الهجاء هو الوقيعة في الإنسان، ورميه بالمعايب، وأصله التسكين يقال: هجا جوعه إذا سكن، والشاعر إذا هجا فكأنه إذا رمى الإنسان بالعيوب سكن من إشراقه وقصر منه، وقيل هجا بمعنى فصل فكأنه فصله ومزقه.
(١)
وقال موسى بن جابر الحنفي، موسى مفعل من أوسيت الرأس، وجابر من جبرت:
«الأول من الكامل والقافية من المتدارك»
كانت حنيفة لا أبالك مرة عند اللقاء أسنة لا تنكل
لا أبالك اعتراض بالدعاء، ومعناه هلك أبوه، ولا يريدون به الإيقاع.
المعنى يقول: إن بني حنيفة تثبت في الحرب ولا تفر.
فرأت حنيفة ما رأت أشياعها والريح أحيانًا كذاك تحول
المعنى يقول: رأت حنيفة ما رأت أصحابها من الجبن والخور فاقتدت في الهزيمة، وتحولت من عادتها المحمودة، وشبه تحولهم بتحول الريح مرة جنوبًا ومرة شمالًا.
[ ٣ / ١٧٠ ]
وقال قراد بن حنش الصاردي، قراد واحد القردان، وحنش: حية تنفخ ولا تؤذين والصارد النافق.
«الثاني من الطويل والقافية من المتدارك»
لقومي أدعى للعلا من عصابة من الناس يا حار بن عمرو تسودها
وأنتم سماء يعجب الناس رزها بآبدة تنجي شديد وئيدها
العصابة: جماعة من الناس، أنتم سماء أي سحاب، رزها يعني صوت رعدها، والآبدة الشديدة، وقوله: تنجي شديد وئيدها أي توحش وتبعد، ويروى "زجل باق".
تقطع أطناب البيوت بحاصب وأكذب شيء برقها ورعودها
فويل لها خيلًا بهاء وشارة إذا لاقت الأعدهاء لولا صدودها
معنى الأبيات الأربعة يقول: نحن أولى بالعلا من قومك لأنه لا غناء عندك، مع تقدير الناس ذلك فيكم، وشبههم بسحاب ذي رعد وبرق وريح عاصف ولا يكون منها مطر، ثم يهزأ بهم، بأن عجب من حسن هيئتهم لولا جبنهم من العدو.
(٣)
وقال عملس بن عقيل المري، العملس الذئب، إسلامي:
[ ٣ / ١٧١ ]
«الثاني من الطويل والقافية من المتواتر»
من مبلغ عني عقيلًا رسالة فإنك من حرب علي كريم
ألا تذكر الأيام إذ أنت واحد وإذ كل ذي قربي إليك مليم
وإذ لا يقيك الناس شيئًا تخافه بأنفسهم إلا الذين تضيم
إذ أنت واحد أي واحد لا نصير لك، ويروى "ألا تعلم الأيام"، وقوله: إذ لا يقيك البيت يقول: أتذكر إذ كنت مخذولًا، ولم ينصرك ولم يدفع عنك بنفسه إلا الذين تظلمهم الآن. المعنى: يذكر عقيلًا أيام خذلان الناس إياه، وتحامل أقاربه عليه إلا طائفة منهم، وهو يسيء إليهم لما استقام أمره، ويحسن إلى غيرهم، ويوبخه على ذلك.
أترفع وهي الأبعدين ولم يقم لوهيك بين الأقربين أديم
المعنى: يقول: تصلح أمور الأجانب، وتترك أمور عشيرتك فاسدة وهي أولى بالصلاح.
فأما إذا عضت بك الحرب عضة فإنك معطوف عليك رحيم
لم يسمع رحيم بمعنى مرحوم في غير هذا البيت. المعنى يقول: إذا اشتدت بك الحرب، وكان عدوك يغلبك رحمناك ودفعنا عنك.
وأما إذا آنت أمنًا ورخوة فإنك للقربى ألد خصوم
المعنى يقول: إذا أنت أمنت وأخصبت عاديت أقاربك، ويصفه بسوء الخلق وعدم الكرم.
[ ٣ / ١٧٢ ]
وقال أرطاة بن هية يهجو أبا التائب بن البعير المحاربي، إسلامي:
«الثاني من الطويل والقافية من المتدارك»
تمنت وذاكم من سفاهة رأيها لأهجوها لما هجتني محارب
معاذ الإله أنني بعشيرتي ونفسي عن ذاك المقام لراغب
المعنى: يهجو محاربًا بأنه لا يهجوها للؤمهم، وكانوا لا يرون مجاوبة من لا يكافئهم نفعًا عنه، وربما تركوا مفاوضة اللئيم.
(٥)
وقال زميل بن أبير، وزميل تصغير زمل وهو الضعيف:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك»
إني امرؤ أطوي لمولاي شرتي إذا أثرت في أخدعيك الأنامل
[ ٣ / ١٧٣ ]
أي أكف عنه شرتي، وتأثير الأنامل يريد به الصفع، وقيل تأثيره في أخدعيه أنه يخاصم ابن عمه، ويتعلق كل واحد منهما بالآخر وهذا أولى، كأنه يقول: أنا أكف شرتي عن ابن عمي وأنت تخاصمه.
خلقت على خلق الرجال بأعظم خفاف تطوي بينهن المفاصل
تطوي بينهن المفاصل يقول: من قلة لحمي وخفة أعضائي تنثني مفاصلي بين عظامي، والعرب تتمدح بقلة اللحم وتذم السمن.
وقلب جلت عنه الشؤون وإن تشأ يخبرك ظهر الغيب ما أنت فاعل
جلت عنه زالت، وأراد بالشؤون الهموم، وقيل معناه انكشفت عنه الشؤون لذكائه فلا يلتبس عليه شأن، فإذا ظن شيئًا لم يخطئ فيه، وهذا أولى لما بعده.
