ويتعلق بهذا الباب قول البحترى يصف بركة الجعفرى «٥» وهو قصر ابتناه المتوكل في سرّ من رأى:
[ ١ / ٢٢٩ ]
يا من رأى البركة الحسنا ورونقها والآنسات إذا لاحت مغانيها «١»
ما بال دجلة كالغيرى تنافسها فى الحسن طورا وأطوارا تباهيها!
إذا علتها الصّبا أبدت لها حبكا مثل الجواشن مصقولا حواشيها «٢»
فحاجب الشمس أحيانا يغازلها وريّق الغيث أحيانا يباكيها «٣»
إذا النجوم تراءت في جوانبها ليلا حسبت سماء زكّبت فيها
كأنما الفضّة البيضاء سائلة من السّبائك تجرى في مجاريها
تنصبّ فيها وفود الماء معجلة كالخيل خارجة من حبل مجريها «٤»
كأنّ جنّ سليمان الّذين ولوا إبداعها فأدقّوا في معانيها
فلو تمرّ بها بلقيس عن عرض قالت: هى الصّرح تمثيلا وتشبيها «٥»
[لا يبلغ السمك المقصور غايتها لبعد ما بين قاصيها ودانيها]
يعمن فيها بأوساط مجنّحة كالطّير تنشر في جوّ خوافيها
ولم ينفق أحد من خلفاء بنى العباس في البناء ما أنفقه المتوكل؛ وذلك أنه أنفق في أبنيته ثلاثمائة ألف ألف، وفي أبنيته يقول على بن الجهم «٦»:
[ ١ / ٢٣٠ ]
وما زلت أسمع أنّ الملوك تبنى على قدر أخطارها
وأعلم أنّ عقول الرجا ل يقضى عليها بآثارها
صحون تسافر فيها العيون فتحسر من بعد أقطارها «١»
وقبّة ملك كأنّ النجو م تفضى إليها بأسرارها
إذا أوقدت نارها بالعراق أضاء الحجاز سنا نارها
لها شرفات كأنّ الربيع كساها الرّياض بأنوارها
فهنّ كمصطحبات خرجن لفصح النّصارى وإفطارها «٢»
نظمن القسىّ كنظم الحلى بعون النساء وأبكارها «٣»
فمن بين عاقصة شعرها ومصلحة عقد زنّارها «٤»
وللبحترى فيها شعر كثير منه:
أرى المتوكليّة قد تعالت مصانعها وأكملت التماما «٥»
قصور كالكواكب لا معات يكدن يضئن للسارى الظّلاما
وروض مثل برد الوشى فيه جنى الحوذان ينشر والخزامى «٦»
غرائب من فنون النّور فيها جنى الزهر الفرادى والتّؤاما
تضاحكها الضحى طورا وطورا عليه الغيم ينسجم انسجاما «٧»
ولو لم يستهلّ لها غمام بريّقه لكنت لها غماما «٨»
وقال أيضا:
قد تمّ حسن الجعفرىّ ولم يكن ليتمّ إلّا للخليفة جعفر
[ ١ / ٢٣١ ]
ملك تبوّأ خير دار أنشئت [فى خير مبدى للأنام ومحضر]
[فى رأس مشرفة حصاها لؤلؤ] وترابها مسك يشاب بعنبر «١»
مخضرّة والغيث ليس بساكب ومضيئة والليل ليس بمقمر
رفعت بمنحرق الرياح، وجاورت ظلّ الغمام الصيّب المستعبر «٢»
وبعده:
ورفعت بنبانا كأن زهاءه أعلام رضوى أو شواهق ضيبر «٣»
عال على لحظ العيون ن كأنما ينظرن منه إلى بياض المشترى «٤»
ملأت جوانبه الفضاء، وعانقت شرفاته قطع السحاب الممطر
وتسيل دجلة تحته ففناؤه من لجة فرشت وروض أخضر
شجر تلاعبه الرياح فتنثنى أعطافه في سائح متفجّر
أخذ أبو بكر الصنبورى «٥» قول البحترى في صفة البركة فقال يصف موضعا:
سقى حلبا سافك دمعه بطىء الرّقوء إذا ما سفك «٦»
ميادينه بسطهنّ الرياض وساحاته بينهن البرك
ترى الريح تنسج من مائه دروعا مضاعفة أو شبك
