(١)
قال بعضهم
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
يقول لي الأمير بغير جرم تقدم حين جد بنا المراس
ومالي إن أطعتك من حياة ومالي غير هذا الرأس راس
البيتان للأعور الشني قالهما للمهلب بن أبي صفرة بخراسان، قيل له في بعض الحروب: يا أعور المراس، والمراس الممارسة كالمنازعة والمقاتلة والمعالجة، وقوله: ومالي بعد هذا الرأس أي مالي بعد ذهاب هذا الرأس رأس آخر، وهذا من أحسن ما قيل في الجبن. المعنى: يقدمني الأمير إلى البراز، وليس ذلك بنصح وإن أطعته هلكت.
(٢)
وقالت امرأة وهي حميدة بنت النعمان بن بشير الأنصارية:
[ ٣ / ٣٧٦ ]
(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)
فقدت الشيوخ وأشياعهم وذلك من بعض أقواليه
وذلك بعض أقواليه أي ليس دعائي على الشيوخ كلهم فقدتهم بل أدعو عليهم بغير هذا، وهذا بعض دعواني عليهم، والهاء للاستراحة.
ترى زوجة الشيخ مغمومة وتمسي لصحبته قاليه
فلا بارك الله في عرده ولا في غصون استه الباليه
قولها ترى زوجة الشيخ لأن النساء يكرهن الهرم، في عرده أي في ذكره، لأن متاع الشيخ يلين ولا يقضي نهمة النساء. المعنى: تدعو على الشيخ بالهلاك، وتذكر أن زوجته لا تفرح وتبغضه وتشتم متاع الشيخ وشنج دبره.
فإن دمشق وفتيانها أحب إلينا من الجاليه
ويروى "لعمري دمشق" كانت هذه المرأة تزوجت شابا فاستطابت عيشها معه ثم طلقها وتزوجت شيخا من أهل المدينة فلم تحمد صحبته، والجالية الغرباء واحدهم جال.
نكحت المديني إذ جاءني فيالك من نكحة غاليه
له ذفر كصنان التيو س أعيا على المسك والغاليه
أي كانت تزويجة خاسرة غالية لأنه لم يكن مشاكلا لي. المعنى: تقول: دمشق وفتيان دمشق أحب إلينا من الغرباء، ثم أظهرت الندم على نكاح المدني ورمته بشدة الصنان.
(٣)
وقال آخر:
(من العروض الثانية من السريع والقافية من المترادف)
[ ٣ / ٣٧٧ ]
من أينا تضحك ذات الحجلين
أبدلها الله بلون لونين
سواد وجه وبياض عينين
الحجلان: الخلخالان، يقول داعيا عليها: جعل لون واحد منها لونين أراد البياض في العين ولمع السواد في الوجه فلما كان اللون ينتظم البياض والسواد وغيرهما بين مراده بقوله: سواد وجه وبياض عينين على إضمار أعني، المعنى: يدعو عليها بالعمى وتسويد الوجه.
(٤)
وقال أبو الخندق الأسدي، وطلق امرأته فقالت له أبعد صحبة خمسين سنة تطلقني فقال: مالك عندي ذنب غيره:
أعوذ بالله من ليل يقربني إلى مضاجعة كالدلك بالمسد
لقد لمست معراها فما وقعت مما لمست يدي إلا على وتد
في كل عضو لها قرن تصك به جنب الضجيع فيضحي واهي الجسد
معراها: جسدها، شبه نتوء العظام منها بالأوتاد، وتصك تضرب، واهي الجسد ضعيف البدن، يصفها بالهزال وشخوص العظام، وشبه ما نتأ من عظمها بالقرون والأوتاد.
(٥)
وقال بعض بني أسد، ومر بأبي العلاء العقيلي، يفلي ثيابه:
[ ٣ / ٣٧٨ ]
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
وإذا مررت به مررت بقانص متشمس في شرقة مقرور
متشمس: قاعد في الشمس، والشرقة موضع تطلع عليه الشمس، ومقرور أصابه البرد.
