ثم ارتحل امرؤ القيس حتى نزل بكرًا وتغلب، وعليهم إخوته شُرحبيل وسلَمة، فسألهم النصر على بني أسد. ثُمَّ بعث عليهم فنذروا بالعيون٣، ولجئوا إلى بني كنانة وكان الذي أنذرهم بهم علباء بن الحارث. فلما كان الليل قال لهم علباء: يا معشر بني أسد تعلمون والله أن عيون امرئ القيس قد أتتكم ورجعت إليه بخبركم، فارحلوا بليل ولا تعلموا بني كنانة ففعلوا.
وأقبل امرؤ القيس بمن معه من بكر وتغلب، حتى انتهى إلى بني كنانة، وهو يحسبهم بني أسد، فوضع السلاح فيهم وقال: يا لثارات الملك! يا لثارات الهمام! فخرجت إليه عجوز من بني كنانة فقالت: أبيت اللعن لسنا لك بثأر، نحن من كنانة فدونك ثأرك، فاطلبهم فإن القوم قد ساروا بالأمس.
فتبع بني أسد ففاتوه ليلتهم فقال في ذلك:
_________________
(١) ٣ نذروا بالعيون: علموا بالجواسيس، فحذروهم واستعدوا.
[ ٢٥ ]
ألا يا لهف هند إثر قوم هم كانوا الشفاء، فلم يصابوا١
وقاهم جَدُّهم ببني أبيهم وبالأشقين ما كان العقاب٢
وأفلتهنَّ علباء جريضًا ولو أدركنه صَفِرَ الوطاب٣
ثم سار وراء بني أسد سيرًا حثيثًا إلى أن أدركهم، وقد تقطعت خيله، وقطع أعناقهم العطش، وبنو أسد جامُّون٤ على الماء. فنهد إليهم٥، فقاتلهم حتى كثرت الجرحى والقتلى فيهم، وحجز الليل بينهم. وهربت بنو أسد. فلمَّا أصبحت بكر وتغلب أبوا أن يتبعوه وقالوا له: قد أصبت ثأرك.
قال: والله ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل، ولا من غيرهم من بني أسد أحدًا. قالوا: بلى ولكنك رجل مشئوم. وكرهوا قتالهم بني كنانة وانصرفوا عنه.
_________________
(١) ١ هند: هي ابنة امرئ القيس. ٢ يعني ببني أبيهم: بني كنانة، لأنَّ أسدًا وكنانة ابني خزيمة أخوان. وقوله: بالأشقين ما كان العقاب: أدخل ما صلة وحشوا ويجوز أن تكون ما مع الفعل بتأويل المصدر على تقدير: وبالأشقين كون العقاب. ٣ قوله: أفلتهن يعني الخيل، أي: لو أدركوه قتلوه وساقوا إبله فصفرت وطابه من اللبن. وقيل: صفر الوطاب أي: أنه كان يقتل فيكون جسمه صفرا من دمه كما يكون الوطاب صَفِرًا من اللبن. ٤ جامون: مستريحون. ٥ نهد إليهم: أسرع إليهم.
[ ٢٦ ]