أورد ابن رشيق من شعره هذين البيتين:
إنى أحبّك حبّا ليس يبلغه فهم، ولا ينتهى وصف إلى صفته
أقصى نهاية علمى فيه معرفتى بالعجز منّى عن إدراك معرفته
وأورد له ابن بسّام هذين البيتين:
أورد قلبى الردى لام عذار بدا
أسود كالكفر فى أبيض مثل الهدى
واختار له ياقوت هذه المقطوعة:
يا هل بكيت كما بكت ورق الحمائم في الغصون
هتفت سحيرا، والربى للقطر رافعة الجفون
فكانها صاغت على شجوى شجى تلك اللحون
دكّرتنى عهدا مضى للأنس منقطع القرين
فتصرمت أيامها وكأنها رجع الجفون
[ ١ / ١٣ ]
واختار له أيضا:
كتمت هواك حتى عيل صبرى وأدنتنى مكاتمتى لرمسى
ولم أقدر على إخفاء حال يحول بها الأسى دون التأسى
وحبك مالك لحظى ولفظى وإظهارى وإضمارى وحسى
فإن أنطق ففيك جميع نطقى وان أسكت ففيك حديث نفسى
ولو نقلت إلينا من شعره طائفة صالحة لاستطعنا أن نعيّن منزلته بين الشعراء.
أما نثره فمستملح، ويغلب فيه السّجع المقبول، الخالص من شوائب الصنعة والتكلف، والسجع في الأصل حلية وزينة، وإنما يعاب عند الغلوّ والإغراق.
وإليكم أنموذجا مما جاء من نثره في مقدمة كتابه، قال:
«ولم أذهب في هذا الاختيار، إلى مطولات الأخبار، كأحاديث صعصعة ابن صوحان، وخالد بن صفوان، ونظائرهما؛ إذ كانت هذه (يريد الفقر الصغيرة) أجمل لفظا، وأسهل حفظا، وهو كتاب يتصرف فيه الناظر من نثره، إلى شعره، ومطبوعه، إلى مصنوعه، ومحاورته، إلى مفاخرته، ومناقلته، إلى مساجلته، وخطابه المبهت، إلى جوابه المسكت، وتشبيهاته المصيبة، إلى اختراعاته العريبة، وأوصافه الباهرة، إلى أمثاله السائرة، وجده المعجب، إلى هزله المطرب، وجزله الرائع، إلى رقيقه البارع» .
وهذا كما ترى سجع يجمع بين دقّة الصّنع، ورقّة الطبع، فهو في دقته مطبوع، لا مصنوع.