الصوت مصدر صات الشيء يصوت صوتًا فهو صائت وصوت تصويتا فهو مصوت.
وهو عام ولا يختص. يقال: صوت الإنسان. وصوت الحمار. وفي الكتاب الكريم: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ١ وقال الراجز:
كأنما أصواتها في الوادي أصوات حج من عمان غاد٢
وقال جرير بن عطية:
لما تذكرت بالديرين أرقني صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
_________________
(١) ١ سورة لقمان الآية ١٩. ٢ حج جمع حاج.
[ ١٥ ]
والصوت مذكر لأنه مصدر كالضرب والقتل وقد ورد مؤنثًا على ضرب من التأول.
قال رويشد بن كثير الطائي:
يا أيها الراكب المهدي مطيته بلغ بني أسد ما هذه الصوت
فأراد الاستغاثة. كما حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه سمع بعض العرب يقول وذكر إنسانا: فقال فلان لغوب١ جاءته كتابي فاحتقرها فقال له: أتقول جاءته كتابي! قال: نعم أليست بصحيفة؟
وفي كتاب سيبويه:
إذا بعض السنين تعرقتنا كفى الأيتام فقد أبى اليتيم٢
لأن بعض السنين سنة. ويقال: رجل صات أي شديد الصوت. كما يقال: رجل نال أي كثير النوال. وقولهم: لفلان صيت إذا انتشر ذكره من لفظ الصوت إلا أن واوه انقلبت ياءًا لسكونها وانكسار ما قبلها. كما قالوا: قيل من القول.
والصوت معقول لأنه يدرك ولا خلاف بين العقلاء في وجود ما يدرك. وهو عرض ليس بجسم ولا صفة لجسم. والدليل على أنه ليس بجسم أنه مدرك بحاسة السمع والأجسام متماثلة والإدراك إنما يتعلق بأخص صفات الذوات. فلو كان جسما لكانت الأجسام جميعها مدركة بحاسة السمع وفي علمنا ببطلان ذلك دليل على أن الصوت ليس بجسم. وهذه الجملة تحتاج إلى أن نبين أن الأجسام متماثلة وأن الإدراك إنما يتعلق بأخص صفات الذوات لأن كون الصوت مدركا بالسمع
_________________
(١) ١ اللغوب واللغب الضعيف الأحمق. ٢ البيت لجرير في مدح هشام بن عبد الملك وقوله تعرقتنا بمعنى أذهبت أموالنا من تعرقت العظم إذا أذهبت ما عليه من اللحم.
[ ١٦ ]
والأجسام غير مدركة بالسمع مما لا يمكن دخول شبهة فيه ولا منازعة. والذي يدل على تماثل الأجسام: أنا ندرك الجسمين المتفقى اللون فيلتبس أحدهما علينا بالآخر لأن من أدركهما ثم أعرض عنهما وأدركهما من بعد يجوز أن يكون كل واحد منهما هو الآخر بأن نقل إلى موضعه ولم يلتبسا على الإدراك إلا لآشتراكهما في صفة تناولها الأدراك وقد بينا أن الإدراك إنما يتناول أخص صفات الذات وهو ما يرجع إليها وسندل على ذلك. وإذا كان الجسمان مشتركين فيما يرجع إلى ذاتيهما فهما متماثلان لأن هذا هو المستفاد بالتماثل.
فإن قيل: دلوا على أنهما لم يلتبسا إلا للاشتراك في صفة ثم بينوا أن تلك الصفة مما يتناوله الآدراك. قلنا: الوجوه التي يقع فيها الالتباس معقولة وهي المجاورة أو الحلول. كالتباس خضاب اللحية بالشعر من حيث المجاورة. وكما التبس على من ظن أن السواد الحال في الجسم صفة له من حيث الحلول. وكذلك من اعتقد أن صفة المحل للحال. حتى ذهب إلى أن للسواد حيزًا وكلا الأمرين منتف في التباس الجسمين لأنه لا حلول بينهما ولا مجاورة بل يقع الالتباس مع العلم بتغايرهما. فدل ذلك على ما ذكرناه.
