كتب أحمد بن يوسف إلى المأمون مع شيء أهداه إليه: [الطويل]
على العبدِ حقٌ فهو لا بدَّ فاعلُ وإنْ عظُمَ الموْلَى وحلتْ فضائلُهُ
ألمْ ترنا نهدي إلى الله مالهُ وإن لم كان في وسعنا ما يشاكلُهْ
ولو أننا نهدي على قدرٍ حقهُ لقصر على الصبرُ عنهُ وناهلهُ
ولكننا نهدي على من نجلُّهُ وإن لم يكن في وسعنا ما يشاكلُهُ
آخر: [الوافر]
تنوقْ في الهدية كلُّ قومٍ إليكَ غداةَ شريكَ للدواءِ
فلما أن هممتْ بها مدلًا لموضع خدمتي بكَ والإخاءِ
وجدتُ كثيرَ ما أهدي قليلًا=لمثلكَ فاقتصرتُ على الدعاءِ آخر: [الوافر]
تنوقُ من ثيابكَ في الهدايا إليَ غداة قصد الباسليقِ
فلم أر كالدعاء أعمَّ نفعًا وأجملَ في مكافأة الصديقِ
فاعديُ الثنا وقلتُ ربي يعذُكَ منْ شرِّ أنَّاتِ العروقِ
آخر: [البسيط]
اسعدْ بشربكَ في النيروزِ مصطحبًا لا زلتَ تلقى من الأيامِ ما صلحا
لازلتَ تلقى منَ الايام صالحةً تُبقي السرورَ وتنفي الهمَّ والترحَا
إني لا استصغر لدنيا بأجمعها هدية لك إلا الشكرَ، والمدحَا
آخر: [السريع]
هديتي تصغرُ عنْ همتي وهمتي تكبرُ عنْ مالي
فخالصُ الودِّ ومحضٌ الوفاءِ أفضلُ ما تهديهِ أمثالي
أهدى أبو تمام الطائي إلى الحسن بن وهب قلما وكتب معه: [الخفيف]
قدْ بعثتا إليكَ أكرمَك الله بشيءٍ فكنْ لهُ ذا قبولِ
لا تقسه إلى ندى كفكَ الغُمرِ ولا نيلكَ الكثير الجليلِ
واغتفر قلة الهدية مني إن جهدَ المقِلِّ غيرُ قليلِ
للبحتري: [الطويل]
ألنتَ لي الأيام منْ بعد قسوةٍ وأعتبَتْ لي دهري المسيء فاعتبَا
وألبستني النعمي، التي غيَّرت أخي عليَّ فأمسى نازِحَ الودِّ أجنبَا
فلا فُزت مِنْ مُرِّ الليالي براحةٍ إذا أنا لم أصبِحْ بنثرِكَ مُعتِبَا
غيره: [الطويل]
أخي لي كأيامِ الحياةِ أخاوةً تكونُ ألوانًا علي خطوبها
إذا عبتُ منهُ خلةً فهجرتُهُ دعتني إليهِ خلةٌ لا أعيبُهَا
ذكر أبو بكر الخطيب في تاريخه عن سهل بن ميسرة: أنه لما رجع أبو العباس عبد الله بن طاهر من الشام، ارتفع فوق سطح قصره، فرأى دخانًا يرتفع في جواره، فقال لعمرويه ما هذا الدخان؟ فقال: أظن القوم يخبزون.
فقال: ويحتاج جيراننا إلى أن يتكلفوا ذلك، ثم دعا حاجبه فقال: امضي ومعك كاتب، وأحصِ موالينا ممن لا تعطيهم [٨٨] عنا فسارع فمضى، وأحصاهم، صغيرهم وكبيرهم فبلغ جمدهم أربعة آلاف نفس، فأمر لكل واحد منهم. بمنوين خبزًا ومنا لحمًا، وثمن التوابل في كل شهر عشرة دراهم، والكسوة في الشتاء مائة وخمسون درهمًا، وفي الصيف مائة درهمًا فكان ذلك دأبه مدة مقامه ببغداد.
[ ٤٧ ]
فلما خرج منها انقطع ذلك، إلا الكسوة فإنها دامت مدة ما عاش أبو العباس عبد الله نن ظاهر ﵀، والمكان الذي كان ينزل به ببغداد بالجانب الغربي على شاطئ دجلة، وهو إلى الآن يعرف به، وينسب إليه، وهو الحريم الطاهرى: [الخفيف]
ألقِ بالبشرِ من لقيتَ منَ الناس جميعًا ولاقهمْ بالطلاقَةْ
نحن منهم حبًا ثارٍ كريمٍ طيبٌ طعمُهُ لذيذٌ مذاقُهْ
ودع التيهَ، والعبوسَ عنِ الناس فإن العبوس رأسُ الحماقةْ
كلما شئتَ أن تُعادي عاديتَ صديقًا، وقد تعزَّا لصداقةْ
قال النبي ﷺ: "يا أبا هريرة زرْ غبًا تزدد حبًا".