للقمل حول أبي العلاء مصارع من بين مقتول وبين عقير
وكأنهن لدى دروز قميصه فذ وتوءم سمسم مقشور
الدروز جمع درز، والفذ الفرد، شبه القمل بالسمسم المقشور وأبدع في ذلك، المعنى: يهجوه بقتل القمل، وشبه القمل في دروز قميصه بالسمسم المقشور.
ضرج الأنامل من دماء قتيلها حنق على أخرى العدو مغير
ضرج الأنامل أي محمر أطراف الأصابع، وقد ضرجت الثوب صبغته بحمرة.
(٦)
وقال بعض الحجازيين، إسلامي:
(الأول من الخفيف والقافية من المتواتر)
خبروها بأنني قد تزوجـ ـت فظلت تكاتم الغيظ سرا
ثم قالت لأختها ولأخرى جلدا ليته تزوج عشرا
[ ٣ / ٣٧٩ ]
وأشارت إلى نساء لديها لا ترى دونهن للسر سترا
ما لقلبي كأنه مني وعظامي إخال فيهن فترا
عشر أي عشر نسوة، تظهر الجلادة وقلة الغيرة. المعنى: يخبر عن تجلد امرأته لما خبرت بأنه قد تزوج، وصف تجلدها وإظهار قلة المبالاة بقوله: ليته إلخ، وقوله: لا ترى دونهن أي لا تعتقد. ثم أخبر بأنها باحت بسرها عند بعض نسائها وأخبرتهن لما لحقها من الغم والفتور بتزوج زوجها.
(٧)
وقال آخر، إسلامي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
جزى الله عنا ذات بعل تصدقت على عزب حتى يكون له أهل
فإنا سنجزيها بما فعلت بنا إذا ما تزوجنا وليس بها بعل
أفيضوا على عزابكم بنسائكم فما في كتاب الله أن يحرم الفضل
يتماجن هذا الشاعر ويسأل النساء المتزوجات التصدق بأنفسهن على من لا زوج له، ويعدهن المكافأة بمثل ذلك إذا خلون من الأزواج، وقوله أفيضوا على عزابكم أي وسعوا ولا تضايقوهم في نسائكم وتفضلوا بذلك، فما في كتاب الله أن يحرم الفضل يعني قوله تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم). المعنى: تعدى المجون إلى الجنون في قوله: أفيضوا على عزابكم، قال: أخبرني أبو عبد الله
[ ٣ / ٣٨٠ ]
الحمداني عن أبي رياش قال: ورد أعرابي البصرة فحضر الجامع ورأى المؤذنين يؤذنون فقال ما لهؤلاء يصيحون؟ ولم يعرف الآذان فقال له بعض المجان: كل من كان في قلبه شيء فصعد وباح بما في قلبه أعطي مناه، فقال الأعرابي: إني والله صاعد إذا فقال الماجن لنقيب المؤذنين هذا أعرابي جيد الأذان يريد أن يؤذن فقال: ليصعد وكان جهير الصوت ورفع صوته بهذه الأبيات، فعدا الناس عليه وطرحوه من المنارة، فهلك فسمع بعض نساء البصرة تقول: رحم الله ذلك المؤذن ما كان أطيب أذانه.
(٨)
وقال آخر:
(من مشطور الرجز والقافية من المتدارك وفيها من المتراكب)
أنشد بالله وبالدلو الخلق
يا رب من أحسها ممن صدق
فهب له بيضاء بلهاء الخلق
ومن نوى كتمان دلوي فاحترق
وابعث عليه علقا من العلق
إن لم يصبحه بما ساء طرق
[ ٣ / ٣٨١ ]
وبات في جهد بلاء وأرق
وهب له ذات صدار منخرق
مشؤومة تخلط شؤما بخرق
هذا الرجل سرقت له دلو، بلهاء الخلق أي ليست مجربة مناعة ولكنها يمكن أن تخدع، ثم دعا على من علم بدلوه فلم يخبره بها فقال: فاحترق يعني بالنار، وقوله: علقا أي مكروها، يعلق به ولا يتخلص منه، والعلق ضرب من الدود، إن لم يصبحه أي إن لم يجئه صباحا بالسوء جاءه ليلا، وقوله ذات صدار: امرأة تلبس الصدار من الثياب، وهو ما غطى الصدر أي منخرق، ليست بصناع، أي مع شؤمها خرقاء فلا تتهذب في أخلاقها ولا تترفق في أفعالها. المعنى: يدعو الله على من كتم دلوه أن يهب له امرأة خرقاء، فضيحة مشؤومة.