المعنى: يمدح نفسه بكف الشر وخفة الخلق وذكاء القلب، ويهجو صاحبه بمنازعة ابن العم.
ولست بربل مثلك احتملت به عوان نأت عن فحلها وهي حافل
الربل قد فسر على وجهين: أحدهما أن الربل الضخم، واحتملت به أي حملت بمعنى حبلت، ويروى "احتلمت به" من حلم النوم، عن فحلها أي عن زوجها، وهي حافل يقال ضرع حافل إذا اجتمع اللبن فيه، وأراد ها هنا اجتماع مني الرجل في الرحم، وابن أحلام النيام كناية عن الفجور، يعني جاء ولد الزنا كأنه نام فحلها فزنى بها فحملت وفحلها نائم، وينتسب الولد إلى الفحل وهو لغيره، فلهذا قال ابن أحلام النيام، فالمعنى على هذا التفسير لست ضخمًا مثلك ملت به امرأة بعدت عن زوجها وقد اجتمعت ما شهوتها فقارفت فجورًا فجئت لغير رشدة. والوجه الآخر، ولست بربل مثلك احتملت به حصان نأت عن فحلها وهي حافل، والربل من النبات ما يستغنى عن المطر وينفطر بالندى أو برد الليل، وأراد بالنأي هنا الطلاق فكنى عنه، يقول: ولدتك أمك من غير ذكر كالربل الذي ينبت من غير
[ ٣ / ١٧٤ ]
مطر، ووصف أمه بالحصن ليؤكد أنه ولد من غير والد كبيضة التراب، وذكر أن أمه طلقت وهي حائض توكيدًا لذلك لئلا يلحق بالرجل الذي كانت أمه تحته، والمراد أنه ليس له أصل ولا أب ينسب إليه.
فجئت ابن أحلام النيام ولم تجد لصهرك إلا نفسها من تباعل
معنى هذا البيت قد تقدم أكثره في شرح قوله: "ولست بربل" وقوله: ولم تجد لصهرك، أي لم تجد أنت إلا نفس أمك من تناكحه وتباعله لأنه لا يناكحك أحد لخساستك وعدم نسبك، المعنى: يقول: لا أصل له ولا نسب.
(٦)
وقال زميل لخارجة بن ضرار المري:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك»
أخارج هلًا إذ سفهت عشيرة كفنت لسان السوء أن يتدعرا
سفهت عشيرة أي جهلت حقهم عليك، والتدعر سوء الخلق من العود الدعر وهو الكثير الدخان، ومنه الدعارةن ورجل داعر خبيث مؤذ.
وهل كنت إلا حوتكيًا ألاقه بنو عمه حتى بغى وتجبرا
الحوتكي: القصير الميم، ألاقه: ألزقه وخلطه بأنفسهم. المعنى: يهجوه بالدمامة والضآلة، وأنه لما قبل وأحسن إليه تكبر، ووبخه على بذاءة لسانه.
فإنك واستضاعك الشعر نحونا كمستضيع تمرًا إلى أهل خيبرا
[ ٣ / ١٧٥ ]
المعنى: يجهله في تشبيه الشعر فيهم، ويقول: نحن معدن الشعر، ومنا يؤخذ كما أن خيبر معدن التمر، فقد أخطأت في قيلك الشعر فينا والمثل الأشهر كمستبضع التمر إلى هجر".
(٧)
وقال عمارة بن عقيل، إسلامي:
«الثاني من الطويل والقافية من المتراكب»
بني منقذ لا آمن الله خوفكم وزادكم ذلًا ورقة جانب
فمن يرتجيكم بعد نائلة التي دعت ويلها لما رأت ثأر غالب
أي جعل الله خوفكم أمنًا، ورقة جانب ضعفًا، ونائلة اسم امرأة قتل أباها وأخاها قاتل فدعت بالويل فلم يغيثوها فرأت القاتل تزوج منها، فهذا معنى تقوله دعت ويلها نائلة.
دعته وفي أثوابها من دمائها خليطًا دم من ثوبه غير ذاهب
يعني: وفي أثواب زوجها خليطًا دم: دم العذرة ودم القتل غير ذاهب، ويروى "مهراقه غير ذاهب" والعرب تقول: دم فلان في ثوب فلان إذا كان قاتله. المعنى: يرميهم بالخور وقلة الحمية، والقعود عن طلب الثأر.
(٨)
وقال طرفة بن العبد، جاهلي:
[ ٣ / ١٧٦ ]
«الثاني من الطويل والقافية من المتواتر»
وفرق عن بيتيك سعد بن مالك وعمرًا وعوفًا ما تشي وتقول
وأنت على الأدنى شمال عرية شامية تروي الوجوه بليل
وأنت على الأقصى صبًا غير قرة تذاءب منها مرزغ ومسيل
عرية: باردة، شامية تأتي من جهة الشام، تذاءب منها أي جاء من كل وجه، مرزغ ومسيل: أي مطر يرزغ الأرض ويسيل السيل، والرزغة: الوحل القليل. المعنى يذمه يقول: أنت مسيء إلى الأقارب محسن إلى الأباعد كالصبا. تسوق السحاب من كل وجه ويمطر حتى يكثر المطر ويكون منه الوحل.
وأعلم علمًا ليس بالظن أنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل
يقول: أنت تجفو أبناء أعمامك، وكل ما لحقهم فقد لحقك، فإنما الناس بمواليهم.
وإن لسان المرء ما لم تكن له حصاة على عوراته لدليل
أي عقل وثبات في الأمور ورزانة، ومنه الحصا لصلابتها وثباتها، والعورات العيوب، يضع منه. المعنى: إذا لم يكن الرجل عاقلًا دل لسانه على عيوبه.
