم؛ فما بال هذا الفتى الذى نشأ في النعمة والدّعة؟ فقال:
إنّى من القوم الذين يزيدهم جلدا وصبرا قسوة السلطان
وولدت هند بنت أبى عبيدة بن عبد الله بن زمعة موسى، ولها ستّون سنة، ولا يعلم امرأة ولدت بنت ستين سنة إلا قرشيّة.
اجتاز على بن محمد العلوى بالجسر بحدثان «٢» قتل عمر بن يحيى بن عبد الله ابن الحسين، وقاتله الحسين بن إسماعيل هناك قد جرّد رجلا للقتل، فلما رأت أمّ الرجل عليا سألته أن يشفع فيه، فمال علىّ إلى الحسين فأنشده:
[ ١ / ١٣٠ ]
قتلت أبرّ من ركب المطايا وجئتك أستلينك بالكلام
وعزّ علىّ أن ألقاك إلّا وفيما بيننا حدّ الحسام
ولكنّ الجناح إذا أصيبت قوادمه يرف على الإكام «١»
فقال له: وما حاجتك؟ قال: العفو عن ابن هذه المرأة! فتركه.
وسئل العباس بن الحسين عن رجل، فقال لجليسه: أطرب من الإبل على الحداء، ومن الثمل على الغناء.
وذكر العباس رجلا فقال: ما الحمام على الأحرار، وطول السّقم في الأسفار، وعظم الدّين على الإقتار، بأشدّ من لقائه.
وقال العباس بن الحسين للمأمون: يا أمير المؤمنين؛ إن لسانى ينطلق بمدحك غائبا، وقد أحببت أن يتزيّد عندك حاضرا، أفتأذن لى يا أمير المؤمنين في الكلام؟ فقال له: قل؛ فو الله إنك لتقول فتحسن، وتحضر فتزبّن، وتغيب فتؤتمن، فقال: ما بعد هذا كلام يا أمير المؤمنين! أفتأذن بالسكوت؟ قال: إذا شئت.
وذكر رجلا بليغا فقال: ما شبّهت كلامه إلا بثعبان ينهال بين رمال، وماء يتغلغل بين جبال.
وسمع المنتجع بن نبهان كلام العباس بن الحسين، فقال: هذا كلام يدلّ سائره على غابره «٢» وأوله على آخره.
وسأل المأمون العباس بن الحسين عن رجل؟ فقال: رأيت له حلما وأناة، ولم أسمع لحنا ولا إحالة «٣»؛ يحدّثك الحديث على مطاويه «٤»، وينشدك الشعر على مدارجه.
[ ١ / ١٣١ ]
وكان المأمون يقول: من أراد أن يسمع لهوا بلا حرج فليسمع كلام العباس والعباس بن الحسين بن أشعر الهاشميين؛ وهو يعدّ في طبقة إبراهيم ابن المهدى، وهو القائل:
أتاح لك الهوى بيض حسان سبينك بالعيون وبالشعور «١»
نظرت إلى النحور فكدت تقضى وأولى لو نظرت إلى الخصور «٢»
وهو القائل أيضا:
صادتك من بعض القصور بيض نواعم في الخدور
حور تحور إلى صبا ك بأعين منهنّ حور «٣»
وكأنما بثغورهنّ جنى الرّضاب من الخمور «٤»
يصبغن تفّاح الخدو د بماء رمّان الصّدور
وهو: العباس بن الحسين بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى طالب ﵁، وأم عبيد الله جدّة بنت عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب عم محمد بن على أبى الخلفاء.
وكان الرشيد والمأمون يقرّبان العباس غاية التقريب؛ لنسبه وأدبه؛ قال أبو دلف: دخلت على الرشيد وهو في طارمة على طنفسة «٥» ومعه عليها شيخ جميل المنظر؛ فقال لى الرشيد: يا قاسم؛ ما خبر أرضك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، خراب يباب، أخربها الأكراد والأعراب. فقال قائل: هذا آفة الجبل، وهو أفسده، فقلت: أنا أصلحه، قال الرشيد: وكيف ذلك؟ قلت: أفسدته وأنت علىّ وأصلحه وأنت معى! قال الشيخ: إن همته لترمى به من وراء سنّه
[ ١ / ١٣٢ ]
مرمى بعيدا؛ فسألت عن الشيخ فقيل: العباس بن الحسين، وكان أبو دلف ذلك الوقت صغير السنّ.