وقال بعض الحكماء. من كثرت زيارته قلت بشاشته، وقال أخر: من داوم زيارة الأصدقاء عدم الاستبشار عند اللقاء: [مجزوء الكامل]
أقللْ زيارتك الصديقَ تكُنْ كالثوبِ استجدَّهُ
إن الكريمَ يملُّهُ منْ لا يزالُ يراهُ عندهُ
آخر: [الطويل]
عليكَ بإقلالِ الزيارة إنها تكونُ إذا دامتْ إلى الهجرِ مسلكًا
فإني رأيتُ القطرَ يسأم دائمًا ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
آخر: [البسيط]
إني كثرتُ عليه في زيارته والشيءُ مسثقلٌ جدًا وإنَّ كثُرَا
ورابني منه أني لا أزالُ أرى في طرفه قصرًا عني إذا نظرا
قال عمر بن الخطاب (﵁): لكل شيء راس وراس المعروف تعجيله، وقال عبد الملك في وصيته لبنيه: يا بني معروفك عنده ولكل شيء آفة وآفة المعروف المطل، ولبعضهم: [الكامل]
صلْ من أردتَ وصالهُ وأخاه إن الأخوة خيرها موصولها
وإذا ضمنتَ لصاحبٍ لك حاجةً فاعلمْ بأنَّ تمامهَا تعجيلُهَا
وكان يقال إن بذل جاه السائل أعظم من معروف المسؤول، وقال أثم بن صيفي السؤال، وإن قل ثمن النوال، وإن جل، قال علي بن أبي طالب الكاتب: [الكامل]
ما اعتاصَ باذلُ وجههِ بسؤالهِ يومًا ولا نالَ الغِنى بسؤالِ
وإذا السؤال مع النوال وزيهُ رجح السؤال وخفَّ كلُّ نوال
وإذا بليتَ ببذلِ وجهكَ سائلًا فابذل له المتكرم المفضال
قال معاوية بن أبي سفيان الحازم من كتم سره من صديقه، مخافة أن تنتقل صداقته عداوة، فيذيع سره ولبعضهم: [الطويل]
لو أنَّ امرءًا يُخفي الهوة عنْ ضميرهِ لمتُّ ولم يعلمْ بذاكَ ضميرُ
ولكن سألقى الله والقلبُ لم يَبُحْ بسركَ والمستخبرون كثيرُ
آخر: [البسيط]
لا يكتم السر إلا كلَّ ذي خطرٍ والسرُّ عند كرامِ الناس مكتومُ
والسرُّ عندي في بيتٍ له غلقُ قدْ ضاع مفتاحُهُ والبابُ مختومُ
قال بعض العلماء: إذا أراد الله أن يزيل عن عبد نعمة فأول ما يغير منها عقله، قال أبو عبد الله وزير المهلبي: إنصاف الرعية مع شكر المقدرة بالولاية أشد من بذل المال مع شح النفس.
ذكر الجاحظ في (كتاب): المعلمين عن ابن عمران: الأنبياء عيهم السلام لا يتثاءبون، وما تثاءب نجي قط، روي أن مروان بن محمد قال عبد الحميد بن يحيى، صاحب الرسائل بعد أن تفرق الناس عنه وانهزموا: قد احتجتُ إلى أن يصير مع عدوي، وتظهر الانقلاب، فإن عجبهم بأدبك وفصاحتك وحاجتهم إلى مثلك، يستجريهم علي تمكينك، وحسن الظن بك، فإن قدرت أن تنفعني في حياتي فإني فداك، وإن عجزت عنه رجوت أن لا تعجز عن حفظ حرمتي بعد موتي، وأنشد عبد الحميد متمثلًا: [الطويل]
أسرَّوقا ثم أظهر عذرهُ فمنْ لي بعذرٍ يوسعُ الناس ظاهرُ
ثم أنشد: [الوافر]
فلومي ظاهرٌ لا شكَّ فيه للأيميهِ وعذري بالمغيبِ
وكمْ من موقفٍ حسنٍ أُحيلتْ محاسنهُ فعُد من الذنوبِ
فلما سمع ذلك منه علم أنه لا يفعل، ثم، قال له: عبد الحميد الذي أمرين به انفع الأمرين لك، وأقبحهما لي وليس لك على. الصبر معك إلا أن يفتح الله عليك، وأقتل معك، سئل شُريح عن العشاق فقال: أشدهم حياءً أعظمهم أجرًا [٩٠] ولبعضهم: [الطويل]
فوالله ما أدري وإني لسائلٌ بمكة هل في الهوى أجرُ
وهلْ في اكتحال العين بالعين زينةٌ إذا ما لقي الألوان لإبل به أجرُ
[ ٤٨ ]
قيل إنه مرَّ جرير الشاعر بسعيد بن المسيب، فقال من هذا فقيل له الذي يقول: [الطويل]
سألتُ سعيدًا يا فتى المدينة هل في حُب دهماء من وزر
فقالَ سعيد بن المسيب إنما يلامُ على ما يستطيعُ منَ الأمرِ
قال سعيد بن المسيب: يا فتى المدينة ما سألني أحد، ولو سألني لأحبت، وحكي عن مالك بن أنس أن شاعرًا جاءه فقال: إنني قلت أبياتًا ذكرتك فيها فاجمعها، فقال لا حاجة لي منها، قال أحب أن تفعل، فقال هات فأنشده: [الطويل]
سلُوا مالكَ المُفتي عن اللهو، والصبي وحبِّ الحسانِ المُعجباتِ الفواركِ
يُخبركم عني مصيبٌ وإنما أسلي همومُ القلب عني بذلكِ
فهلْ لمحبٍ يكتمُ الحبَّ والهوى آثامَ وهلْ ضمِّهِ المتهالكِ
فسري عن مالك، وكان ظنه أنه هجاه، يقال إن المال قي الأنف، والحسن في العين، والملاحة ني الفم، ظ ل رجل للفضيل بن عياض: بعني رجلًا أتخذه لسري وآمنه على أمرى، فقال له ة تلك ضالة لا توجد. وقيل لبعض الحكماء: من أبعد الناس سفرًا؟ قال: من كان في طلب طريق يرضاه، قال ابن السَّماك في بعض كلامه: لق أمهل، حتى كأنه أهمل، ولقد ستر، حتى كأنه غفر، قيل لبعض الحكماء: أي الكنوز خير؟ فقال: أما بعد تقوى الله سبحانه، والأخ الصاع، قال جابر بن عبد الله البجلي، ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي. أنشد المبرد: [الطويل]
تودُّ عدوي ثم تزعم أنني أودك إن الرأي عنكَ لعازبُ
وليس أخي من ودَّ في رأي عينه ولكن أخي من ودني في العواقب
قال بعض الحكماء: إيّاك ومعاداة الرجال فإنها لن تعدمك مكر حليم، أو مفاجأة لئيم، قال عمر بن الخطاب (﵁): إذا رزقك الله مودة امرئ مسلم فتشبث بها، أنشد المبردة: [الوافر]
وكنتُ إذا الصديقُ أرادَ غيظي وأشرقني على خثو بريقي
غفرتُ ذنوبه ولطمتُ غيظي مخافةَ أن أكون بلا صديقِ
قال رجلٌ من عبد القيس لابنه: يا بي لا تؤاخِ أحدا، حتى تعرف موارد أموره ومصادرها، فإذا استنبطت منه الخير ورضيت منه العشرة فآخه على إقالة العثرة، والمواساة عند العشرة، روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "رأس العقل بعد الإيمان المودة للناس".