(٩)
وقال أعرابي:
(من العروض الرابعة من السريع والقافية من المتواتر)
كأن خصييه إذا تدلدلا
أثفيتان تحملان مرجلا
كأن خصييه إذا ما جبا
دجاجتان تلقطان حبا
[ ٣ / ٣٨٢ ]
جبا انحنى، وقيل قام على أربع في الاحتراش. المعنى: امرأة تهزأ بزوجها وتصفه بالأدرة، وتشبه خصييه لعظمهما بدجاجتين عند لقط الحب.
(١٠)
وقال آخر:
[من مشطور الرجز والقافية من المتدارك]
كأن خصييه من التدلدل
سحق جراب فيه ثنتا حنظل
التدلدل الاضطراب. المعنى: يصفه بالأدرة، وشبه الصفن بجراب خلق والبيضتين بحنظلتين، ثنا حنظل يريد حنظلتين إلا أنه أخرج التثنية على الاصلاح.
(١١)
وقال آخر:
(من مشطور الرجز والقافية من المتدارك)
وفيشة زين وليست فاضحه
نابلة طورا وطورا رامحه
[ ٣ / ٣٨٣ ]
على العدو والصديق جامحه
من لقيت فهي له مصافحه
تسد فرج القحبة المسافحه
مفسدة لابن العجوز الصالحه
كأنها صنجة ألف راجحه
قوله: نابلة طورا إلخ يعني في استوائها كأنها النبل مرة وكأنها ذات رمح لامتدادها، وقوله من لقيت أي لا تعرض عمن كان، ويروى "فهي مصالحة" وقوله مفسدة لابن العجوز أي مفسدة لمن كانت له مثلها، يطالب بالفجور ويدعو إلى الفساد، وشبه الفيشة بصنجة الألف لأنها نهاية العقود. المعنى يصف فيشة بالشدة والطول والغلظ كما وصفنا.
(١٢)
وقال آخر:
(من العروض الرابعة من السريع والقافية من المتواتر)
وفيشة ليست كهذي الفيش
قد ملئت من خرق وطيش
إذا بدت قلت أمير الجيش
من ذاقها يعرف طعم العيش
قلت أمير الجيش: لاعتلائه ولفضله. المعنى: يصف متاعه بالخرق والعجلة والاعتلاء واللذة.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
(١٣)
وقال سحيم الفقعسي:
[الأول من الطويل والقافية من المتواتر]
لا أكتم الأسرار لكن أنمها ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي
وإن قليل العقل من بات ليلة تقلبه الأسرار جنبا على جنب
أجود المعنى: أفشي السر ولا أحمل الضجر بكتمانه.
(١٤)
وقال آخر:
[الثاني من الطويل والقافية من المتدارك]
فجاءوا بشيخ كدح الشر وجهه جهول متى ما ينفد السب يلطم
كدح خدش. المعنى: يصف شيخ سوء جاهلا يعقب السب الضرب.
(١٥)
وقالت قابلة لامرأة تسمى سحابة وقد ضربها المخاض وهي تطلق على يديها:
[من مشطور الرجز والقافية من المتواتر]
أيا سحاب طرقي بخير
وطرقي بخصية وأير
ولا تريني طرف البظير
المعني تقول: ائتيني بولد ولا تأتيني بأثنى.
[ ٣ / ٣٨٥ ]
(١٦)
وقال آخر:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
فإنك إن ترى عرصات جمل بعاقبة فأنت إذا سعيد
لها عينان من أقط وتمر وسائر خلقها بعد الثريد
المعنى: يقرب أن يكون هذا الشاعر صريع الجوع، فشبه حبيبه بأشهى ما كان لديه.