(٩)
وقال بشر بن أبي جذيمة بن الحكم بن مروان بن زنباع بن جذيمة العيسي:
[ ٣ / ١٧٧ ]
«الثالث من الطويل والقافية من المتواتر»
أتخطر للأشراف يا قرد حذيم وهل يستعد القرد للخطران
الخطران: تحريك الفحل الذنب، وقد سمى من هجاه قردًا، وقال: لم تحرك ذنبك للأشراف أي لم تروم مصاولتهم وأنت بمنزلة الفرد.
أبى قصر الأذناب أن تخطروا بها ولؤم بني قرد بكل مكان
لقد سمنت قعدانكم آل حذيم وأحسابكم في الحي غير سمان
بنو قرد نبزوا به، والقعدان جمع قعود، وهو الذي يتخذ مركبًا. المعنى: يصفه بالخسة، ويشبهه بالقرد، ويستقصره عن مساواة أهل الكرم، ويصف قومه بإكرام المال وإضاعة حقوق الضيف والجار.
(١٠)
وقال فرعان بن الأعرف في منازل ابنه، إسلامي:
«الثاني من الطويل والقافية من المتواتر»
جزت رحم بيني وبين منازل جزاء كما يستنزل الدين طالبه
[ ٣ / ١٧٨ ]
تربيته حتى إذا آض شيظمًا يكاد يساوي غارب الفحل غاربه
تغمد حقي ظالمًا ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه
منازل ابن هذا الشاعر، تربيته ربيته ويروى "لربيته" وآض شيظمًا أي صار جسيمصا، ولوى يدي أي ثناها. المعنى: يستجزي الرحم ولده على ما كان منه إليه، ثم شرح ذلك وذكر أنه رباه حتى إذا تم شبابه وقامته وضعف أبوه وكل بصره جاز ماله ولوى يده، ثم سأل الله تعالى أن يكافئه عن لي يده بمثل ذلك.
ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁ مر برجل ملوي اليد فقال له عمر: ما بال يدك ملوية؟ قال: كان لي أب كثير المال في الجاهلية فسألته ماله فأبى فلما كبر لويت يده وانتزعت عنه ماله فدعا علي بهذا الشعر فأصبحت يا أمير المؤمنين ملوي اليد فقال عمر ﵁ هذا دعاء الأباء في الجاهلية فكيف في الإسلام.
[ ٣ / ١٧٩ ]
(١١)
وقال عارق الطائي يهجو المناذرة، العارق من عرق العظم إذا أخذ ما عليه من اللحم.
«الثاني من الكامل والقافية من المتواتر»
والله لو كان ابن جفنة جاركم لكسا الوجوه غضاضة وهوانا
وسلاسلًا يثنين في أعناقكم وإذا لقطع منكم الأقرانا
الجار هنا المجير، ولقطع منكم الأقران أي فرق بينكم أسرًا وقتلًا، والأقران الحبال واحده قرن.
ولكان عادته على جاراته مسكًا وريطًا رادعًا وجفانا
أي كان يخلو بنسائكم ويعطيهن مسكًا وربطًا رادعًا أي مصبوغًا وجفانًا، أراد أعطاهن طعامًا. المعنى: يهجو ابن جفنة ويقول: لو كان جاركم لأهانكم وأفناكم قتلًا وأسرًا وخلا بنسائكم وأعطاهن ما تطيب نفوسهن عنكم به.
[ ٣ / ١٨٠ ]
(١٢)
وقال آخر لبني أسد، وهو مساور بن قيس، إسلامي:
«الأول من الوافر والقافية من المتواتر»
زعمتم أن إخوتكم قريش لهم الف وليس لكم الاف
أولئك أومنوا جوعًا وخوفًا وقد جاعت بنو أسد وخافوا
الإلف والإلاف في الأصل واحد، وهو الجمع بين الشيئين، والإلاف: مصدر من المؤالفة، أولئك يعني قريشًا أومنوا جوعًا وخوفًا. المعنى: يهجو بني أسد يقول: زعمتم أنكم مثل قريش فكيف تكونون مثلهم ولهم تجارة الشام واليمن وليس لكم، وقد أمنوا الجوع والخوف وأنتم جياع خائفون، يرميهم بالذلة.
(١٣)
وقال آخر، وهو قعنب بن أم صاحب:
«الأول من البسيط والقافية من المتراكب»
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحًا مني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
جهلًا على وجبنا عن عدوهم لبئست الخلتان الجهل والجبن
[ ٣ / ١٨١ ]
طاروا بها أي طيروها أي أسرعوا نشرها. المعنى: يستزيدهم بأنهم ينشرون ما سمعوا عنه من المساوئ، ويخفون ما يبلغهم منه من المحاسن، ويكرهون سماع الخير فيهم، ويعجبهم ذكرهم بالشر، يرميهم بالجهل عليه والجبن من عدوهم.
(١٤)
وقال منصور بن مسجاح الضبي:
ثأرت ركاب العير منهم بهجمة صفايا ولا بقيا لمن هو ثائر
يريد بالعير الرئيس، والهجمة: القطيع من الإبل، وصفايا جمع صفي وهي الغزيرة اللبن، وقوله: لا وبقيا لمن هو ثائر [أي طالب الثأر لا يبقى على ثأره إذا وجده].
من الصهب أثناء وجذعًا كأنها عذارى عليها شارة ومعاصر
أثناء: جمع ثني، عليها شارة أي هيئة، ومعاصر جمع معصر، وهي التي دنت من أن تحيض في خير أوقاتها، المعنى يقول: لما أغاروا على إبل رئيسنا أدركت ثأرها فأغرت على هجمة لهم غزار اللبن، وبين لونها وسنها وحسنها، ثم قال: طالب الثأر لا يبقى على ثأره إذا تمكن منه، يعني سقت الإبل لما وجدتها ولم أعرج على شيء.