وقال المنصور: إذا أحببت المحمدة من الناس بلا مؤونة فألقاهم ببشرٍ حسن.
قال كعب الأحبار: لين وجهك للناس تكن أحب إليهم كن يعطيهم الذهب، والفضة، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنكم لم تسعُوا بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحمسن الخلق".
وقال النبي ﷺ: "تمام محبتكم المصحافة".
وقال عليه الصلاة، والسلام: حين جاءه أعرابي، فقال يا رسول الله: إنا من أهل البادية، يجب أن تعلمنا علمًا وعملًا لعل الله أن ينفعنا به قال: "لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وإن تكلم أخاك، ووجهك إليه منبسط".
وقال الحسن يزيد في المحبة، وقال مجاهد عن معاذ إن المسلمين إذا التقيا فضحك كل واحد منهما في وجه صاحبه، ثم أخذ بيده تحاتت ذنوبها، كما تحاتت ورق الشجر، يقال إن المودة قرابة مستفادة، وهى أشد الأحساب، وأقرب الأسباب. وقال بعض الشعراء: [البسيط]
قد يمكثُ الناس حينًا ليس بينهمُ ودٌ فيزرعهُ التسليم واللطفُ
يُسلي الخليلين طولُ النأي بينهما ويلتقي شعبُ شتى فيأتلِفُ
وقال بشر بن السري: ليس من البر أن تحب من أبغضه حبيبك، قال ابن عباس: من أحب أخواني إليَّ أخٌ إن غبتُ عذرني، وإن جئته قبلني، قال الأصمعي ليس للروم صاد، ولا للفرس ثاء، ولا للسريان دال. لبعضهم [الوافر]
تولتْ دولةُ الحسن بن سهلٍ ولم أبللْ لهاتي من نداهَا
فإنْ ذهبتْ فلا تبكي عليها فإن بُكَى عيني من بكاها
لابن أبي الدنيا: [مجزوء الوافر]
تولتْ بهجةُ الدنيا فكلُّ جديدها خلقُ
وخان الناس كلهمُوا فلا أدري بمن أثقُ
كأنَّ مكارمَ الأخلاق سدَّتْ دونَها الطرُقُ
فلا حسبٌ ولا كرمٌ ولا دينٌ ولا خُلُقُ
لابن الرومي في البطيخ: [مجزوء الوافر]
[ ٤٩ ]
فكم قال في البطيخ قولَ خبيرٌ حين ذمَّ لدى الخصامِ
تحياتُ وفاكهةٌ وإدم وها صوم الثقيل من الطعامِ
وأشنان وحلواءَ مهيأٌ وعندَ العسر كوب للمدامِ
وبعدَ الطلىْ في الحمام طيبٌ وضقي للمتانة كلِّ عامِ
وسهلُ المُجتنى دان لطيفٌ وذلله المهيمنُ للأنامِ
شكا أهل دمشق إلى ابن أبي الدرداء، قلة ممرهم، وتغير أشجارهم، فقال أطلتم حيطانها، وأكثرتم حراسها فجاء البلاء من فوقها.
دخل سالم بن عبد الله بن عمر على سليمان بن عبد الملك، وعلى سالم ثوب رث مشتمل به، فلم يزل سليمان ترحب به، حتى أجلسه معه على سريره، وعمر بن عبد العزيز معه في المجلس، فقال رجل من القوم لعمر، ما استطاع خالك أن يلبس ثيابًا هي أحسن من هذه، ويدخل على أمير المؤمنين، فقال عمر ما رأيت ثياب خالي وضعته إلى مكانك، ولا ثيابك رفعتك إلى مكانه.
ودخل محمد بن كعب على سليمان أيضًا في ثياب رثة فقال له: ما حملك على لبس هذه؟، فقال أكره أن أقول فقرا فاشكو ربي، أو أقول زهدًا فأطرى، وأزكى نفسي. دخل وكيع بن أبي الأسود على عدوك! بن أرطأة، وهو والي العراق من قبل عمر بن عبد العزيز فلبس عنده ثيابه.
فقال لوكيع سوِّ علي ثوبي يا أبا المطرف، فقال وكيع ذكرتني الطفر، وكنت ناسيًا إن في خُفي ضيق فمد أيها الأمير، فقال له: يا أبا المطرف إن الرجل ليتولى من أخيه ما هو فوق هذا، فقال له: يا عدى إذا غزلت عنا فكلفنا ما أجبت فأما، وأنت ترى بنفسك علينا قدرة وبيدك بسطت، لشاعر في هذا المعنى [المتقارب]
إذا عُزل المرءُ صافيته وعند الولاية استكبرُ
لأن الوليَّ لهُ نخوةٌ ونفسي على الذلَّ لا تصبرُ
قيل لوهيبة بنت معن قد أفقرت بناتك بكثرة صلاتك فقالت يعينهن من تقربت إليه ني حفظهن بتفريق مالي له. سأل الفضل بن الربيع رجلًا عن قاضى بلدته، فقال جمع فأوعى، وسأل فأكدى، وحكم فتعدى، وطغى لما استغنى، قال ابن عباس التفكير في الخبر يدعو إلى استعماله، والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه، يقال من هانت الدنيا عليه مالت القلوب إليه، ومن عمل الرد، فقد أحسن الرفد.
قال سهل بن هارون في صدر كتاب له، وجب على كل ذي عقل له أنْ يبتدئ بالحمد، بل استفتاحها، كما يبتدئ النقمة قبل استحقاقها. قال المنصور لجرير بن يزيد إني لأعدك لأمر كبير، فقال يا أمير المؤمنين أن الله قد أعدَّ لك مني قلبًا معقودًا ينصحك، ويدًا مبسوطة بطاعتك، وسيفًا مشحوذًا على أعدائك فإذا شئت، قيل لأنوشروان من أطول الناس عمرًا؟ فقال: من كثر علمه فناوب له غيره من لعده، ومن كثر معروفه فشرف به عقبه. قيل للفضل بن يحيى من أعقل الناس؟ قال من عرف مقادير الأمور قولًا وفعلًا.
