قال القطامى- واسمه عمير بن شييم التغلبى «٧»، وسمى القطامى لقوله:
يحطّهنّ جانبا فجانبا حطّ القطامىّ القطا القواربا «٨»
وقال أبو عبيدة: ويقال للصقر قطامى وقطامى:
وفي الخدور غمامات برقن لنا حتى تصيّدننا من كلّ مصطاد
يقتلننا بحديث ليس يعلمه من يتقين ولا مكنونه بادى «٩»
[ ١ / ٤٧ ]
فهنّ ينبذن من قول يصبن به مواقع الماء من ذى الغلّة الصّادى «١»
وقال أبو حيّة النّميرى، واسمه الهيثم بن الرّبيع:
وخبّرك الواشون أن لن أحبّكم بلى وستور الله ذات المحارم
وإن دما، لو تعلمين، جنيته على الحىّ جانى مثله غير سالم «٢»
أصدّ وما الصدّ الذى تعلمينه عزاء بكم إلا ابتلاع العلاقم «٣»
حياء وتقيا أن تشيع نميمة بنا وبكم، أفّ لأهل النّمائم «٤»
أما إنه لو كان غيرك أرقلت إليه القنا بالراعفات اللهاذم «٥»
ولكنه والله ما طلّ مسلما كغرّ الثنايا واضحات الملاغم «٦»
إذا هنّ ساقطن الأحاديث للفتى سقوط حصى المرجان من كفّ ناظم «٧»
[ ١ / ٤٨ ]
رمين فأنفذن القلوب، ولا ترى دما مائرا إلا جوى في الحيازم «١»
وقال أيضا:
حديث- إذا لم تخش عينا- كأنه إذا ساقطته الشّهد أو هو أطيب
لو انك تستشفى به بعد سكرة من الموت كادت سكرة الموت تذهب
إلى هذا ينظر قول الآخر وإن لم يكن منه:
أقول لأصحابى وهم يعذلوننى ودمع جفونى دائم العبرات
بذكر منى نفسى فبلّوا، إذا دنا خروجى من الدنيا، جفوف لهاتى «٢»
وقال سديف مولى بنى هاشم يصف نساء:
وإذا نطقن تخالهنّ نواظما درّا يفصّل لؤلؤا مكنونا
وإذا ابتسمن فإنهنّ غمامة أو أقحوان الرّمل بات معينا «٣»
وإذا طرفن طرفن عن حدق المها وفضلنهنّ محاجرا وجفونا «٤»
وكأنّ أجياد الظباء تمدّها وخصورهنّ لطافة ولدونا «٥»
وأصحّ ما رأت العيون محاجرا ولهنّ أمرض ما رأيت عيونا «٦»
[ ١ / ٤٩ ]
وكأنهنّ إذا نهضن لحاجة ينهضن بالعقدات من يبرينا «١»
وقال الطائى «٢»:
تعطيك منطقها فتعلم أنّه لجنى عذوبته يمرّ بثغرها
وأظنّ حبل وصالها لمحبّها أوهى وأضعف قوّة من خصرها
أخذه أبو القاسم بن هانئ «٣»، فقال يمدح جعفر بن على، إلّا أنه قلبه فقال:
قد طيّب الأفواه طيب ثنائه من أجل ذا نجد الثغور عذابا
وكأنما ضرب السماء سرادقا بالزّاب، أو رفع النجوم قبابا «٤»
أرضا وطئت الدّرّ رضراضا بها والمسك تربا والرياض جنابا «٥»
[ ١ / ٥٠ ]
وقال الطائى:
بسطت إليك بنانة أسروعا تصف الفراق ومقلة ينبوعا «١»
كادت لعرفان النّوى ألفاظها من رقّة الشّكوى تكون دموعا
ومن جيّد هذا المعنى وقديمه قول النابغة الذبيانى «٢»:
لو أنها عرضت لأشمط راهب عبد الإله صرورة متعبّد «٣»
لرنا للهجتها وطيب حديثها ولخاله رشدا وإن لم يرشد
نظرت إليك بحاجة لم تقضها نظر السليم إلى وجوه العوّد «٤»
ومن مشهور الكلام قول الآخر:
وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها أرى الأرض تطوى لى ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها «٥»