فإن نلق من سعد هنات فإننا نكاثر أقوامًا بهم ونفاخر
لقد كان فيكم لو وفيتم لجاركم لحي ورقاب عردة ومناخر
[ ٣ / ١٨٢ ]
الهنات: أمور تؤذي، واللحى جمع لحية، وعردة غلاظ شداد، يقول: لم تكونوا صبيانًا بل أنتم أصحاب لحى، وكانت فيكم مناخر أي مواضع الحمية لو حميتم ووفيتم لجاركم. المعنى: يقول: إن كانت بيننا وبين سعد دفائن شحناء فإننا إذا جاءت الأمور العظام، وحقت الحقائق كنا يدًا واحدة، ثم عابهم في خذلان الجار.
(١٥)
وقال جواس بن نعيم الضبي لامرأة من بني عائذة بن مالك، وجواس فعال من جاس يجوس إذا وطئ البلاد وقتل أهلها، ونعيم تصغير نعم:
«الثالث من الطويل والقافية من المتواتر»
والله ما أخشى حكيمًا ورهطه ولكنما يخشى أباك حكيم
وروى البرقي في الرواية الصحيحة مكان "ولكنما يخشى أباك حكيم" "ولكنما يهواك أنت حكيم" ويروى "ولكنما يهوى أباك حكيم" قال جعل حكيمًا عاهرًا، رماها به، هذا إذا قلت "يهواك أنت حكيم" ولو قلت "ولكنما يخشى أباك حكيم" فمعناه لأنه منك بسبيل.
وجدت أباك تابعًا فتبعته وأنت لعهار الرجال لزوم
[ ٣ / ١٨٣ ]
تابعًا: أي يتبع الناس لذله وهوانه، ولزوم: دائمة اللزوم. المعنى: يرميها بمتابعة الزناة وملازمتهم، ولم يجعل لها من القدر ما يتبعها الزناة، ويرميها بحكيم ويذكر جبن أبيها.
على كل وجه عائذي دمامة يوافي بها الأحياء حين يقوم
الدمامة القبح، حين يقوم في مجالس الملوك ومواسم العرب، وإنما خص هذه المواضع لأن الناس يتزينون لها. المعنى: يهجوهم بقبح الوجه في مواضع التزين والتحسن.
وأورثهم شر التراث أبوهم قماءة جسم والرواء ذميم.
القماءة: الصغر والقصر، والرواء الوجه هاهنا، ويروى دميم وذميم والثاني أولى لأن الدمامة قد ذكرها من قبل. المعنى: يهجوهم بقباحة الوجه وحقارة الجسم عن أصل موروث يشمل القبح أسلافهم.
كأن خروء الطير فوق رؤوسهم إذا اجتمعت قيس معًا وتميم
قيل: إنه وصفهم بالذلة والخضوع وشبههم بمن على رأسه خروء الطير أي لا يقدرون على منع رؤوسهم لذلتهم، وهذا وجه، ولو قيل يريد وصفهم بالقذارة كان وجهًا، وقيل: إنهم موصوفون بالقرع. وشبه بياض قرعهم بخروء الطير وهو أبيض.
[ ٣ / ١٨٤ ]
متى تسأل الضبي عن شر قومه يقل لك إن العائذي ليئم
المعنى: جعل العائذي شر قبائله شهادة أصله.
(١٦)
وقال محرز بن المكعبر الضبي لبني عدي بن جندب بن العنبر، قال البزقي: وكان جارًا لبني عدي بن جندب بن عنبر بن عمرو بن تميم، فأغار ناس على إبله وساقوها فطلب إليهم أن يسعوا له، فوعدوه أن يفعلوا، فلما طال ذلك عليهم ورآهم لا يمنعون شيئًا أتى المخارق بن شهاب المازني وأخاه وهما من بني خزاعة، فسعيا له بابله فرادها عليه فقال:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
أبلغ عديًا حيث صارت بها النوى فليس لدهر الطالبين فناء
ويروى "حيث شطت بها النوى" وقوله: فليس لدهر الطالبين فناء يعني من طلب ثأرًا لا تفنى طلبته ما دام طالبًا إلى أن يدرك.
كسالى إذا لاقيتم غير منطق يلهى به المتبول وهو عناء
كسالى يعني رهط عدي، غير منطق يلهي به أي يعلل، والمتبول الذي أصيب بتبل، وقوله: وهو عناء يعني إذا لم يله فعل.
أخبر من لاقيت أن قد وفيتم ولو شئت قال المنبئون أساءوا
أي أنشر الجميل عنكم لئلا يذمكم الناس، وقوله: ولو شئت الخ أي لو شئت صدقت عن فعلكم بأنكم أضعتم فما وفيتم فيقول الذين أخبرهم أساءوا.
وإني لراجيكم على بطء سعيكم كما في بطون الحاملات رجاء
[ ٣ / ١٨٥ ]
المعنى: جعل رجاءه منهم على غير ثقة، لأن الراجي ما في بطون الحاملات يمتد به وقت الرجاء، ولا يكون على ثقة أذكر هو أم أنثى، أسليم أم سقيم.
فهلا سعيتم سعي أسرة مازن وهل كفلائي في الوفاء سواء
المعنى: يعنفهم على تقصيرهم في أمره يقول: هل كنتم مثل مخارق بن شهاب لما ضمن أمري ووفى به، وقوله: "وهل كفلائي أي ليس كفلائي متساوين في الوفاء لأنك لم تف ووفى مخارق.
