قال أبو محمد من ذلك قولهم إني لتيه بالغدايا والعشايا فجمعوا الغداة غدايا وأنشد:
هتاك أخبية ولاج أبوبة يخلط بالجد منه البر واللينا
الخباء جمعه أخبية وكذا جمع فعال في القلة كفراش وأفرشة وكساء واكسية وباب جمعه أبواب على أفعال كقولهم مال وأموال وقاع وأقواع فغيره عن أفعال إلى فعلة لتقدم أخبية والمعنى أن هذا الممدوح يغير على أعدائه فيستبيحهم ويهتك بيوتهم يقتلعها من مواضعها ويسبي نساءهم وهو شريف رفيع القدر إذا قصد الملوك ولج أبوابهم ولم يحجب لعزه ومحله ووصفه أنه يجد في موضع الجد ويلين في موضع اللين.
قال أبو محمد وقال آخر هو منظور بن مرثد الأسدي:
هل تعرف الدار بأعلى ذي القور قد درست غير رماد مكفور
مكتئب اللون مروح ممطور أزمان عيناء سرور المسرور
عيناء حوراء من العين الحير
وهو الجبل الصغير أي هل تعرف الدار بأعلى المكان ذي القور وقد درست وذهبت معالمها الأرمادا مكفورا وهو الذي سفت عليه الريح التراب فغطاه ومكتئب اللون يضرب لونه إلى السواد كلون وجه الكئيب والمروح الذي أصابته الريح والممطور الذي أصابه المطر وعيناء امرأة وهي مبتدأ وسرور المسرور خبره وأزمان مضاف إلى الجملة والمعنى هل تعرف الدار في الزمان الذي كانت فيه هذه المرأة تسر من رآها لحسنها وحوراء أي حوراء العين والحور بياض بياض العين في شدة سواد سوادها والعين جمع عيناء وهي
[ ٢٩٧ ]
البقرة شبهها بها والحير أراد الحور جمع حوراء كسرت حاؤه فانقلبت واوه ياء وراوه غيره من العين الحور.
وأنشد أبو محمد شاهدا على أرض مسنية ومسنوة قول الراجز:
ما أنا بالجافي ولا المجفى
وقد مضى تفسيره وتفسير البيت الذي بعده وهو:
أنا الليث معدوا علي وعاديا وأنشد أبو محمد على التلقاء بيتا للراعي:
أملت خيرك هل تأتي مواعده فاليوم قصر عن تلقائك الأمل
مواعد جمع موعد يقول رجوت خيرك هل تصدق فيه مواعيدك فقد عجز الأمل حين لقيتك أي خاب.
وأنشد أبو محمد:
مكتئب اللون مروح ممطور
وقد مضى تفسيره.
وأنشد أبو محمد:
وماء قدور في القصاع مشيب
البيت للسليك ابن السلكة السعدى وأوله: سيكفيك ضرب القوم لحم معرض وماء قدور ويروى مشوب يخاطب صاحبًا له كان اسمه صرد وكان معه في غزوة يقول سيكفيك اللبن الحامض الذي كنت تشربه واللحم المعرض بالضاد معجمة وهو الذي لم يتم تضجه مثل المضهب والملهوج وإنما لم ينضجوه لعجلتهم لأنهم غزاة وقيل في المعرض إنه الكثير ويروى معرص الصاد غير معجمة وهو الذي قد أخذ في التغير وقد ردت الرواية الأولى فقيل
[ ٢٩٨ ]
هي تصحيف ويروى مغرض بالغين والضاد المعجمتين وهو الطري.
وأنشد أبو محمد قال أنشد الكسائي فيما جاء بالواو:
ويأوي إلى زغب مساكين دونهم فلا لا تخطاه الرفاق مهوب
الشعر لحميد بن ثور وهو في صفة قطاة والإنشاد الصحيح:
غدت لم تباعد في السماء ودونها إذا نظرت أهوية وصبوب
فجاءت وما جاء القطاثم قلصت لمسكنها والواردات تنوب
وتأوي إلى زغب مساكين دونها فلا لا تخطاه الرفاق مهوب
قوله لم تباعد أي لم تحلق في السماء فيكون أبطأ لها ولم تسف إلى الأرض فيكون أضعف لها ولكنها أخذت وسطا من ذلك فارتفعت عن الأسفاف وانخفضت عن التحليق وقوله ودونها إذا نظرت أهوية وصبوب يقول لم ترتفع فتكون إذا نظرت إلى الأرض فكأنها تنظر إلى أهوية وهي البئر وصبوب منصب الماء في الأرض ومنحدره قوله فجاءت وما جاء القطا يقول جاءت هذه القطاة وما جاء القطا بعد لأنها تبادر ألأولادها أن تعطش وقوله لمسكنها أي لفراخها التي في عشها وتنوب تجيء ناب للورد جاء للشرب وقوله وتأوي أي تنضم إلى زغب يعني فراخها الزغب ما يكون على الفرخ من الريش قبل ان يقصب ومساكين أي هي صغار لا تطير والرفاق جمع رفقة وهم الذين ينهضون في سفر يسيرون معًا وينزلون معًا لا يفترقون ومهوب يهاب.