كأن الزجاج عليها أذيب وماء اللّجين بها قد سبك
هى الجوّ من رقّة غير أنّ مكان الطيور يطير السّمك
وقد نظم الزهر نظم النجوم فمفترق النّظم أو مشتبك
[ ١ / ٢٣٢ ]
كما درّج الماء مرّ الصّبا ودبّج وجه السماء الحبك
يباهين أعلام قمص القيان ونقش عصائبها والتّكك
وأخذ قوله:
إذا النّجوم تراءت في جوانبها
فقال:
ولما تعالى البدر وامتدّ ضوءه بدجلة في تشرين في الطّول والعرض
وقد قابل الماء المفضض نوره وبعض نجوم الليل يقفو سنا بعض «١»
توهّم ذو العين البصيرة أنه يرى باطن الأفلاك من ظاهر الأرض
ولأهل العصر في هذا النّحو كلام كثير:
قال الأمير أبو الفضل الميكالى، يصف بركة وقع عليها شعاع الشمس فألقته على مهو مطلّ «٢» عليها يقول:
أما ترى البركة الغراء قد لبست نورا من الشمس في حافاتها سطعا
والمهو من فوقها يلهيك منظره كأنه ملك في دسته ارتفعا
والماء من تحته ألقى الشعاع على أعلى سماواته فارتجّ ملتمعا
كأنه السيف مصقولا تقلّبه كفّ الكمىّ إلى ضرب الكميّ سمى «٣»
وقال على بن محمد الإيادى يمدح المعزّ ويصف دار البحر بالمنصورية «٤»:
ولما استطال المجد واستولت البنى على النّجم واشتدّ الرواق المروّق «٥»
بنى قبة للملك في وسط جنّة لها منظر يزهى به الطّرف مونق
بمعشوقة الساحات، أمّا عراصها فخضر، وأمّا طيرها فهى نطّق
«٦»
[ ١ / ٢٣٣ ]
تحفّ بقصر ذى قصور كأنما ترى البحر في أرجائه وهو متأق «١»
له بركة للماء ملء فضائه تخبّ بقصريها العيون وتعنق «٢»
لها جدول ينصبّ فيها كأنه حسام جلاه القين بالأرض ملصق «٣»
لها مجلس قد قام في وسط مائها كما قام في فيض الفرات الخورنق «٤»
كأنّ صفاء الماء فيها وحسنه زجاج صفت أرجاؤه فهو أزرق
إذا بثّ فيها الليل أشخاص نجمه رأيت وجوه الزنج بالنار تحرق
وإن صافحتها الشمس لاحت كأنها فرند على تاج المعزّ ورونق
كأن شرافات المقاصر حولها عذارى عليهنّ الملاء الممنطق
يذوب الجفاء الجعد عن وجه مائها كما ذاب آل الصّحصحان المرقرق «٥»
وقال عبد الكريم بن إبراهيم:
يا ربّ فتيان صدق رحت بينهم والشمس كالدّنف المعشوق في الأفق
مرضى أصائلها حسرى شمائلها تروّح الغصن الممطور في الورق
معاطيا شمس إبريق إذا مزجت تقلّدت عقد مرجان من النّزق
عن ماحل طافح بالماء معتلج كأنما نفسه صيغت من الحدق
تضمّه الرّيح أحيانا، وتفرقه فالماء ما بين محبوس ومنطلق
من أخضر ناضر والطّلّ يلحقه وأبيض تحت قيظىّ الضحى يقق «٦»
تهزّه الريح أحيانا فيمنحها للزّجر خفق فؤاد العاشق القلق
كأنّ خافاته نطّقن من زبد مناطقا رصّعت من لؤلؤ نسق
[ ١ / ٢٣٤ ]
كأن قبّته من سندس نمط حسناء مجلوّة اللبّات والعنق
إذا تبلّج فجر فوق زرقته حسبته فرسا دهماء في بلق «١»
أو لازوردا جرى في متنه ذهب فلاح في شارق من مائه شرق
عشية كملت حسنا وساعدها ليل يمدّد أطنابا على الأفق
تجلى بغرّة وضّاح الجبين له ما شئت من كرم واف ومن خلق