لهم أذرع باد نواشر لحمها وبعض الرجال في الحروب غثاء
المعنى: يمدح عصبة بني مازن، وأعرض عن ذكر بني عدي فقال: لهم أذرع جمع ذراع، باد نواشر لحمها، النواشر: عصب ظاهر الذراع الواحدة ناشرة يريد أنهم خفاف من رجال الحروب وليسوا أرباب ترفه وتنعم، وقوله: بعض الرجال في الحروب غثاء لا يبعد أن يكون عرض بعدي ولم يصرح به، والغثاء القماش الذي يحمله السيل.
كأن دنانيرًا على قسماتهم وإن كان قد شف الوجوه لقاء
القسمات: الوجوه الواحدة قسمة لأنه موضع الحسن، وقوله: وإن كان قد شف البيت أي ذهبت الحرب بنضارتها لكثرة ممارستهم إياها، تقول: قد شفه الحزن إذا أذابه. المعنى: يعاقب عدي بن جندب في تقصيرهم في أمره، ونسبهم إلى الكسل والريث، وأشار إلى أن راجيهم غير واثق منهم بنجح، ويمدح مخارقًا ورهطه، ويذكر وفاء هم له، ووصفهم بخفة الأعضاء وحسن الوجوه.
(١٧)
وقال معدان بن عبيد بن عدي بن عبد الله بن خيبر بن رافلة الطائي
[ ٣ / ١٨٦ ]
المعنى. ومعن في باهلة ومعن في طيئ:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
عجبت لعبدان هجوني سفاهة أن اصطبحوا من شاتهم وتقيلوا
العبدان: جمع عبد، اصطحبوا من شاتهم أي شربوا لبن شاتهم بالغداة.
يقول:
شربوا فثارت بهم البطنة فهجوني.
بجاد وريسان وفهر وغالب وعوف وهدم وابن صفوة أخيل
فأما الذي يحصيهم فمكثر وأما الذي يطريهم فمقلل
بجاد إلى آخر البيت أسماء قبائل، المعنى: يتعجب من القبائل التي ذكرها ويصفهم بكثرة العدد وقلة الخير، يقول من يخصهم يكثر لأنه يعد بطونًا كثيرة ومن يمدحهم يقلل لأنه لا يجد فيهم من يستحق المدح.
(١٨)
وقال يزيد بن قنافة بن عبد شمس العدوي، ورجل قناف: ضخم الأنف، ويقال: هو طويل الجسم، والأقنف: الصغير الأذنين:
[ ٣ / ١٨٧ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لعمري وما عمري علي بهين لبئس الفتى المدعو بالليل حاتم
غداة أني كالثور أحرج فاتقى بجبهته أقتاله وهو قائم
غداة أتى كالثور .. البيت، شبه حاتمًا بثور ضيق عليه فقام فاتقى بجبهته، أقتاله أي أعداءه الواحد قتل.
كأن بصحراء المريط نعامة تبادرها جنح الظام نعائم
أعارتك رجليها وهافي لبها وقد جردت بيض المتون صوارم
المريط موضع، وتبادرها تسبقها، شبهه بسرعة النعامة في الهزيمة، وقوله: وهافي لبها أراد نفي العقل. لأن النعامة لا عقل لها. المعنى: يهجو حاتمًا ويصفه بسرعة الهزيمة، وخفة العدو فيها ويقول: كأن نعامة تسابق النعائم أعارتك رجليها وخافق لبها فانهزمت عليها، والمراد بها في لبها وصفه بالجبن.
(١٩)
وقال عارق بن قيس بن جروة الطائي:
[ ٣ / ١٨٨ ]
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
من مبلغ عمرو بن هند رسالة إذا استحقبتها العيس تنضي من البعد
أيوعدني والرمل بيني وبينه تبين رويدًا ما أمامة من هند
استحقبتها: حملت خلفها، وأمامه أم عارق هذا، وهند أم عمرو، أي ليس بينهما نسب، وقيل: إنه يريد تفضيل أمه على أم عمرو ليكون الابن أيضًا كذلك، وقيل إنما أوعده عمرو لبيت قاله.
لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه
وسمي عارقًا بهذا البيت، ولحق عارق هذا بالجبلين فقدم زرارة بن عدس بن زيد التميمي على عمرو فأخبره أنه تهدده في شعره فبعث عمرو في طلبه، فوجده قد لحق بالجبلين، فجعل عمرو يتوعد عارقًا فبلغه تهدده فقال هذه القصيدة. المعنى: يستحمل رسالة إلى عمرو بن هند على بعد المسافة، ويذكر أنه يوعده ولا يقدر عليه لكون الرمل بينهما، وليس بينهما نسب فيعطفه عليه ويستحمله لأجله.
ومن أجأ حولي رعان كأنها قنابل خيل من كميت ومن ورد
أجا جبل، والقنابل، الجماعات من الخيل، وجعلها مختلقة الألوان لاختلاف ألوان الجبال.
غدرت بأمر كنت أنت اجتذبتنا إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد
وقد يترك الغدر الفتى وطعامه إذا هو أمسى حلبة من دم الفصد
[ ٣ / ١٨٩ ]
يروى مكان "حلبة" جلة، أي يحلب من دم القصد. وذلك أن عمرو بن هند دعا أناسًا من طيء لحماه، ثم غزاهم وسبى النساء فحبسهن عنده، ثم خلى سبيلهن ورد أموالهم حتى لامه زرارة بن عدس على ذلك. المعنى: ينسبه إلى الغدر ويذمه عليه، ويروى أن حاتمًا كان أسيرًا في بعض العرب، فنزل بهم ضيف والحي خلوف فعمدت امرأة منهم إلى مدية وناولتها حاتمًا، وقالت له: افصد هذه الناقة ليصيب ضيفنا من دمها فنحرها حاتم فأنكرت المرأة وقالت إنما سألتك فصدها فقال حاتم: هكذا فصدي. المعنى يقول: قد يترك المرء الغدر وهو في شدة العيش فكيف لا تترك وأنت ملك.