تحلّل أحقادى إذا ما لقيتها وترمى بلا جرم علىّ حقودها «٦»
وقال بشار:
وكأنّ رجع حديثها قطع الرّياض كسين زهرا
حوراء إن نظرت إلي ك سقتك بالعينين خمرا «٧»
تنسى الغوىّ معاده وتكون للحكماء ذكرا
وكأنها برد الشراب صفا ووافق منك فطرا «٨»
[ ١ / ٥١ ]
وكأنّ تحت لسانها هاروت ينفث فيه سحرا
وتخال ما جمعت عليه ثيابها ذهبا وعطرا «١»
وسمع بشار قول كثيّر بن عبد الرحمن «٢»:
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة إذا غمزوها بالأكفّ تلين
فقال: قاتل الله أبا صخر! يزعم أنها عصا ويعتذر بأنها خيزرانة، ولو قال:
عصا مخّ، أو عصا زبد؛ لكان قد هجّنها مع ذكر العصا، هلّا قال كما قلت:
ودعجاء المحاجر من معدّ كأنّ حديثها ثمر الجنان «٣»
إذا قامت لحاجتها تثنّت كأنّ عظامها من خيزران
وبعد قول كثيّر: «ألا إنما ليلى عصا خيزرانة»:
تمتّع بها ما ساعفتك، ولا يكن عليك شجى في الصّدر حين تبين
وإن هي أعطتك اللّيان فإنها لآخر من خلّانها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأى عهدها فليس لمخضوب البنان يمين
وقال البحترى:
ولما التقينا واللّوى موعد لنا تعجّب رائى الدّرّ حسنا ولا قطه
فمن لؤلؤ تجنيه عند ابتسامها ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
وقال المتنبى:
أمنعمة بالعودة الظبية التى بغير ولىّ كان نائلها الوسمى «٤»
ترشّفت فاها سحرة فكأننى ترشّفت حرّ الوجد من بارد الظلم «٥»
[ ١ / ٥٢ ]
فتاة تساوى عقدها وكلامها ومبسمها الدّرّىّ في النثر والنظم
عاد الحديث الأول- قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجى:
حدثنا يوسف بن يعقوب قال: أخبرنى جدّى قراءة عليه، عن أبى داود، عن محمد بن عبيد الله، عن أبى إسحاق، عن البراء يرفعه إلى رسول الله ﷺ قال: «إن من الشعر لحكما، وإن من البيان لسحرا» قال أبو القاسم:
هكذا روينا الخبر، وراجعت فيه الشيخ، فقال: نعم، هو: «إن من الشعر لحكما» بضم الحاء وتسكين الكاف، قال: ووجهه عندى إذا روى هكذا: إن من الشعر ما يلزم المقول فيه كلزوم الحكم للمحكوم عليه؛ إصابة للمعنى، وقصدا للصواب وفي هذا يقول أبو تمام:
ولولا سبيل سنّها الشعر مادرى بغاة العلى من أين تؤتى المكارم «١»
يرى حكمة ما فيه وهو فكاهة ويرضى بما يقضى به وهو ظالم
انتهى كلام أبى القاسم.
وقد وجدنا في الشعر أبياتا يجرى على رسمها، ويمضى على حكمها؛ فقد كان بنو أنف الناقة إذا ذكر أحد عند أحد منهم أنف الناقة- فضلا عن أن ينسبهم إليه- اشتدّ غضبهم عليه؛ فما هو إلا أن قال الحطيئة «٢» يمدحهم:
سيرى أمام فإن الأكثرين حصى والأطيبين إذا ما ينسبون أبا «٣»
[ ١ / ٥٣ ]
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا «١»
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن يسوّى بأنف الناقة الذّنبا
فصار أحدهم إذا سئل عن انتسابه لم يبدأ إلا به وأنف الناقة: هو جعفر بن قريع بن عوف بن كعب بن زيد مناة بن تميم.