(١٧)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أنخ فاصطبغ قرصا إذا اعتادك الهوى بزيت كما يكفيك فقد الحبائب
إذا اجتمع الجوع المبرح والهوى نسيت وصال الآنسات الكواعب
أي اجعل إدام خبزك زيتا، والصباغ الإدام، اعتادك الهوى أي عاودك، كما يكفيك أي كيما يكفيك وهي لغة طيء. المعنى: هذا أسير الجوع يقول: إذا عاودك العشق فكل الخبز بالزيت كي تنسى من لذة الطعام وحشة الهوى.
(١٨)
وقال آخر:
[الثالث من الطويل والقافية من المتواتر]
[ ٣ / ٣٨٦ ]
كأن ثناياها وما ذقت طعمها لبا نعجة سوطته بدقيق
رمتني بسهم الحب أما قذاذه فتمر وأما ريشه فسويق
سوطته: خلطته وضربته، والقذاذ جمع قذة وهي الريش، وقد فرق بينهما، وقيل: إنه غلط في ذلك، المعنى: هذا رهين الجوع شبه حبيبه وما لحقه منه بما كان يتمناه من الطعام والشراب.
(١٩)
وقال آخر:
[الثالث من الطويل والقافية من المتواتر]
وما العيش إلا نومة وتشرق وتمر كأكباد الجراد وماء
التشرق القعود في المشرقة، وتمر كأكباد الجراد يعني رقيق القشر، ويقال في لونها، المعنى يقول: ما العيش إلا نوم ودفء وأكل وشرب.
(٢٠)
وقال آخر:
[الثالث من الطويل والقافية من المتواتر]
ألا رب خود عينها من خزيرة وأنيابها الغر الحسان سويق
الخزيرة حساء من دقيق، هذا قتيل الجوع فشبه حبيبته بما كان أشهى إليه.
[ ٣ / ٣٨٧ ]
(٢١)
وقال آخر:
[من مشطور الرجز والقافية من المتدارك]
قامت تمطى والقميص منخرق
فصادف الخرق مكانًا قد حلق
كأنه قعب نضار منفلق
قد حلق يعني ركبها وهو فوق الفرج، وهو العانة أو شعر العانة، والنضار خشب الشمشار. المعنى: يصف جارية تبخترت في قميص فبدت سوءتها.
(٢٢):
وقال بلال بن جرير:
[الأول من الطويل والقافية من المتواتر]
وعكلية قالت لجارة بيتها إذا العير أدلى حبذا مثل ذا علقا
يروى "ذا علقا وذا عرقا". المعنى: يصف امرأة مغتلمة رأت حمارا أدلى غرموله فأعجبها.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
(٢٣)
وقال آخر:
[الثالث من الطويل والقافية من المتواتر]
إذا اجتمع الجوع المبرح والهوى على العاشق المسكين كاد يموت
المعنى: يقول إذا عشق المسكين قرب هلاكه، فقتله الجوع من وجه والهوى من وجه، ولا يساعده من يهواه لفقره.
(٢٤)
وقال آخر:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
وأبغض الضيف ما بي جل مأكله إلا تنفجه حولي إذا قعدا
ما زال ينفخ جنبيه وحبوته حتى أقول لعل الضيف قد ولدا
التنفج التوسع. يقول: إني لأبغض الضيف لا لأجل ما يأكله لأني سخي، ولكن لسوء أدبه وتوسعه في القعود كما تقعد المرأة عند الولادة.
(٢٥)
وقال آخر:
[الثالث من الطويل والقافية من المتواتر]
وإنا لنجفو الضيف من غير عسرة مخافة أن يضرى بنا فيعود
[ ٣ / ٣٨٩ ]
يعود يعتاد، المعنى: يروى أن الأصمعي كان يقول: هذا البيت على مذهب الإحسان وخالفه فيه غيره فتحاكما إلى عبد الله بن الطاهر فحكم على الأصمعي على معنى أنه يريد لا نبالغ في بر الضيف ولا نتكلف له لئلا يحتشم، ولكن نقدم إليه بعض ما يحضر ليأنس فيكثر زيارتنا ثم نوفيه حق إكرامه بعد ذلك، وقال مخافة أن يضرى يريد أنه لا يضرى كقوله تعالى: "يبين الله لكم أن تضلوا" قال: "والصواب عندنا ما قاله الأصمعي، وإليه ذهب أبو تمام، ولهذا ضمنه باب الملح ويدل عليه بعده، والدليل على هذا أن عادة أهل المروءة ان يتكلفوا للضيف ابتداء ليعرف محله عندهم، فإذا زالت الحشمة ووقعت الأنسة، واستحكمت الصداقة تركوا التكلف.