(٢٠)
وقال رجل من طيئ هو يزيد بن قنافة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لعمري وما عمري عليّ بهين لقد ساءني طورين في الشعر حاتم
أيقظان في بغضائنا وهجائنا وأنت عن المعروف والبر نائم
طورين: مرتين، وحاتم: هو الطائي المعروف بالجود، وقوله: أيقظان .. البيت يقول: لا ينبغي للسيد أن يكون بذيًا، وعن البر والإحسان غافلًا، فأنت غافل عن إسداء المعروف إلينا، يقظ في بغضنا وهجونا.
بحسبك أن قد سدت أخزم كلها لكل أناس سادة ودعائم
فهذا أوان الشعر سلت سهامه معابلها والمرهفات السلاجم
أخزم قبيلة، وسادة القوم ودعائمهم: رؤساءؤهم، المعابل: السهام القصيرة النصال، والسلاجم: الطوال النصال. يقول: هذا أوان أهاجيك كما هجوتني بضروب الشعر، وجعل كل بيت سهمًا لأنه يوجع كما يوجع السهم. المعنى: يهجو حاتمًا ويشكو هجوه إياه، وينسبه إلى حرصه على بغضه ونومه عن بره، وتهدده بمهاجاته.
[ ٣ / ١٩٠ ]
(٢١)
وقال آخر من طيئ:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
إن امرأ يعطى الأسنة نحره وراء قريش لا أعد له عقلا
يذمون في الدنيا وقد ذهبوا بها فما تركوا فيها لملتمس ثعلا
يروي مكان محره "حقهاط، والثعل زيادة في أخلاف الشاة، ويقال للسن الزائدة ثعل، يقول: من استقتل لأجل قريش ليفوزوا بالملك دونه فليس بعاقل، ثم وصف الخلفاء فقال: يذمون إلى الدنيا في خطبهم وهو لا يتركون وجه رغبة إلا أتوه، وضرب الخلف الزائدة مثلًا.
(٢٢)
وقال رويشد بن مالك الطائي، إسلامي:
(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)
وموقع تنطق غير السداد فلا جيد جزعك يا موقع
فما فوق ذلتكم ذلة ولا تحت موضعكم موضع
موقع قبيلة، ومعنى ولا جيد جزعك أي لا سقي واديك من الجود، وجزع الوادي جانبه، المعنى: نسبهم إلى الخنا ودعا عليهم بالجدب ووصفهم بالذلة والإسفاف.
[ ٣ / ١٩١ ]
(٢٣)
وقال جابر:
(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)
أجدوا النعال لأقدامكم أجدوا فويها لكم جرول
أجدوا أي استجدوا، وغيروا حالكم وأحسنوا زيكم وبزتكم، وبها كلمة استحثاث، وجرول اسم رجل.
وابلغ سلامان إن جئتها فلا يك شبهًا لها المغزل
يكسي الأنام ويعري استه وينسل من خلفه الأسفل
سلامان قبيلة من همدان، والمغزل بضم الميم وكسرها، وقوله: "يكسي الأنام ويعري استه" أي كلما كثر الغزل نزع عنه، وينسل أي يخرج أسفله من خلفه. المعنى: يخاطب بني جرول يقول: استجدوا وخذوا في طلب حقوقكم، ويحث سلامان على حفظ حقها وينهاها أن تكون كالمغزل يكد ثم لا يكون من كده حاصل.
فان يجيرا وأشياعه كما تبحث الشاة إذ تذأل
بجير اسم رجل، وقوله: "كما تبحث الشاة" مثل وأصله فيما يقال أن جماعة أخذوا شاة، ولم يكن معهم سكين يذبحوها بها، فجعلت الشاة تبحث عن الأرض بأطلافها فظهرت سكين، فذبحوها بها، فضرب بها المثل لكل من أعان على
[ ٣ / ١٩٢ ]
حتف نفسه، وتذأل من الذألان والدألان وهو مشي النشيط.
أثارت الحتف فاغتالها فمر على حلقها المغول
اغتالها: أهلكها، والمغول ما يهلك به الشيء، وأراد به السكين هنا.
آخر عهد لها يعني الشاة، وقوله مونق غدير أي غدير مونق، فقدم الصفة على الموصوف، ومبقل: ذو بقل. المعنى: ينذر بجيرًا وأتباعه ويقول: قد بطروا ودنوا من أن يهلكوا بفعلهم، وشبههم بالشاة المضروب بها المثل في حتف نفسها.
(٢٤)
وقال إياس بن الأرت الطائي، إسلامي:
«الأول من السريع والقافية من المترادف»
كأن مرعى أمكم إذ بدت عقربة يكومها عقربان
إكليلها زول وفي شولها وخز أليم مثل وخز السنان
مرعى: اسم أمهم، يكومها يسفدها، إكليلها يعني إكليل العقرب وزول خفيف، وقيل عجب، وقيل شولها ما يشول بذنبها على ظهرها، وخز أليم أي طعن غير نافذ يعني لسعها مثل وخز السنان إيلامًا، شبهها بالعقرب.
كل عدو يتقي مقبلًا وأمكم سورتها بالعجان
يصف كل عدو يتقي مقبلًا إلا العقرب قال: وأمكم سورتها بالعجان، يعني أنها تبيح عجانها للرجال فتستعين بهم على من تعاديه، والعجان ما بين السبيلين من الرجل والمرأة، وقيل: بل معناه: أنها إذا عادت أفسدت كأنها تنم لأن النمام يشبه بالعقارب. المعنى: يهجو أمهم مرعى وشبهها بالعقرب.