فأما الدليل على أن الصفة التي اقتضت الالتباس مما يتناوله الإدراك فهو أن الأمر لو كان بخلاف ذلك لما التبسا على الإدراك وفي التباسهما عليه دلالة على تعلق الإدراك بما التبسا لأجله ولأن المشاركة فيما لا يتعلق الإدراك به لا يقتضى الاشتباه على المدرك. ألا ترى أن السواد لا يشبه البياض ويلتبس به عند المدرك وأن اشتركا في الوجود من حيث كان الإدراك لا يتعلق بالوجود.
وليس لأحد أن يقول: إذا أستدللتم على أن الأجسام متماثلة بالتباسها على الإدراك فقولوا: إن الأجسام التي لا تلتبس كالأبيض والأسود غير
[ ١٧ ]
متماثلة لفقد الالتباس. وذلك أن هذا مطالبة بالعكس في الأدلة وليس ذلك بمعتبر. وإثبات المدلول مع ارتفاع الدليل جائز غير ممتنع لأن الدليل غير موجب للمدلول وإنما هو كاشف عنه لكن المنكر ثبوت الدليل وارتفاع المدلول. على أن الالتباس في الجسمين المذكورين حاصل أيضًا لأن المدرك لهما ربما يجوز أن يكون أحدهما الآخر وإنما تغير لونه.
أما الدليل على أن الإدراك يتعلق بأخص صفات الذوات وأن كلامنا كله متعلق به فهو أنه لا يخلو من أن يكون يتعلق بالصفة الراجعة إلى الفاعل أو الراجعة إلى العلة أو الراجعة إلى الذات. والذي يرجع إلى الفاعل من الصفات هو الوجود. ولو تناوله الإدراك لم يخل من أن يتعداه إلى ما يرجع إلى الذات أو لا يتعداه فإن لم يتعد وجب ألا يحصل الفصل بين المختلفين بالإدراك لاشتراكهما في الوجود الذي لم يتناول الإدراك غيره. وإن تعداه إلى الصفة العائدة إلى الذات فيجب أن يفصل بين المختلفين بالإدراك من حيث افترقا في الصفة التي يتعلق بها وأن يلتبس أحدهما بالآخر من حيث اشتركا في الوجود الذي تعلق الإدراك به أيضًا وذلك محال فأما ما يرجع إلى العلل من صفات الجسم والذي يمكن أن يدخل شبهة في تناول الإدراك له كونه كائنا في جهة. والذي يوضح أن الإدراك لا يتناول ذلك أنه لو تناوله لفصل بالإدراك بين كل صفتين ضدين منه وذلك غير مستمر. وأحدنا لو أدرك جوهرًا في بعض الجهات ثم أعرض عنه جوز أن يكون انتقل إلى أقرب الأماكن إليه والتبس عليه الأمر فيه. ولا يلتبس أمره لو اسود بعد بياض، فبان أن الإدراك لا يتناول إلا أخص صفات الذوات، دون صفات العلل وما بالفاعل.
ويمكن الدلالة على أن الصوت ليس بجسم إذا ثبت أن الأجسام متماثلة من وجه آخر وذلك أنا ندرك الأصوات مختلفة. فالراء مخالفة للزاي. وكذلك سائر الحروف المختلفة فإذا كانت الأجسام متماثلة والأصوات
[ ١٨ ]
تدرك مختلفة فليست بأجسام. وإذا كنا دللنا على أن الصوت ليس بجسم فالذي يدل على أنه ليس بصفة لجسم بل هو ذات مخالفة له أن الصوت لو كان صفة لم يخل من أن يكون صفة ذاتية أو غير ذاتية. ولا يجوز أن يكون صفة ذاتية لتجدده وأن دوامه غير واجب. ولا يجوز أن يكون صفة غير ذاتية لما بيناه من أن الأدراك لا يتناول إلا الصفات الذاتية والصوت مدرك بلا خلاف. ومع الدلالة على أن الأصوات أعراض ففيها المتماثل والمختلف وقد ذهب أبو هاشم عبد السلام بن محمد الجبائي: إلى أن المختلف منها متضاد. وتوقف علم الهدى المرتضى١ نضر الله وجهه عن القطع على ذلك. فأما أبو هاشم فإنه اعتمد في تضادها على طريقين أحدهما: أن حمل الصوت على اللون من حيث كان إدراك كل واحد منهما مقصورًا على حاسة واحدة فلما قطع على تضاد المختلف من الألوان قال بمثل ذلك في الأصوات. والطريق الثاني: أن الصوت مدرك فهو هيئة للمحل إذا أوجب مختلفة هيئتين استحال اجتماعهما للمحل في حالة واحدة كما يستحيل ذلك في الألوان. وليس بعد امتناع اجتماعهما في المحل الواحد في الوقت الواحد إلا التضاد.