وسأل قباد الملك بعض الحكماء فقال: أخبرني من أعدل الناس، وأجور الناس، وأحمق الناس، وأكيس الناس، وأسعد الناس؟ فقال الحكيم أما أعدلهم، فمن أنصف من نفسه، وأما أجورهم، فمن رأى جوره عدلًا، وأما أحمقهم، فمن يصدق- مما لا يكون، وأما أكيسهم، فمن أخذ للأمر أهبته قبل نزوله، وأما أسعدهم، فمن ختم له في عاقبته بخير. وقال أنوشروان الحكيم من أكمل الناس مروءة؟ قال: من أحرز دينه، ووصل رحمه فأكرم إخوانه، وأصلح ماله. وقيل لبعض الحكماء، وما الشكر قال الإقرار بالنعمة وجزاؤها بالحسنى مضمرًا وقائلًا وفاعلًا مجزأ الضمير النية، والمحبة، والطاعة وجزاء الفعل المعاونة، والصبر عليه، والسعي فيما يرضي المنعم، وقال بعض الشعراء:
وقدً عرضتْ لي حاجةٌ وأظنني بأني إذا أنزلتُهَا بكَ تنجحُ
فإن ألكُ في أخذ العطية مربحًا فإنكَ في بذلِ العطية أريحُ
لأن لك العقبي من الأجرِ خالصًا وشكري من الدنيا فحقَّكَ أرجح
يُروى عن محمد بنشهاب الزهري، أنه قال أول حب ظهر في الإسلام حب النبي ﷺ لعائشة رضي الله تعالى عنها روى حماد بن زيد عن مجاهد بن سلمة قال لما أتى زيد بن حارث إلى النبي ﷺ جاء رسول الله إلى منزل زيد، فخرجت ابنة له صغيرة، فلما رأت النبي ﷺ أجهشت في وجهه بالبكاء فبكى، حتى انتحب، فقيل له ما هذا يا رسول الله؟ قال: "شوق الحبيب إلى حبيبه".
[ ٥٠ ]
وقد حبّ وعشق جماعة من الأجلاء المتقدمين، والسلف، والتابعين منهم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق كان يحب ليلى بت الخوزي الغساني، التي ارتد أبوها وقتله خالد بن الوليد وسبا أهله دفعت إلى عبد الرحمن وفيها قال:
تذكرتُ ليلى والسماوةَ دونَها فما لابنة الخوزيّ ليلى وماليَا
ومنهم عبد الله بن عمر بن الخطاب كان يهوى جارة رومية، وكان يجد بها وجدًا شديدًا، فوقعت يومًا عن بغلة كانت عليها، فجعل يمسح التراب عن وجهها ونهديها، فكانت تقول: لَهُ أنت قالون أي رجل جيد صالح فهربت منه، فقال فيها: [البسيط]
قدْ كنت أحسبني قالونَ فانطلقتْ فاليوم أعلم أنِّي غيرُ قالونَ
ومنهم الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، عشق الرباب الكلبية، وهي أم ولده سكينة وعبد الله الذي قتل معه بكربلاء وفيها يقول: [الوافر]
لعمركَ إنَّني لأحبُّ أرضًا تحلُّ بها سكينةُ والرَّبابُ
أحبُّهما وأبذل جلَّ مالي وليسَ للائمٍ عندي عتابُ
ومنهم الحسن بن عبد الله بن العباس ﵄، عشق عشقًا شديدًا عايذا بنت عمرو بن سعيد بن عمرو بن العاص، وتزوجها، وكان بها مشغوفًا وفيها يقول: [الطويل]
أعايذُ ما شمسُ النَّهارِ إذا بدتْ بأحسنَ منها بينَ عينيكِ عابدًا
وما أنتِ إلاَّ دميةٌ في كنيسةٍ يطلُّ لها البطريقُ بالليل ساجدًا
ومنهم عبد الرحمن بن أبي عمار فقيه أهل الحجاز دخل النحاس فعلق فتاة واشتهر بها، حتى مشا إليه مجاهد وعطا وطاووس يعدلونه، فأجابهم بأبيات منها: [البسيط]
يلومني فيكِ أقوامٌ أُجالسهم فما أبالي أطالَ الَّلومُّ أم وقعا
فاشتراها له عبد الله بن جعفر، وزينها ودخل إليه عبد الله بن أبي عمار في جملة الناس، فلما أراد النهوض استجلسه وسأله عن حبها، فقال في اللحم، والدم، والمخ، والعصب، والعظام، فأخرجها إليه وقال هذه هي؟ قال نعم [البسيط]
هيَ التي هامَ قلبي مِنْ تذكُّرها والنفسُ مشغولةٌ أيضًا بذكراها
قال له فخذ بيدها فهي لك، وأمر له معها بماية ألف درهم.
ومنهم عبد الله بن الحسين بن علي ﵈، عشق هند بنت أبي عبيدة وفيها يقول: [مجزوء الكامل]
يا هندُ إنكْ لوْ سمع؟ ؟تِ بعاذلينِ تبايعا
هندٌ أحبُّ لي من مالي وأهلِي أجمعَا
فيها أطعتُ عواذلي وأطعتُ قلبًا موجعا
ومنهم عبد الله القس مر بسلامة فسمع غناءها فرآه مولاه فأدخله فشغف بها وجماله فيها: [الطويل]
ألم ترها لا يبعد الله دارها إذا طربت من صوتها كيفَ تصنعُ
تمدُّ نظامَ الصَّوتِ ثم تردُّه إلى صلصلٍ من صوتها يترجعُ
ومنهم شريح القاضي كانت عنده زينب التميمية، وكان بها مشغوفًا ولها محبًا وفيها يقول: [المتقارب]
إذا زينبُ زاراها أهلُها حسدت وأكرمت زوَّارها
وقد روي أن عائشة بنت طلحة كانت من أجمل الناس، وأحسن النساء صورة، وكانت سيئة الخلق، فغضبت يومًا على زوجها، وخرجت إلى مسجد رسول الله ﷺ فرآها أبو هريرى، فقال: سبحان الله ما أحسن ما غذاك أهلك! ما رأيت أحسن وجهًا منك.