[ ٣ / ١٩٣ ]
(٢٥)
وقال أدهم بن الزعراء الطائي، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
بني خيبري نهنهوا عن قنادع أتت من لدنكم وانظروا ما شؤونها
فكائن بها من ناشص قد علمتم إذا نفرت كانت بطيئًا سكونها
ويروى "خنادع" والقناذع جمع قنذع وهو الكلام الفاحش، وناشص من نشصت أي نفرت، وقيل: أراد الشعر والداهية، فمن حمله على الشعر قال: معنى نفرت ظهرت منا وقلناها فتنتشر في الناس ولا تسكن، لحسنها تروي وتنشد، والشعر إذا لم يكن جيدًا لم يرو. ومن قال أراد به الداهية وهو أقرب قال: نفرت سطوة كانت بطيئًا سكونها أي لم تسكن ولا يقال نفرت للقصيدة. المعنى: ينذر بني خبيري ويستكفهم من ذكرهم بالسوء ويذكرهم ما تقدم من سطواتهم.
وبالحجل المقصور خلف ظهورنا نواشئ كالغزلان نجل عيونها
المقصور: المسيل عليه الستر، نواشيء: جواب شواب، كان خطب امرأة منهم فردوه فقال هذا يقول: في غيرها ممن هذه صفتها مندوحة عنكم، وقيل إن هذا الشاعر ممن رد الخطبة، وما بعده يدل على هذا القول.
وإنا لمحقوقون حين غضبتم بأيمة عبد الله أن سنهينها
فلست لمن أدعى له إن تفقأت عليها دماميل استه وحبونها
ويروى "بلحية عبد الله" وهو استمرار عزبته، الحبون جمع حبن وهو الدمل أيضًا، يقول: لست لأبي إن أعطيته مراده حتى يشتفي قليبه لأن تشقق
[ ٣ / ١٩٤ ]
الدماميل يؤذن بالبرء عليها، يعني على ما طلب، فهذا يدل على أن الشاعر هو المخطوب إليه لا الخاطب يقول: وراءنا مخدرات حسان لا نمكنكم منهن ونهين أيمتكم ولا نشفيها.
(٢٦)
وقال حريث بن عناب، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
بني ثعل أهل الخنا ما حديثكم لكم منطق غاو وللناس منطق
ما حديثكم أي لغتكم مخالفة للغات العرب، ويروى "بني القين لانام القطافي دياركم" يقول: قد ضل منطقكم عن سبيل منطق العرب.
كأنكم معزى قواصع جرة من العي أو طير بخفان ينعق
قواصع جرة هي التي تجتر، وقصع بجرته إذا دفع بها من جوفه، وخفان موضع بالسواد جعلهم كالمعزى ذلة وهوانا.
ديافية قلف كأن خطيبهم سراة الضحى في سلحه يتمطق
ديافية: منسوبة إلى ديافة بالشام وفيها نبط، لم يرض بأن جعلهم معزى حتى أخرج المعزى من حد العرب وجعلها نبطية، وسراة الضحى أوله وصدره. المعنى: يهجوهم باللكنة والذلة.
[ ٣ / ١٩٥ ]
(٢٧)
وقال شعيث من كنانة بلقين يهجو رجلًا من بلقين يقال له عقال بن هشام، وعقال يقول فيهم:
فما كنانة من خير بخائرة وما كنانة من شر بأشرار
وشعيث تصغير أشعث، وخائرة فاعلة من خايرته فخرته، أي كنت خيرًا منه. المعنى: ليس عندهم خير ولا شر، لا ينفعون صديقًا ولا يضرون عدوًا خشية وذلًا.
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
أترجو حيي أن تجيء صغارها بخير وقد أعيا عليك كبارها
إذا النجم وافى مغرب الشمس أحجرت مقاري حيي واشتكي الغدر جارها
يريد بالنجم الثريا، وطلوعها عشاء أول البرد، وواحد المقاري مقراة وهي جفنة يقرى الضيف فيها، ومعنى أحجرت سترت كأنها أدخلت الحجر وفيه وجه آخر حسن أي أخليت من الخير، من الحجرة وهي السنة المجدبة، وقوله "اشتكى الغدر
[ ٣ / ١٩٦ ]
جارها" يريد أنهم يسرقون ماله مع أنهم لا يطعمون أحدًا، المعنى: يهجوهم بقلة الخير في خلفهم، ويذمهم بمنع الطعام وسرقة مال الجار.
(٢٨)
وقال حريث بن عناب:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
قولا لصخرة إذ جد الهجاء بها عوجي علينا يحييك ابن عناب
صخرة اسم امرأة وأراد أهلها، جد الهجاء بها أي جدت في هجائي، وعوجي علينا أي اعطفي يحييك ابن عناب أي لا يجيبك عن هجائك ولكنه يحييك، ويجوز أن يكون لأن يحييك.
هلا نهيتم عويجًا عن مقاذعتي عبد المقد دعيًا غير صباب
المقذ خلف الأذن يعني قفاه، أي هو عبد دعي، غير صياب غير خالص، المقاذعة: المفاحشة.
مستحقبين سليمي أم منتشر وابن المكفف ردفًا وابن خباب
مستحقبين سليمي .. البيت قال بعضهم: أراد أنهم أسروها فحملوها في موضع الحقيبة من البعير، وقيل: معناه الانتساب إليهم، وهذا أشبه بسرد الأبيات. المعنى يعاتب صخرة وقومها في هجاء عويج إياه يقول: هلا نهيتموه عن مهاجاتي، ثم رماه بالدعوة.
يا شر قوم بني حصن مهاجرة ومن تعرب منهم شر أعراب
تعرب يعني بلاد العرب هنا، ويكون تشبه بالعرب في نزولهم بالبادية.
[ ٣ / ١٩٧ ]
لا يرتجي الجار خيرًا في بيوتهم ولا محالة من شتم وألقاب
ولا محالة أي يشتمون من يجاورهم ويلقبونه، والجار المجاورة هنا. المعنى: يصفهم بالشرارة في البدو والحضر والإساءة إلى الجار شتمًا ولقبًا.