ولقى موسى بن جعفر «١» ﵁ محمد بن الرشيد الأمين بالمدينة وموسى على بغلة، فقال للفضل بن الربيع: عاتب هذا، فقال له الفضل: كيف لقيت أمير المؤمنين على هذه الدابة التي إن طلبت عليها لم تسبق، وإن طلبت عليها تلحق، فقال: لست أحتاج أن أطلب، ولا إلى أن أطلب؛ ولكنها دابّة تنحط عن خيلاء الخيل، وترتفع عن ذلة العير «٢»، وخير الأمور أوسطها.
أصيب على بن موسى بمصيبة، فصار إليه الحسن بن سهل، فقال: إنا لم نأتك معزّين؛ بل جئناك مقتدين؛ فالحمد لله الذى جعل حياتكم للناس رحمة، ومصائبكم لهم قدوة.
وكان علىّ بن موسى الرضا ﵀ قد ولّاه المأمون عهده، وعقد له الخلافة بعده، ونزع السّواد عن بنى العباس، وأمرهم بلباس الخضرة «٣»، ومات على بن موسى فى حياة المأمون بطوس، فشقّ [المأمون] قبر الرشيد ودفن فيه تبرّكا به، وكان الرشيد قد مات بطوس فدفن هناك «٤»؛ ولذلك قال دعبل بن على الخزاعى:
اربع بطوس على قبر الزكىّ بها إن كنت تربع من دين على وطر «٥»
ما ينفع الرّجس من قرب الزكى، ولا على الزكىّ بقرب الرجس من ضرر
هيهات كلّ امرىء رهن بما كسبت له يداه فخذ من ذاك أو فذر
[ ١ / ١٣٣ ]
قبران في طوس: خير الناس كلهم وقبر شرّهم، هذا من العبر
وكان دعبل مداحا لأهل البيت، كثير التعصّب لهم، والغلوّ فيهم. وله المرثية المشهورة، وهي من جيد شعره، وأولها:
مدارس آيات عفت من تلاوة ومنزل وحى مقفر العرصات «١»
لآل رسول الله بالخيف من منى وبالبيت والتّعريف والجمرات
ديار علىّ والحسين وجعفر وحمزة والسّجّاد ذى الثّفنات
قفا نسأل الدّار التي خفّ أهلها متى عهدها بالصّوم والصلوات
وأين الأولى شطّت بهم غربة النّوى أفانين في الآفاق مفترقات «٢»
أحبّ قصىّ الدار من أجل حبّهم وأهجر فيهم أسرتى وثقاتى
وهي طويلة.
ولما دخل المأمون بغداد أحضر دعبلا بعد أن أعطاه الأمان، وكان قد هجاه وهجا أباه، فقال: يا دعبل، من الحضيض الأوهد! فقال: يا أمير المؤمنين، قد عفوت عمن هو أشدّ جرما منى! أراد المأمون قول دعبل يهجوه:
إنّى من القوم الذين سيوفهم قتلت أخاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله واستنقذوك من الحضيض الأوهد
يفتخر عليه بقتل طاهر بن الحسين بن مصعب ذى اليمينين أخاه محمدا، وطاهر مولى لخزاعة، فاستنشده هذه القصيدة التائيّة «٣»، فاستعفاه، فقال: لا بأس عليك، وقد رويتها، وإنما أحببت أن أسمعها منك، فأنشدها دعبل؛ فلما انتهى إلى قوله:
ألم تر أنى مذ ثلاثين حجّة أروح وأغدو دائم الحسرات
[ ١ / ١٣٤ ]
أرى فيئهم في غيرهم متقسّما وأيديهم من فيئهم صفرات «١»
إذا وتروا مدّوا إلى أهل وترهم أكفا عن الأوتار منقبضات
وآل رسول الله نحف جسومهم وآل زياد غلّظ القصرات «٢»
بنات زياد في القصور مصونة وبنت رسول الله في الفلوات
بكى المأمون، وجدّد له الأمان، وأحسن له الصّلة.
والشىء يستدعى ما قرع بابه، وجذب أهدابه «٣»، قال سليمان بن قتيبة:
مررت على أبيات آل محمد فلم أر ما عهدى بها يوم حلّت «٤»
فلا يبعد الله الديار وأهلها وإن أصبحت من أهلها قد تخلّت «٥»
وكانوا رجاء ثم عادوا رزية ألا عظمت تلك الرزايا وجلّت «٦»
وإن قتيل الطّفّ من آل هاشم أذلّ رقاب المسلمين فذلّت «٧»
ويشبه قوله: «وكانوا رجاء ثم عادوا رزية» قول امرأة من العرب مرّت بالجسر بجثّة جعفر بن يحيى البرمكى مصلوبا «٨»؛ فقالت: لئن أصبحت نهاية في البلاء، لقد كنت غاية في الرجاء.