بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
الحمد لله الذى اختصّ الإنسان بفضيلة البيان، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، المرسل بالنور المبين، والكتاب المستبين، الذى يحدّى الخلق أن يأتوا بمثله فعجزوا عنه، وأقرّوا بفضله، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.
وبعد؛ فهذا كتاب اخترت فيه قطعة كاملة من البلاغات؛ فى الشعر والخبر، والفصول والفقر «١»، مما حسن لفظه ومعناه، واستدلّ بفحواه على مغزاه «٢»، ولم يكن شاردا حوشيّا «٣»، ولا ساقطا سوقيّا «٤»، بل كان جميع ما فيه، من ألفاظه ومعانيه، كما قال البحترى «٥»:
فى نظام من البلاغة ما ش كّ امرؤ أنّه نظام فريد «٦»
حزن مستعمل الكلام اختيارا وتجنّبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدرك ن به غاية المراد البعيد
ولم أذهب في هذا الاختيار، إلى مطولات الأخبار، كأحاديث صعصعة
[ ١ / ٣٣ ]
ابن صوحان «١»، وخالد بن صفوان «٢»، ونظائرهما؛ إذ كانت هذه أجمل لفظا، وأسهل حفظا.
وهو كتاب يتصرّف الناظر فيه من نثره إلى شعره، ومطبوعه إلى مصنوعه، ومحاورته إلى مفاخرته، ومناقلته «٣» إلى مساجلته «٤»، وخطابه المبهت «٥» إلى جوابه المسكت، وتشبيهاته المصيبة إلى اختراعاته الغريبة، وأوصافه الباهرة إلى أمثاله السائرة، وجدّه المعجب «٦» إلى هزله المطرب، وجز له الرائع إلى رقيقه البارع.
وقد نزعت فيما جمعت عن ترتيب البيوت «٧»، وعن إبعاد الشكل عن شكله، وإفراد الشىء من مثله؛ فجعلت بعضه مسلسلا «٨»، وتركت بعضه مرسلا «٩»؛ ليحصل محرّر النّقد «١٠»، مقدّر السّرد «١١»؛ وقد أخذ بطر في التأليف، واشتمل على حاشيتى التصنيف؛ وقد بعز المعنى، فألحق الشّكل بنظائره، وأعلّق الأول بآخره، وتبقى منه بقية أفرّقها فى سائره «١٢» ليسلم من التطويل المملّ، والتقصير المخلّ، وتظهر في التجميع إفادة الاجتماع؛ وفى التفريق لذاذة
[ ١ / ٣٤ ]
الإمتاع، فيكمل منه ما يونق القلوب والأسماع «١»؛ إذ كان الخروج من جدّ إلى هزل، ومن حزن إلى سهل «٢» أنفى للكلل «٣»، وأبعد من الملل؛ وقد قال إسماعيل بن القاسم [هو أبو العتاهية] «٤»:
لا يصلح النفس إذ كانت مدابرة إلا التنقّل من حال إلى حال «٥»
وكان السبب الذى دعانى إلى تأليفه، وندبنى إلى تصنيفه، ما رأيته من رغبة أبى الفضل العباس بن سليمان- أطال الله مدّته، وأدام نعمته! - فى الأدب «٦»، وإنفاق عمره في الطلب وماله في الكتب؛ وأن اجتهاده في ذلك حمله على أن ارتحل إلى المشرق بسببها، وأغمض في طلبها «٧»، باذلا في ذلك ماله، مستعذبا فيه تعبه، إلى أن أورد من كلام بلغاء عصره، وفصحاء دهره، طرائف طريفة، وغرائب غريبة، وسألنى أن أجمع له من مختارها كتابا يكتفى به عن جملتها، وأضيف إلى ذلك من كلام المتقدّمين ما قار به وقارنه، وشابهه وماثله؛ فسارعت إلى مراده، وأعنته على اجتهاده، وألّفت له هذا الكتاب، ليستغنى به عن جميع كتب الآداب؛ إذ كان موشّحا من بدائع البديع «٨»، ولآلىء الميكالى، وشهىّ الخوارزمى، وغرائب الصاحب، ونفيس قابوس، وشذور أبى منصور «٩» بكلام يمتزج بأجزاء النفس لطافة، وبالهواء رقة، وبالماء عذوبة.
