وقال على ﵁:
لمن راية سوداء يخفق ظلّها إذا قيل قدّمها حضين تقدّما
فيموردها في الصّف حتى تردها حياض المنايا تقطر الموت والدّما
جزى الله قوما قاتلوا في لقائهم لدى الروع قوما ما أعزوأ كرما
وأطيب أخبارا وأفضل شيمة إذا كان أصوات الرجال تغمغما «٢»
حضين الذى ذكره هو: أبو ساسان الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشى وكان صاحب رايته يوم صفّين.
ويروى عنه أنه قال بعد وفاة فاطمة ﵂:
أرى علل الدنيا علىّ كثيرة وصاحبها حتى الممات عليل
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة وإنّ الذى دون الممات قليل
وإنّ افتقادى فاطما بعد أحمد دليل على ألا يدوم خليل
[ ١ / ٨٢ ]
ولما قتل عمرو بن عبد ودّ سقط فانكشفت عورته «١»، فتنحّى عنه وقال:
آلى ابن عبد- حين شدّ- أليّة وحلفت فاستمعوا من الكذّاب «٢»
ألّا بفرّ ولا يملل فالتقى أسدان يضطربان كلّ ضراب «٣»
اليوم يمنعنى الفرار حفيظتى ومصمّم في الرّأس ليس بناب «٤»
أعرضت حين رأيته متقطّرا كالجذع بين دكادك وروابى «٥»
وعففت عن أثوابه ولو اننى كنت المقطّر بزّنى أثوابى «٦»
نصر الحجارة من سفاهة رأيه ونصرت دين محمد بصواب «٧»
لا تحسبنّ الله خاذل دينه ونبيه يا معشر الأحزاب
فى أبيات غير هذه، وبعض الرواة ينفيها عن على ﵁.
وعمرو هذا هو: ابن عبدودّ بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، وكان قد جزع المذاد، وهو موضع حفر فيه الخندق يوم الأحزاب، وفي ذلك يقول الشاعر:
عمرو بن ودّ كان أول فارس جزع المذاد وكان فارس يليل «٨»
ولما صار مع المسلمين في الخندق دعا [إلى] البراز، وقال:
ولقد بجحت من الندا ء بجمعهم هل من مبارز «٩»
ووقفت إذ نكل الشجا ع بموقف البطل المناجز «١٠»
[ ١ / ٨٣ ]
إنى كذلك لم أزل متسرّعا نحو الهزاهز «١»
إنّ السماحة والشجا عة في الفتى خير الغرائز «٢»
فبرز على بن أبى طالب ﵁، فقال: يا عمرو! إنك عاهدت الله لقريش ألّا يدعوك أحد إلى خلّتين إلا أخذت إحداهما، فقال: أجل! قال:
فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لى بذلك، قال:
فإنى أدعوك إلى المبارزة، فقال: يا ابن أخى ما أحبّ أن أقتلك! قال على:
لكنى والله أحبّ أن أقتلك، فحمى عمرو، فاقتحم عن فرسه وعرقبه «٣» ثم أقبل إلى على:
فتجاولا كغمامتين تكنّفت متنيهما ريحا صبا وشمال «٤»
فى موقف كادت نفوس كماته تبتز قبل تورّد الآجال «٥»
وعلت بينهما غبرة سترتهما فلم يرع المسلمين إلا التكبير؛ فعلموا أن عليّا قتله.
ولما قتل عمرو جاءت أخته فقالت: من قتله؟ فقيل: على بن أبى طالب، فقالت: كفء كريم! ثم انصرفت وهي تقول:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله لكنت أبكى عليه آخر الأبد
لكنّ قاتله من لا يعاب به وكان يدعى قديما بيضة البلد
من هاشم في ذراها وهي صاعدة إلى السماء تميت الناس بالحسد
قوم أبى الله إلا أن يكون لهم مكارم الدّين والدّنيا بلا أمد
يا أم كلثوم بكّيه ولا تدعى بكاء معولة حرّى على ولد
أم كلثوم: بنت عمرو بن عبدودّ. و«بيضة البلد» تمدح به العرب
[ ١ / ٨٤ ]
وتذمّ؛ فمن مدح به جعله أصلا، كما أن البيضة أصل الطائر. ومن ذم به أراد أن لا أصل له. قال الراعى يهجو عدىّ بن الرقاع العاملى «١»:
يا من توعّدنى جهلا بكثرته متى تهددنى بالعزّ والعدد
أنت امرؤ نال من عرضى وعزته كعزة العير يرعى تلعة الأسد «٢»
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم يابن الرّفاع ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة أن ترضى لكم نسبا وابنا نزار؛ فأنتم بيضة البلد
وقال أبو عبيدة: عاملة بن عدى بن الحارث بن مرة بن أد [بن زياد] ابن يشجب، يطعن في نسبه من قحطان، ويقال: هو عاملة بن معاوية بن قاسط ابن أهيب؛ فلذلك قال الراعى هذا. ويقال: إن جندل بن الراعى قالها وقد قال يحيى بن أبى حفصة الأموى في عاملة:
ولسنا نبالى نأى عاملة التى أجدّبها من نحو بصرى انحدارها
تدافعها الأحياء حتى كأنها ثياب بدا للمشترين عوارها
قذفنا بها لمّا نأت قذف حاذف بسود حصى خفّت عليه صغارها
ويشبه قول على ﵁ «وعففت عن أثوابه» قول عنترة بن شداد العبسى:
هلّا سألت الخيل يابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمى
يخبرك من شهد الوقيعة أننى أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم
وقال حبيب بن أوس الطائى:
إنّ الأسود أسود الغاب همّتها يوم الكريهة في المسلوب لا السلب «٣»
[ ١ / ٨٥ ]
والمجد يندب بهجته، ومهابط الوحى والرسالة تحنى ظهورها أسفا، ومآقى الإمامة والوصية والرسالة تذرى دموعها لهفا؛ وذلك أن حادث قضاء الله استأثر بفرع النبوة، وعنصر الدين والمروءة.