قال الجاحظ: الكتاب وعاء ملىء علما، وظرف حشى ظرفا، وبستان يحمل في ردن «١»، وروضة تقلّب في حجر، ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحياء.
وقال: من صنّف كتابا فقد استهدف «٢»؛ فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد استقذف «٣» .
وقال: لا أعلم جارا أبرّ، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلّما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية، وأقلّ جناية، ولا أقلّ إملالا وإبراما، ولا أقلّ خلافا وإجراما، ولا أقلّ غيبة، ولا أبعد من عضيهة»
ولا أكثر أعجوبة وتصرّفا، ولا أقل صلفا وتكلّفا، ولا أبعد من مراء، ولا أترك لشغب، ولا أزهد فى جدال، ولا أكفّ عن قتال، من كتاب. ولا أعلم قرينا أحسن مواتاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أحضر معونة، ولا أقلّ مئونة، ولا شجرة أطول عمرا، ولا أجمع أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتنى، ولا أسرع إدراكا فى كل أوان، ولا أوجد في غير إبّان، من كتاب. ولا أعلم نتاجا في حداثة سنّه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان وجوده، يجمع من التدابير الحسنة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب.
[ ١ / ١٨٣ ]
ودخل الرشيد على المأمون وهو ينظر في كتاب، فقال: ما هذا؟ فقال:
كتاب يشحذ الفكرة، ويحسن العشرة. فقال: الحمد لله الذى رزقنى من يرى بعين قلبه أكثر مما يرى بعين جسمه.
وقيل لبعض العلماء: ما بلغ من سرورك بأدبك وكتبك؟ فقال: هى إن خلوت لذّتى، وإن اهتممت سلوتى، وإن قلت: إنّ زهر البستان، ونور الجنان، يجلوان الأبصار، ويمتعان بحسنهما الألحاظ؛ فإن بستان الكتب يجلو العقل، ويشحذ الذّهن، ويحيى القلب، ويقوّى القريحة، ويعين الطبيعة، ويبعث نتائج العقول، ويستثيرد فائن القلوب، ويمتع في الخلوة، ويؤنس في الوحشة، ويضحك بنوادره، ويسرّ بغرائبه، ويفيد ولا يستفيد، ويعطى ولا يأخذ، وتصل لذّته إلى القلب، من غير سآمة تدركك، ولا مشقة تعرض لك.
وقال أبو الطيب المتنبى:
وللسّرّ منّى موضع لا يناله نديم، ولا يفضى إليه شراب
وللخود منى ساعة، ثم بيننا فلاة إلى غير اللقاء تجاب «١»
وما العشق إلّا غرّة وطماعة يعرّض قلب نفسه فيصاب
وغير فؤادى للغوانى رميّة وغير بنانى للرّخاخ ركاب «٢»
تركنا لأطراف القنا كلّ لذّة فليس لنا إلّا بهنّ لعاب «٣»
نصرّفه للطّعن فوق سوابح قد انقصفت فيهنّ منه كعاب «٤»
أعزّ مكان في الدّنا سرج سابح وخير جليس في الزّمان كتاب
[ ١ / ١٨٤ ]