أخبر أن هذه الفلاة مخوفة لا تتخطى من هولها ويروى:
تبادر أطفالا مساكين دونها ملًا ما تخطاه العيون رغيب
الأطفال أفراخها والملا الصحراء ما تخطاه العيون أي لا تدرك العيون أقصاه ولا تقطعه والتخطي أن ترفع بصرك إلى أقصى شيء تراه وتدع ما دونه ورغيب واسع والذي روى لنا عن ابن قتيبة دونهم بالميم والصواب دونها لأن الهاء والميم تختص بمن يعقل.
قال أبو محمد قال سيبويه ومما جاء على أصله:
وصاليات ككما يؤثفين
[ ٢٩٩ ]
وقد فسر. قال أبو محمد وقول الآخر:
كرات غلام في كساء مؤرنب
هو من بيت لليلى الأخيلية وقبله:
إذا افترت ضرب الجناحين عاقبت على شزنيها منكبًا بعد منكب
فلما أحسا جرسها وتضوّرا وآبتهما من ذلك المتأوب
تدلت إلى حص الرؤوس كأنها كرات غلام في كساء مؤرنب
أي إذا المنكب ومرة على هذا المنكب وفترت أعيت وجرسها صوتها وتضوّرا يعني فرخيها أي تحركا وآبتهما رجعت إليهما مساء من ذلك المكان ويروي:
إذا ما احسا رزها وتضوعا
الرز الصوت وتضوعا تحركا وقوله حص الرؤوس فراخ لا ريش عليها وكرات جمع كرة شبه رؤوس الفراخ بكرات في لطفها واستدارتها والمؤرنب المنسوج من مسوك الأرانب.
قال أبو محمد وأغضى الليل فهو غاض ومغض وأنشد بيتًا لرؤبة قبله:
يقطع أجواز الفلا انقضاضى بالعيس فوق الشرك الرفاض
كأنما ينضحن بالخضخاض يخرجن من أجواز ليل غاض
نضو قداح النابل النواضي
الأجواز جمع جوز وهو الوسط والانقضاض من قولهم انقض الطائر انقضاضا إذا هوى في طيرانه ليسقط على شيء والعيس الإبل البيض الذكر أعيس والأنثى عيساء والشرك أخاديد الطريق الواحدة شركة والرفاض المتفرقة يمينا وشمالا كأنما ينضحن أي يعرقن بالخضخاض وهو القطران الرقيق شبه عرق الإبل به وعرقها أسود ويخرجن يعني الإبل والغاضي المظلم ويروى من أجواف والنضو الخروج شبه خروجها من الليل بخروج القداح من الرمية. وانشد أبو محمد بيتًا للعجاج قبله:
[ ٣٠٠ ]
ومنهل معرد بالنهال دفن وطام ماؤه كالجريال
يكشف عن جماته دلو الدال عباية غثراء من أجن طال
المنهل المشرب والتعريد ترك القصد وسرعة الذهاب والنهال جمع ناهل ويكون العطشان والريان والدفن الركية والجميع دفان والطامي الماء المرتفع والجريال صبغ أحمر شبه ماءه والجمات جمع جمة وجمة البئر اجتماع مائها والدالي الجاذب للدلو من البئر ليخرجها ويقال الدالي معناه صاحب الدلو كاللابن والتامر والعباية الكساء والغثراء كالغبراء ويعني بالعباية ما على الماء من الغلفق لأنه لا يورد والأجن المتغير طال عليه طلاء وهو ما ألبسه.
قال أبو محمد ولا يقال مفعل في شيء من هذا إلا في حرف واحد قال عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم
الباء في قوله بمنزلة متعلقة بمصدر محذوف لأنه لما قال نزلت دل على النزول والمعنى لقد نزلت مني بمنزلة مثل منزلة المحب فلا تظني غيره والهاء في غيره يحتمل أن يكون ضمير ما قال وما قال بمعنى القول هو مصدر وفي الكلام حذف وهو حذف المفعول الثاني من الظنّ كأنه قال فلا تظني غيره حقا أي غير قولي حقًا ويجوز أن تكون الهاء في غير ضمير الحب أي لا تظني غير حبك في قلبي وحذف المفعول الثاني والمحب جاء على أحب والأكثر في الكلام محبوب.
وقال أبو محمد وقال أبو عبيدة في قول الشاعر:
فقلت لها فيئي إليك فإنني حرام وإني بعد ذاك لبيب
فيئي إليك أي ارجعي إلى نفسك وقوله حرام أي محرم ولبيب أراد ملب بالحج ويجوز أن يكون قوله إليك نائبًا مناب الأمر فكأنه قال ارجعي ارجعي.