(٢٦)
وقال أعرابي نظر إلى جارية سوداء تختضب وتكتحل:
[الأول من الكامل والقافية من المتدارك]
تخضب كفا بتكت من زندها فتخضب الحناء من مسودها
كأنها والكحل في مرودها تكحل عينيها ببعض جلدها
بتكت أي قطعت أي كفًا مستحقة لأن يدعي عليها بالقطع، المعنى: هذه الأبيات في ذم السود.
(٢٧)
وقال أعرابي ودخل ابنه الحمام فأحرقته النورة، واسمه عبيد بن قرط الأسدي، واسم ابنه قرط:
[الثاني من الطويل والقافية من المتدارك]
لعمري لقد حذرت قرطا وجاره ولا ينفع التحذير من ليس يحذر
نهيتهما عن نورة أحرقتهما وحمام سوء ماؤه يتسعر
[ ٣ / ٣٩٠ ]
فما منهما إلا أتاني موقعا به أثر من مسها يتقشر
أجدكما لم تعلما أن جارنا أبا الحسل بالصحراء لا يتنور
ولم تعلما حمامنا ببلادنا إذا جعل الحرباء بالجذل يخطر
المعنى: يصف تحذيره قرطا وصاحبه ألا ينتارا، وتعديهما في ذلك حتى أحرقتهما النورة، وقوله موقعا أي به أثر، وأجدكما أي بجد منكما لا يتنور: لا يستعمل النورة، وإنما قال جارنا لأنه يسكن السدر، وقوله: ولم تعلما البيت يعني الشمس لأن العرب تقول: الشمس حمامة العرب، ويخطر أي يتحرك.
المعنى: لا مهما وقصر بهما عن رتبة الضب في العلم، لأن النورة لا تستعمل، وعن الحرباء لأن الحمام لا يؤثر على الشمس.
(٢٨)
وقال آخر:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
ألا فتى عنده خفان يحملني عليهما إنني شيخ على سفر
أشكو إلى الله أحوالًا أمارسها من الجبال وأني سيء البصر
إذا سرى القوم لم أبصر طريقهم إن لم يكن لهم ضوء من القمر
جعل الحفى كالرجلة، وليس الخف كركوب الظهر، فلهذا قال: يحملني عليهما، إنني شيخ على سفر، لأن الشيخ أحوج إلى الخف من الشاب، والمسافر أحوج إلى الحذاء من المقيم، لأن الشيخ أحوج غلى الخف من الشاب، والمسافر أحوج إلى الحذاء من المقيم، ويروى "إن لم يكن لهم موم إلى القمر" أي مشير.
المعنى: يطلب خفين ويذكر شدة حاجته إليهما لشيخوخته وسفره وسوء بصره.
(٢٩)
وقالت امرأة:
[ ٣ / ٣٩١ ]
(من العروض الرابعة من السريع والقافية من المتواتر)
سبي أبي سبك لي بصيره
إن معي قوافيا كثيره
ينفج منها المسك والذريره
قال بعضهم: بصيرة اسم امرأة، تريد يا بصيرة، وسبك لي أي أنا مالكة لسبك إن سببت أبي، وهذا غلط والصواب عندنا والله أعلم، بصيرة لي أي حجة، تقول الساب مبتدئا مذموم، فإذا كان مكافئا لم يستحق الذم، تقول: إن سبك حجة لي في مجازاتك والانتقام منك، ولا ألام على سبك ويحتمل أن يكون سبك لي بصيرة بصر لأنك تسبين بما فيك من العيوب فأستبصر معايبك، وقولها: إن معي إلخ أي معي قواف تستطاب لجودتها كما تستطاب رائحة المسك، وما قاله بعضهم أنها تهزأ فليس بشيء. المعنى: تستخف بصاحبتها، وتهددها بشعرها.