وقد كان مغيث يحب زوجته بريدة، وكان عبدًا، فلما عتقتها عائشة خيروها في المقام، أو الفرق، فاختارت فرق مغيث، فاشتد عليها وهام بها، حتى كانت تطوف البيت، وهو وراءها يبكي ودموعه على خديه، حتى قال النبي ﷺ لعمه العباس: "يا عم ما نرى شدة حبه لها وبغضها له، ثم دعاها رسول الله ﷺ وكلمها في معناه أبأمرك يا رسول الله قال لا أنا شافع".
وقد قال ﵇: "ما خلفت على أمتي فتنة أشد من النساء" وقد قال بعضهم: [السريع]
من كان ذا علمٍ بأمرٍ الهوى فهو بما ألقاهُ مني عليمُ
لم آتِ في الحب بأعجوبةٍ الحبُّ في العالم داءٌ قديم
وقد أنشد المأمون: [السريع]
داءٌ قديمٌ في بني آدم صبوة إنسان بإنسانِ
وقد تجاوز الأسود، والخاقاني لما عوتب في حبه فقال: [الخفيف]
ويكَ أنْ الملامُ يعزِّي الملوما ليس جرمي، كما زعمتَ عظيما
إنْ أكنْ عاشقًا فلم آيِ إلا ما أتتهُ الرجالُ قبلي قديما
[ ٥١ ]
أنبياءُ الهدى وخيرةُ خلقِ الله والأعظمونَ طرًَّا خلوما
فتنتْ صاحبَ الزبورِ في المحرابِ إذا ظلَّ للصلاة مقيما
ذاتَ فرعٍ بدتْ تحلَّل منها بدنًا ناعمًا وكشحًا هضيما
وتراءت على الوليِّ فتاةٌ فتنتْ بالجمالِ إبراهيما
ولقدْ همَّ يوسفْ بالذي هم وقد كان طاهرًا معصوما
ولقد تيمتْ فؤاد رسول الله عرسٌ بنت حارث تتييما
أحمد المصطفى، فمن أنا حتَّى تنكري أنْ أكونَ عبدًا سقيما
إنما أكثري التعجُّب ممن كان من فتنةِ النساءِ سليما
ولآخر:
ولائمٍ لامني في الحبِّ قلتُ له يا أعظمَ النَّاس فيما لامني حمقا
أنا شرَّعتُ الهوى وحدي فتعذلني هذا نبيُّ الهدى داوُد قد عشقا
كان يقال نِعم حاجب الشهوات غض الأبصار. ونعم قرين المرء الصمت واستقلال الكبير يعرض التعبير، قيل أنه أشير على أعرابية بالتزوج فأنشدت: [مجزوء الكامل]
لا تأمروني بالرزالِ فإنَّني أريدُ كرامَ القومِ أو أتبتَّلُ
أريد فتىً لا يملأُ الهولُ صدرهُ يعودُ علينا حلمهُ حين يجهلُ
حكي أنه لقي الرشيد موسى بن جعفر بن محمد بن علي بالمدينة، وكان موسى على بغلة، فاستنكر ذلك الرشيد، وقال للفضل: قل له ما الذي دعاك أن تلتقي مع أمير المؤمنين بهذه الركبة؟ فقلت له كيف تلقيت أمير المؤمنين على هذه الدابة، التي أن طلبت عليها لم تلحق، وإن طلبت عليها لم تسبق قال لست بحيث أُطلب، ولا أطلب ولكنها دابة تنحط عن خيلاء الخيلاء، وترتفع عن ذلة الغير، وخير الأمور أوسطها.
وكان الأفضل الرقاشي يؤثر ركوب الحمار. فقيل له: إنك يؤثر ركوب الحمار، فقال: هو أجمع الدواب تركب، ويتمهل، وهو أسهل الدواب مرتقى، وأيسرها سقطة، وأهونها غيبًا، وأيسرها دراء، يترافع به الجليل، ويتواضع به الناسك، فراكبه تارة كراكب الفرس، وتارة كالماشي، ويقوم به الإمامة اللكما، والعبد الأخرق.
قال الأصمعي: رؤي عمر بن العاص راكبًا على بغلة قد شمط وجهها هرمًا، فقل له: لم تركب هذه، وأنت على فاخرة مصر؟ فقال: إني لا ملك عندي لدابتي ما حملت رجلي، ولا صديقي ما كتم سري، ولا لمرأتي ما أحسنت عشرتي، إن الملك من كواذب الأخلاق.
كان لبعض الظرفاء امرأة كبيرة، تحبه، وتأتي إليه، وتمنعه من التفسح، والمداعبة مع النساء وتظهر الغيرة عليه، فأضجرته، وأكثر عليه بذلك، فكتب إلى أبي الفتوح عبد الرحمن بن عبير الهيثم أن يعمل في ذلك شعرًا، فقال: [الطويل]
ومن عجبِ الأيَّام شمطاءَ قاعدٌ تحاول مني الوصلَ، وهي تغارُ
إذا أنستني، أوحشتُ منْ أحسبُّهُ في من ندايتها إلى نفارُ
وفي مثلها يُهوى الجفا، وهو مظلمٌ ويُكرهُ ضوءُ الوصل، وهو نهارُ
لبدر بن صدقة بن منصور بن دبيس بعدما قتل أبوه وملكت دياره: [مجزوء الكامل]
يا غاديين من الشا م إلى العراق بشمالي
إنّ الأمانة لا تطي؟ ؟ق لحملها صمُّ الجبالِ
إن جئتم الحللَ الرحا مَ ومركز الأمل الطوال
ووقوفًا مزدحمِ الوف؟ ود بباب أبلج كالهلالِ
قولا لساكنها المؤي؟ د بالبشاشة والجمالِ
مالي أرى السعدي من جيش الفتى المصريِّ خالِ
والقبةُ البيضاء في نقضٍ وكانت في كمالِ
يا صدقُ لو صدقوا رجا لك مثلَ صدقك في النزالِ
أو يحملون على اليمين كما حملت على الشمالِ
دامت لهم عربي؟ ؟ة تبقى على مرِّ الليالي
لكنَّهم قرُّوا وما كرُّوا فتيًا للعبيد مع الموالي
بأرنو هل خطر وإلا ولا خطروا ببالي
قالوا فقد قبلوا فقل ت إلى الجحيم ولا أبالي
للقتل يصلح كلُّ من ما كان يصلح للقتالِ
قيل لبعضهم: ما العيش؟ فقال: إقبال الزمان وعز السلطان، ومعاشرة الكرام من الخلان.