ولقائل أن يقول على ما ذكره أولا: ما أنكرت من أن تكون الأصوات والألوان وإن اتفقت في إدراك كل واحد منهما بحاسة واحدة تختلف فيكون المختلف من الألوان متضادًا دون الأصوات ولا يوجب الاتفاق في قصر الإدراك على حاسة واحدة التساوي في جميع الأحكام. كما أنها وإن اتفقت عندك في ذلك فلم تتفق في أن الأصوات تبقى كما أن الألوان تبقى ولا في أن الأصوات يضادها ما يحدث بعدها كما كان ذلك في الألوان. وإذا جاز مع التساوي فيما ذكرته من قصر الإدراك على حاسة واحدة. الاختلاف في أحكام كثيرة فأحر أن يكون المختلف من
_________________
(١) ١ هو الشريف أبو القاسم على بن الظاهر ابن أحمد الحسين المتوفى سنة ٤٣٦هـ.
[ ١٩ ]
الأصوات غير متضاد وإن كان المختلف من الألوان متضادًا.
ويقال له فيما ذكره ثانيًا: إن الصوتين المختلفين ليس محلهما واحدًا فيقطع على تضادهما لامتناع اجتماعهما فيه في ذلك الوقت الواحد. بل محال الحروف المتغايرة متغايرة وإذا كان المحلان مختلفين فلا سبيل إلى القطع على التضاد بإستحالة اجتماعهما في المحل. لأن كل واحد من الصوتين المختلفين لا يصح أن يحل محل الآخر.
وقد أشار القاضي أبو الحسن١ عبد الجبار بن أحمد الهمذاني ﵀: إلى أن الأصوات غير متضادة لأنها غير باقية والمنافاة إنما تصح في المتضاد الباقي. كأنه أراد أن عدم أحد الضدين إذا كان واجبا لأنه مما لا يبقى فليس لوجود ضده حكم يخالف عدمه.
فأما الكلام في تماثلها واختلافها فالدلالة على ذلك ما قدمناه من الإدراك لها. وبيانه في الحروف فأن الراء تدرك ملتبسة بالراء ومخالفة للزاي وقد بينا أن الإدراك يتناول أخص صفات الذات ولا يجوز وجود الصوت إلا في محل أما من أثبت حاجة جميع الأعراض إلى المحال من حيث كان عرضا وأما من أجاز وجود بعض الأعراض في غير محل بدلالة أنه يتولد عن اعتماد الجسم ومصاكته لغيره ولأنه يختلف باختلاف حال محله فيتولد من الصوت في الطست خلاف ما يتولد في الحجر فيقول قد ثبت وجود بعض الأصوات في غير محل فإذا ثبت ذلك في بعضه ثبت في جميعه لأن الأصوات متفقة في أنها لا توجب حالا لمحل ولا جملة ٢.
_________________
(١) ١ هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني – أبو الحسين قاض أصولي لقب بقاضي القضاة وكان شيخ المعتزلة في عصره ولي القضاة بالري ومات فيها له تصانيف كثيرة منها: الأمالي والمجموع في المحيط وشرح الأصول الخمسة والمغني في أبواب التوحيد والعدل وتثبيت دلائل النبوة وتشابه القرآن توفي بالري عام ١٠٢٥ ميلادية. ٢ في هذه العبارة تحريف لأن معناها غير ظاهر.