(٣٠)
وقالت أخرى:
(من العروض الرابعة من السريع والقافية من المتواتر)
إن أباك "زهدق" دقيق
لا حسن الوجه ولا عتيق
تضحك من طرطبه العنوق
[ ٣ / ٣٩٢ ]
(وزهدق) ضعيف، بخيل، ودقيق أي هزيل، ولا عتيق أي ليس بحسن، تضحك من طرطبه أي كثير الضراط حتى أن العنوق تضحك منه تعجبا، والعنوق الجداء واحدها عناق، وطرطبه لقبح نغمته، وهو الطرطبة يعني صوت الراعي. المعنى: ترمي أباها بالشح والدقة وقبح الصورة على ما بينا.
(٣١)
وقالت الأخرى:
(من مشطور الرجز والقافية من المتدارك)
يا رب من عادى أبي فعاده
وارم بسهمين على فؤاده
واجعل حمام نفسه في زاده
عاده أي أهلكه، فارم بسهمين على فؤاده، أي بالقلاب، اجعل موته في زاده أي في طعامه.
(٣٢)
وقالت أم النحيف وهو سعد بن قرط، وكان تزوج امرأة نهته أمه عنها، وهو أحد بني جذعة، والنحيف تصغير النحف:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لعمري لقد أخلفت ظني وسؤتني فحزت بعصياني الندامة فاصبر
ولا تك مطلاقا ملولا وسامح الـ قرينة وافعل فعل حر مشهر
فقد حزت بالورهاء أخبث خبثة سترمي بها في جاحم متسعر
[ ٣ / ٣٩٣ ]
فكم من كريم قد مناه إلهه بمذمومة الأخلاق واسعة الحر
فطاولها حتى أتتها منية فصارت سفاة جثوة بين أقبر
فأعقب لما كان بالصبر معصمًا فتاة تمشى بين اتب ومئزر
مهفهفة الكشحين محطوطة المطا كهم الفتى في كل مبدى ومحضر
لها كفل كالدعص لبده الندى وثغر نقي كالأقاحي المنور
مطلاق: كثير التطليق. المعنى: هذه المرأة تعاتب ابنها على نكاحه من نهته عنها، وتأمره بالصبر عنها إلى أن يخلصه الله منها، والورهاء الحمقاء، مناه الله أي ابتلاه ربه، فطاولها أي داراها، ولزمها طويلا حتى أتتها منية، فصارت سفاة أي ترابا، جثوة أي حجارة مجموعة، تعني: دفنت فلم ير من آثارها إلا قبرها، والأقبر جمع القبر، وقولها: فأعقب الخ تعني أعطي عقيبها فتاة تمشى أي تتمشى بين اتب وهو ثوب لا كم له، وصفتها بالتأهب والخدمة وأخذ لباس العفة، ومعصما أي ممسكا ومحطوطة المطا أي ملساء الظهر، كأن ظهرها حط بالمحط، وهو ما يصقل به الثوب، وقولها: كهم الفتى كما يهم الفتى، والمنور الذي خرج نوره. المعنى: تصبره وتقول لعل الله يعوضك عنها امرأة عفيفة حسناء محمودة الخلائق، وتنهاه عن الطلاق.
(٣٣)
وقال أبو الطمحان وحلقه صاحب شرطة يوسف بن عمر بن هبيرة الفزاري:
[ ٣ / ٣٩٤ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وبالحيرة البيضاء شيخ مسلط إذا حلف الأيمان بالله برت
لقد حلقوا منها غدافا كأنه عناقيد كرم أينعت فاسبكرت
وظل العذارى يوم تحلق لمتي على عجل يلقطنها حيث خرت
الحيرة: مدينة وصفها بالبياض أراد حسن العمارة، وقوله: إذا حلف الأيمان
[ ٣ / ٣٩٥ ]
يريد أنه كان قد حلف أن يحلق لمته فحلقها. المعنى: يصف صاحب الشرطة ابن هبيرة وجفاءه وتصميمه عليه، وقوله: اسبكرت أي طالت، شبه لمته بعناقيد العنب في جعودتها، المعنى: يذكر أنه حلقت لمته سوداء جعدة وأن الجواري لقطنها ليصلن شعورهن، ويروى "حيث جزت".
تمت الملح
[ ٣ / ٣٩٦ ]