وكان ابن بسام ملقى من حجاب الوزراء، وكان يقصدونه بالحجاب، فحضروا يومًا باب القاسم بن عبد الله في أيام وزارته فحجب، فقال: [الكامل]
إنّي أتيتكَ زائرًا ومسلِّمًا ولكي أقوم ببعض حقِّ واجب
[ ٥٢ ]
فإذا ببابكَ حاجبٌ مسبطرٌ فعمود بابكَ في حرم الحاجبِ
ولئن رأيتكَ راضيًا بفعالهِ فتمام بابكَ في حرمِ الصاحب
وله أيضًا في سعد حاجب الخاقاني الوزير، وكان أسودًا: [الكامل]
يا سعدُ إنَّك قد حجبتَ ثلاثةً كلا قتلتَ وفيك رسمٌ لائحُ
وأتيتَ تحجبُ رابعًا لتثيرهُ فارفق به فالشيخ شيخٌ صالحُ
يا حاجب الوزراء إنك عندهم سعدٌ ولكنْ أنتَ سعدُ الذابحُ
وفيه يقول البحتري: [المتقارب]
ولمَّا وقفنا ببابِ الوزيرِ وقد كشفَ السترُ أو جانبهُ
ظللنا نُرجم فيك الظُّنون أحاجِمُهُ أنتَ أم حاجبهُ
قيل للأعرابي: اتق الحساب، قال: ومن يحاسبني؟ قيل الله (﷿)، قال: إن الكريم إذا حاسب تفضل.
قدم رجل إلى بعض الولاة، فأراد ضربه فقال: تأنَّ أيها الأمير، فإن التأني من الولاة صدقة.
قيل أتي سليمان بن عبد الملك برجل قد عفا عنه مرة بعد مرة، فأمر بضرب عنقه، فقال الرجل: الله، الله يا أمير المؤمنين، قال: أوليس قد عفوت عنك مرة بعد مرة،؟ فقال الرجل: أوليس فداء لك مني مرة بعد مرة يا أمير المؤمنين؟ قال: صدقت، وخلا سبيله.
قال الربيع بن أنس كنا في يوم عيد وقوفًا على رأس المنصور، والناس سماطان على مراتبهم، والمهدي جالس على وسادة، إذ أقبل صالح بن منصور، وهو الذي يدعى المسكين، وقد كان المنصور يرشحه لبعض الأمر، فقال بين السماطين، فسلم فأحسن السلم، ثم استأذن في الكلام، فأذن له المنصور فأجاد، فمد المنصور إليه، ثم قال له: يا بني ادنُ مني، فلما أدناه اعتنقه، ثم أقعده بين يديه ونظر إليه المنصور، ثم نظر في وجه من كان بحضرته من أهل بيته وغيرهم، هل منهم أحدٌ يثني على صالح ابنه لحسن كلامه وبلاغة نظامه، فكلهم هاب المهدي فقام عقال بن شبة بن عقال، فقال لله در خطيب قام آنفًا ما أفصح لسانه، وأحسن بيانه، وأمضى جنانه، وأبل ريقه، وأسهل طريقه، وحق لمن كان أمير المؤمنين أباه، والمهدي أخاه أن يكون، كما قال الشاعر: [البسيط]
هوَ الجوادُ فإنْ تلحق بشأوهما على تكاليفهِ من مثله لحقا
أو يسبقاهُ على ما كان من مهلٍ فمثل ما قدما م صالحٍ سبقا
قال الربيع: فأقبل علي أبو عبيد الله وزير المنصور، وكان إلى جانبي وقال: ما رأيت مثل هذا الرجل، ولا سمعت أحسن من نظامه، إنه أرضى أمير المؤمنين، ومدح الغلام، وسلم من المهدي، ثم أقبل المنصور علي فقال: يا ربيع لا ينصرف التميمي إلا بثلاثين ألف درهم، فما انصرف، حتى حملت إليه معنا.
رأيت بخط شيخنا شيخ الإسلام أبي الوفا علي بن عقيل ﵀، قال: ذكر أبو بكر الخطيب في تاريخه بإسناده، عن عمر بن الهياج بن سعيد، قال: أتت امرأة من ولد جرير بن عبد الله البجلي، صاحب رسول الله ﷺ إلى شريك القاضي، وهو بالكوفة، فقالت: أنا بالله، ثم بالقاضي، وذكرت نسبها ورددت الكلام، فقال لها: أيها عند الآن من ظلمك؟ فقالت: الأمير موسى بن عيسى، وهو ابن أخي المنصور، كان لي بستان على شاطئ الفرات لي فيه نخل، ورثته عن آبائي، وقاسمت أخوتي، وبنيت بيني وبينهم حائطًا، وجعلت فيه غارسًا يحفظ النخل، ويقوم ببستاني.
فاشترى الأمير موسى بن عيسى من أخوتي جميعًاَ وساومني، وأرغبني، فلم أبعه، فلما كان في هذه الليلة، بعث فاعل، فاقتلعوا الحائط، فأصبحت لا أعرف من بخلي شيئًا، واختلط بنخل أخوتي، فقال شريك: يا غلام، آتني بطيئة وختم عليها، ثم قال لا أمضي إلى بابه، حتى يحضر معك، فجاءت المرأة بالطينة إلى بابه، فأخذها الحاجب ودخل على موسى، وقال: أعدا شريك عليك.