[ ٢٠ ]
وقد ذهب أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي١: إلى أن جنس الصوت يحتاج مع المحل إلى هيئة وحركة. وقال أبو هاشم أخيرًا: أنه لا يحتاج إلا إلى المحل. وعلى هذا القول أكثر أصحابه. وله نصر الشريف المرتضى ﵁. واستدلوا على نفي حاجته إلى غير المحل بأنه مما لا يوجب حالًا لغيره فجرى مجرى اللون في أنه لا يحتاج إلى سوى محله. وقالوا: أن الصوت من فعلنا إنما احتاج إلى الحركة لأنها كالسبب فيه من حيث كنا لا نفعله إلا متولدًا عن الاعتماد على وجه المصاكة والاعتماد يولد الحركة فلهذا جرى مجرى السبب. فليس يمتنع أن يفعل الله تعالى الصوت مبتدأ من غير حركة كما يفعله غير متولد عن الاعتماد وكما يفعل ما وقع منا بآلة من غير آلة. وجعلوا هذا هو العلة في انقطاع طنين الطست بتسكينه. وأجازوا وجود القليل من الصوت مع السكون عند تناهيه وانقطاعه ومنعوا من وجوده من فعلنا مع السكون من فعلنا حالا بعد حال٢ لما ذكرناه.
والأصوات تدرك بحاسة السمع في محالها ولا تحتاج إلى انتقال محالها وانتقالها وكونها أعراضا منع من انتقالها. وقد استدل على ذلك بأنها لو انتقلت لجاز أن تنتقل إلى بعض الحاضرين دون بعض حتى يكون مع التساوي في القرب والسلامة يسمع الصوت بعضهم دون بعض وأن يجوز إختلاف انتقال الحروف حتى يدرك الكلام مختلفا. واستدل على ذلك أيضًا بأنه: لو احتيج في إدراك الأصوات إلى انتقال المحال لما وقع الفرق مع السلامة بين جهة الصوت والكلام مكانهما كما أنه لا يعرف في أي جهة
_________________
(١) ١ هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجنائي أبو علي ولد عام ٢٣٥هـ وهو من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره وإليه نسبة الطائفة الجبائية له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب نسبته إلى جبن بجبي له تفسير حافل مطول رد عليه الأشعري. توفي عام ٣٠٣هـ. ٢ في هذه العبارة ارتباك ظاهر وهنا كما ورد في الأصل.
[ ٢١ ]
انتقل إلى محل ما يلاقيها من الأجسام التي يدرك منها الحرارة والبرودة. وقد سئل على هذا المذهب عن العلة في مشاهدة القصار من بعد يضرب الثوب على الحجر ثم يسمع الصوت بعد مهلة فيسبق النظر السمع. وأجيب عن ذلك: بأن الصوت يتولد في الهواء والبعد المخصوص مانع من إدراكه فإذا تولد فيما يقرب أدرك في محله وإن ما يتصل بحاسة السمع والذي يدرك بعد مهلة هو غير الصوت الذي تولد عن الصكة الأولى لأن ذلك إنما لا يدرك لبعده. قيل: فكذلك يدرك الصوت في جهة الريح أقوى لأنه يتولد فيها حالا بعد حال فيكون إلى إدراكه أقرب. وإذا كانت الريح في خلاف جهة الصوت ضعف إدراكه وربما لم يدرك لأنه يتولد فيما يبعد عنه البعد المانع من إدراكه. ولا يجوز البقاء على الأصوات أما من أثبت البقاء معنى كالبغداديين من المعتزلة فإنه يمنع من بقاء جميع الأعراض لأن البقاء الذي هو عرض عنده لا يصح أن يحل العرض. وأما من لم يثبت البقاء معنى - وهو الصحيح - ويجوز على بعض الأعراض البقاء ويقطع على بعض فإنه يعتل في المنع من بقاء الأصوات بأنها لو بقيت لاستمر إدراكنا لها مع السلامة وارتفاع الموانع ومعلوم خلاف ذلك. ولو كان الصوت مدركا على الاستمرار لم يقع عنده فهم الخطاب لأن الكلمة كانت حروفها تدرك مجتمعة فلا يكون زيد أولى من يزد أو غير ذلك مما ينتظم من حروف زيد. ولو كان الكلام أيضًا باقيا لكان لا ينتفي إلا بفساد محله لأنه لا ضد له من غير نوعه. ولا تقع الأصوات من فعل العباد إلا متولدة. ويدلك على ذلك أيضا تعذر إيجادها عليهم إلا بتوسط الاعتماد والمصاكة ولأنها تقع بحسب ذلك فيجب أن تكون مما لا يقع إلا متولدًا كالآلام.
والصوت يخرج مستطيلا ساذجا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده فيسمى المقطع أينما عرض له حرفا. وسنبين ذلك.
[ ٢٢ ]