[ ١ / ٣٥ ]
وليس لى في تأليفه من الافتخار، أكثر من حسن الاختيار؛ واختيار المرء قطعة من عقله، تدلّ على تخلّفه أو فضله؛ ولا شكّ- إن شاء الله- فى استجادة ما استجدت، واستحسان ما أوردت؛ إذ كان معلوما أنه ما انجذبت نفس، ولا اجتمع حسّ، ولا مال سر، ولا جال فكر، فى أفضل من معنى لطيف، ظهر فى لفظ شريف؛ فكساه من حسن الموقع، قبولا لا يدفع، وأبرزه يختال من صفاء السبك [ونقاء السّلك] وصحة الدّيباجة، وكثرة المائية، فى أجمل حلة، وأجلى حلية:
يستنبط الروح اللطيف نسيمه أرجا، ويؤكل بالضمير ويشرب «١»
وقد رغبت في التجافى عن المشهور، فى جميع المذكور، من الأسلوب الذى ذهبت إليه، والنحو الذى عوّلت عليه؛ لأن أوّل ما يقرع الآذان، أدعى إلى الاستحسان، مما مجّته «٢» النفوس لطول تكراره، ولفظته «٣» العقول لكثرة استمراره؛ فوجدت ذلك يتعذّر ولا يتيسر، ويمتنع ولا يتّسع «٤»؛ ويوجب ترك ما ندر إذا اشتهر؛ وهذا يوجب في التصنيف دخلا «٥»، ويكسب التأليف خللا؛ فلم أعرض إلّا عما أهانه الاستعمال، وأذاله الابتذال «٦»؛ والمعنى إذا استدعى القلوب إلى حفظه، ما ظهر من مستحسن لفظه؛ من بارع عبارة «٧»، وناصع استعارة، وعذوبة مورد، وسهوله مقصد، وحسن تفصيل، وإصابة تمثيل؛ وتطابق أنحاء، وتجانس أجزاء، وتمكّن ترتيب، ولطافة تهذيب، مع صحّة طبع وجودة إيضاح، يثقفه تثقيف القداح، ويصوره أفضل تصوير، ويقدّره أكمل تقدير؛ فهو مشرق
[ ١ / ٣٦ ]
فى جوانب السمع، لا يخلقه عوده على المستعيد «١»:
وهو المشيّع بالمسامع إن مضى وهو المضاعف حسنه إن كرّرا
وإن كنت قد استدركت على كثير ممن سبقنى إلى مثل ما جريت إليه، واقتصرت في هذا الكتاب عليه، لملح أوردتها كنوافث السحر «٢»؛ وفقر نظمتها كالغنى بعد الفقر، من ألفاظ أهل العصر، فى محلول النثر، ومعقود الشعر؛ وفيهم من أدركته بعمرى، أو لحقه أهل دهرى؛ ولهم من لطائف الابتداع، وتوليدات الاختراع، أبكار لم تفترعها الأسماع «٣»، يصبو إليها القلب والطّرف، ويقطر منها ماء الملاحة والظّرف، وتمتزج بأجزاء النفس، وتسترجع نافر الأنس، تخلّلت تضاعيفه، ووشّحت تأليفه، وطرّزت ديباجه، ورصّعت تاجه، ونظمت عقوده، ورقمت بروده؛ فنورها يرفّ، ونورها يشفّ، فى روض من الكلم مونق، ورونق من الحكم مشرق:
صفا ونفى عنه القذى فكانه إذا ما استشفّته العيون مصعّد «٤»
فهو كما قلت:
بديع نثر رقّ حتّى غدا يجرى مع الرّوح كما تجرى
من مذهب الوشى على وجهه ديباجة ليست من الشعر «٥»
كزهرة الدنيا وقد أقبلت ترود في رونقها النّضر «٦»
أو كالنسيم الغض غبّ الحيا يختال في أردية الفجر «٧»
ولعل في كثير مما تركت، ما هو أجود من قليل مما أدركت؛ إذ كان اقتصارا من كلّ على بعض، ومن فيض على برض «٨»؛ ولكنى اجتهدت في اختيار
[ ١ / ٣٧ ]
ما وجدت؛ وقد تدخل اللفظة في شفاعة اللفظات، ويمرّ البيت في خلال الأبيات، وتعرض الحكاية في عرض الحكايات، يتمّ بها المعنى المراد، وليست مما يستجاد، ويبعث عليها فرط الضرورة إليها [فى إصلاح خلل]؛ فمهما تره من ذلك في هذا الاختيار، فلا تعرض عنه بطرف الإنكار؛ وما أقلّ ذلك في جميع المسالك الجارية فى هذا الكتاب، الموسوم ب «زهر الآداب، وثمر الألباب» لكنى أردت أن أشارك من يخرج من ضيق الاغترار، إلى فسحة الاعتذار:
ويسىء بالإحسان ظنّا، لا كمن يأتيك وهو بشعره مفتون «١»
والله المؤيد والمسدّد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.