فقال: ادع لي صاحب الشرطة، فدعاه، فقال امض إلى شريك، وقل سبحان الله ما رأيت أعجب من أمرك، امرأة ادعت دعوى لم تصح ادعيتها علي.
فقال له صاحب الشرطة: إن رأى الأمير أن يعفيني من لقائه فليفعل، فقال امض، ويلك فخرج، وأمر غلمانه أن يتقدموا إلى الحبس بفراش وغيره، فلما وقف بين يدي شريك، وأدى الرسالة، فقال يا غلام خذ بيد هذا وضعه في الحبس، فقال قد والله يا عبد الله عرفت أنك تفعل بي هذا، فقدمت عليه، وبلغ موسى الخبر فوجه بالحاجب إليه، وقال: قل له هذا من ذاك رسول أي شيء عليه، فلما أدى الرسالة، قال يا غلام ألحقه بصاحبه في الحبس.
[ ٥٣ ]
فلما صلى الأمير العصر، بعث إلى الحسن بن الصباح الأشعثي وجماعة من وجوه الكوفة، وأصدقاء شريك من العلماء، والقراء، فقال لهم: امضوا إليه وبلغوه السلام، وأعلموه أنه قد استخف بي، وأني لست كالعامة فمضوا، وهو جالس في مسجده بعد العصر، فأبلغوه الرسالة، فلما فرغوا قال لهم، فما لي إلا أراكم جئتم في غيره في الناس كلمتموني من هنا من فتيان الحي فليأخذ كل واحد منكم بيد رجل منهم، واذهبوا بهم إلى السجن، لا، والله لا بتم إلا فيه، قالوا: أجادًا أنت حقًا؟ قال: نعم، حتى لا تعودوا برسالة ظالم، فحبسهم، فركب الأمير موسى بن عيسى في الليل وفتح باب الحبس، وأخرجهم جميعًا، وجاء من الغد السجان إلى شريك في مجلس القضاء، فأخبره، فأمر بالقنطر فختمها، ووجه بها إلى منزله.
وقال لغلامه: الحقني بثقلي إلى بغداد، والله ما طلبنا هذا الأمر منهم ولكن أكرهونا عليه، ولقد ضمنوا لنا الإغراء فيه إذا تقلدناه لهم، ومضى نحو قنطرة الكوفة يريد بغداد، فبلغ الخبر موسى بن عيسى فركب في موكبه فلحقه، وجعل يناشده الله، وقال يا أبا عبد الله، تثبت انظر إلى أخوانك تحبسهم دع أعواني قال نعم، لأنهم مشوا لك في أمر لم يجب عليهم المشي فيه، ولست ببارح، أو يردوا إلى الحبس، وإلا مضيت إلى أمير المؤمنين فاستعففته مما جعله إلي فأمر بردهم إلى الحبس، وهو، والله واقف مكانه، حتى جاء السجان فأخبره بذلك.
فقال لأعوانه خذوا بلجام بغلة الأمير فردوه بين يديه، حتى دخل المجلس وجلس. وقال أين الجويرية المتظلمة من هذا؟ فجاءت، قال هذا خصمك قالت نعم، قال قد حضر مجلس الحكم، ثم قال الأمير أولئك يخرجون قبل كل شيء من الحبس، فقال القاضي أما الآن فنعم، أخرجهم، ثم التفت إلى الأمير فقال ما تقول فيما تدعيه هذه المرأة؟ قال صدقت، قال فترد جميع ما أخذت منها، وتبني لها حيطها في وقت واحد سريعًا، كما هدم، قال: أفعل، قال ما بقي لك شيء؟ قالت بيت الفارس ومتاعه، قال موسى يرد متاعه، ويبنى بيته، بقي لك شيء تدعيه؟ قالت لا وجزاك الله خيرًا عن المسلمين، قال قومي لشأنك، ثم أخذ شريك بيد موسى بن عيسى فأجلسه في صدر المجلس، ثم قال السلام عليك أيها الأمير تأمر بشيء ليمتثل؟، قال له موسى: بأي شيء وضحك وانصرف راضيًا بفعل شريك.
يقال: إن المروءة عشرة خصال: الحلم، والحياء، والصدق، والسخاء، وترك الغيبة، وحسن الخلق، والعفو عند المقدرة، وبذل المعروف، وإنجاز الوعد، وكتم السر.
حكي عن الحسن بن سهل أنه لما ودع المأمون فبلغ نهاية التشييع، فقال المأمون ألك حاجة يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين تحفظ علي من قلبك لا أستطيع حفظه إلا بك.
كتب عبيد الله بن عبد الله بن ظاهر إلى موسى بن بغا معزيًا له غير أخيه أبي نصر، ومهنئًا له بإحضار الخلافة إلى المعتمد على الله، لئن كانت الأيام أعزك الله، أساءت الرزية، لقد أحسنت العطية، أو قاربت المنية، لقد بلغت الأمنية، فأعطت بكف وثنت كفًا، فلا زلت مشمولًا بالنعم، مغمورًا بالكرم. حتى يكون كل يوم من أيامك موفيًا في الفضل على أمسه، مقصرًا عن فضل غده، وأمسه.
كتب رجل إلى صديق له، قد كنت أستعيذك ظالمًا، فتحكم لي، وقد استعذيتك مظلومًا، فضاق عني عدلك، وقد ذكرت، قول الشاعر: [الخفيف]
كنت من كربتي أفرُّ إليهم فهمُ كربتي فأينَ الفرارُ؟
وكتب آخر إلى من وعده بوعد ومطله كفا بالتأويل موجبًا للمأمول، فكيف بالموعود الممطول.
وكتب آخر إلى صديف له لا تستقل لنا برًا فإنا لا نستكثر على قبوله شكرًا.
يقال أن الحمية أحد العلتين.
هذه رقية للنار الفارسي، والنملة، وهي مجربة متداولة: تعقد عند عاقولة في يوم الأحد وتحفر على أصلها بحديدة، وتقول وأنت تحفر هذه الكلمات: توميد، الدوريدك، برذم، شرندم، هلميسة، وخشك، يانسي، نوشفا، توشفا عن فلان بن فلانة، أو فلان بنت فلانة، وتقطع العاقولة، وتثقل عليها، وتركي وأكثر ما يفعل ثلاثة آحاد فإنه يبرأ بإذن الله تعالى.
[ ٥٤ ]
قال طاووس اليمامي، رأيت عليًا كرم الله وجهه على المنبر بالكوفة، وقد خطب خطبة بليغة، قال فيها: معاشر الناس عشر خصال تقبح، قيل ما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: الغدر بالأشراف، والخدعة بالعلماء، والكبر في الأبرار، والشح بالملوك، والبخل بالأغنياء، والإزراء بالفقراء، والسفاهة بالشيوخ، والفجور بالقراء، والكذب بالقضاة، والعجلة في الأمراء.
قال الأمير عمر بن هبيرة لبعض عماله: اتخذ كاتبًا، ولا تكونا نارين فتحرقا، ولا مائين فتغرقا، ولا تنفتحا، وكن نارًا وليكن ماء، وول عملك أهل البيوتات فإن عدلوا، فذاك الظن بهم، وإن لم يفعلوا كان لك عذر في توليتهم، ويكن حاجبك طلق الوجه، ينزل الناس منازلهم.
فإن حاجب الرجل وجهه قيل أن يرى فليكن وجهك حسنًا، ومره أن يتلقى بالبشر، ومره أن يستقبل مصافيك ومخالصيك جذلًا مسرورًا، وأن يقضي حوائجهم، ويقرب مجالسهم، بل يوجه من يكون ذلك طبعًا فيه، ولا يكون عليه مؤونة له من نفسه.
يحكى أن رجلًا وقف بين يدي الوزير مسعدة، وقد ركب في موكبه، وأظهر من الكبرياء، والجبروت ما يخرج عن حد العادة فأنشد: [الوافر]
لا تناها فوق حالك حال كمل الوزن وامتلأ المكيال
مثل شمس النهار لما استقلت في ذراها فليس إلا الزوال
وحكي عن بعض الكتاب أنه وقع إلى قاضي قم: أيها القاضي بقم قد عزلناك فقم، فقال القاضي: والله ما أراد عزلي وإنما التطابق بالسجع حمله على ذلك، فما مضت أيام عدة حتى أعاده.
يقال: من استطال عليك بصورته، وبخل عليك بفضله، ففي التصاوير مثله كثير أنشد ابن الأعرابي: [الطويل]
حملت جبال الحب منك، وإنّني لأعجز عن حمل القميص وأضعف
وما الحب من حسنٍ ولا من ملاحةٍ ولكنه شيءٌ به الروح تتلف
قال بعض الحكماء: من فعل ما شاء لقي ما لا يشاء.
وقال بعض الأدباء: أوسع ما يكون الكريم مغفرة. إذا ضاقت بالمذنب المقدرة.
ويقال: إن الاستطالة نذالة.
قيل للأحنف بن قيس: هل رأيت أحدًا أحكم بيانًا منك؟ قال: أي والله من تعلمت منه الحلم، قيل من هو؟ قال: قيس بن عاصم المنقري بينما هو محتبٍ بفناء بيته، أُدني بابن له، قيل قتله ابن عم له. فوالله ما تغير له وجه، ولا حل حبوته، ولكنه أمر، بأن يغسل ويوارى، ثم أرسل إلى قاتله لا يجوز أن تجري في الانتقام مجراك في الاعتداء، فأقبل إلينا آمنًا، وأخبرونا بالسبب الذي هيجك على ما أحييت، ثم قال: يا غلام اذهب إلى أم القتيل بمائة من الإبل، ليسكن عنها ما تداخلها من اللوعة، ثم أنشأ يقول: [الكامل]
إني امرؤٌ لا بطئ حسبي دنسٌ يخالطه، ولا أفقُ
من منفرٍ في بيت مكرمةٍ والفرعُ بيتٌ حوله الغصنُ
لا يفطنون لعيب جارهم وهم لعين عيوبه فطن
خطباء حين يقول قائلهم بيض الوجوه أعفه لسنُ
قيل لأمير المؤمنين، عمر بن الخطاب ﵁ من سيد قومك؟ قال: من أحوجهم الدهر إليّ.
يقال: من رغب في المكارم فليتجنب المحارم.
ويقال: أنعم الناس عيشًا من عاش غيره في ظله.
وقد روي أن كعب بن مالك، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا لما جاء البشير بنزول توبته سجد، وألقى رداءه على البشير.
قال عمران بن محمد اليقطيني: رأيت يونس بن المختار، في دار المأمون، ومرتبته أعلى المراتب، قاعدًا على الأرض، فقال له الحاجب: ارتفع ي أبا المعلي إلى مرتبتك. فقال: قد رفعني أمير المؤمنين إليها وليس لي عمل بقي لها، فلم لا أكرمها عن القعود عليها إلى أن يتهيأ لي الشكر عليها، فبلغ ذلك المأمون، فقال هذا غاية الشكر وزاد في إكرامه، لمحمود الوراق: [السريع]
يا أيها الظالم في فعله والظلم مردود على من ظلم
إلى متى أنت وحتى متى تشكو المصيبات وتنسى النعم
أخذ هذا من تفسير الحسن لقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لربه لكنودٌ﴾ [العاديات:٦] قال: يعود المصائب، وينسى النعم.
ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: "من أنظر معسرًا إلى ميسرة كان في ظل الله ﷿".
وروي عنه ﵇ أنه قال من شد على أخيه في التقاضي، إذا كان معسرًا شد الله عليه في قبره.
[ ٥٥ ]
قال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني، فقيل له كيف ذلك؟ فقال كلهم يرى الفضل على نفسه، ومن فضلي على نفسه فهو خير مني لبعضهم: [الطويل]
فلا نغترر بالبشرِ في وجهِ حاسدٍ فيردُّ ابتسامَ الثَّغر من غلظة الحقدِ
وإن مشرب السُّمِ لا شكَّ قاتلٌ وإن هو أحنى نفسهُ لدَّة الشهدِ