(٢٩)
وقال أيضًا:
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
بني أسد إلا تنحوا تطأكم مناسم حتى تحطموا وحوافر
وميعاد قوم إن أرادوا لقاءنا مياه تحامتها تميم وعامر
تحامتها تميم وعامر لعزتها ومنعتها، وقيل معناه ميعادنا مياه لا ننزلها نحن ولا أنتم وهي بيننا وبينكم، والأول أجود.
وما نام مياح البطاح ومنعج ولا الرس إلا وهو عجلان ساهر
مياح: فعال، وهو الذي يميح الماء أي يسقيه، والبطاح ومنعج والرس مواضع فيها ما يورد. المعنى: يتهدد بني أسد ويقول: إن لم تبعدوا عنا داستكم خيولنا وابلنا تحت حوافرها وأخفافها، يصف قومه بالكثرة وبني أسد بالقلة، ويقول: إن أردتم لقاءنا ومحاربتنا فنحن متأهبون لها، ثم دل على تيقظ قومه وتحرزهم.
التضاؤل: التقاصر، والخارئ: الذي يقضي حاجته أمام البيوت لأن
[ ٣ / ١٩٨ ]
الناس يرونه هناك فيجب أن يجمع شخصه ويستتر، كي لا تظهر سوأته، ولو كان وراء البيوت لم يحتج إلى ذلك. وكان متقاصرًا ثم تضاءل فيكون أقل وأحقر.
ترى الجون ذا الشمراخ والورد يبتغي ليالي عشرًا وسطنا وهو عاثر
الشمراخ: غرة تستدق وتسيل سفلًا حتى تأخذ الخيشوم، والعاثر: المنفلت. المعنى: يصف كثرة خيلهم يقول: يفلت الفرس المشهور بلونه المعروف بمشيته فيطلب عشر ليال فلا يوجد، وهو وسطنا، أبلغ من الأول، لأن البلق أشهر وشكلها في الخيل أقل وهي من بعيد أظهر.
ولما رأيناكم لثامًا أدقة وليس لكم مولى من الناس ناصر
ضممناكم من غير فقر إليكم كما ضمت الساق الكسير الجبائر
أدقة: جمع دقيق يعني به الذليل. المعنى: يقول لما رأيناكم ضعفاء أذلاء ضممناكم إلينا رحمة عليكم لا حاجة إليكم.
(٣٠)
وقال أبو صعترة البولاني، إسلامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أتهجونا وكنا أهل صدق وتنسى ما حباك بنو براء
هم نتجوك تحت الليل سقبًا وبلوا منكبيك من الدماء
ويروى "أبو براء" وبنو براء أجود لقوله هم نتجوك، والسقب الذكر من ولد الناقة، وقوله: خبيث الريح من خمر وماء أي ضربوك حتى سلحت وأنت سكران، فأحدثت حدثًا عظيمًا كهيئة السقب، وقوله: وهم جهلوا عليك أي ضربوك وأنت
[ ٣ / ١٩٩ ]
برئ، وبلوا منكبيك من الدماء يعني شجوك وجرحوك حتى سالت الدماء على منكبيك. المعنى: يعاتبه على هجائه من غير سبب أوجب ذلك، ويذكره ما جرى عليه من بني براء من ضرب محدث وجرح مدم.
(٣١)
وقال الطرماح بن حكيم السنبسي لنافذ بن سعد المعني الطائي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إن بمعن أن فخرت لمفخرا وفي غيرها تبنى بيوت المكارم
أي في غير معن تبني بيوت المكارم يعني في غير معن تضرب قباب الكرم لأن بيوت العرب لا تكون إلا المدر. المعنى يقول: إن فخرت بمعن جاز لأن فيهم موضع الفخر، إلا أن الكرم لا يوجد فيهم.
متى قدت يا بن الحنظلية عصبة من الناس تهديها فجاج المخارم
[ ٣ / ٢٠٠ ]
الفجاج: الطرق والمحارم: أنوف الجبل، وقوله: تهديها فجاج المخارم بالنصب على عنى أنت تهديها، لأنه يقال هديت القوم الطريق وإلى الطريق، هذا أجود. المعنى: يبرئه من السيادة فيما تقدم يقول: متى كنت قائدة جماعة تتقدمهم.
إذا ما ابن جد كان ناهز طيئ فإن الذري قد صرن تحت المناسم
جد وعتيب: قبيلتان، وناهزهم كبرهم القيم بأمورهم عند السلطان [وأصل الناهز الذي ينهز الدلو من البئر أي يخرجها]، والذري أعالي الأسمنة. المعنى: إذا كان ابن جد زعيم طيئ فقد انقلب الدهر، وصار أشرافهم تحت أذلالهم، وضرب ذلك مثلًا هنا.
فقد بزمام بظر أمك واحتفر بأير أبيك الفسل كراث عاسم
الفسل: الضعيف. المعنى: يقول: أنت لا تصلح للقيادة والزعامة فلا تطلبها، وقد بظر أمك فإنه عظيم أراد تفحيش أمرها كما يشتم فيقال: ابن البظراء وقوله: واحتفر بأير أبيك أي خذ أير أبيك مكان السيف فإن السيف لا يليق بك.
(٣٢)
وقال الكروس بن زيد بن حصن بن مصاد بن مالك بن معقل بن مالك، والكروس العظيم الرأس:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألايت حظي من عطائك أنني علمت وراء الرمل ما أنت صانع
[ ٣ / ٢٠١ ]
فقد كان لي عما أرى متزحزح ومتسع من جانب الأرض واسع
يروي مكان "عطائك" "لقائك" ووراء هنا خلف. المعنى: هذا رجل قصد من كان يرجو خيره فخاب رجاؤه فقال: ليتني علمت في بلدي ما تصنعه فكنت لا أعروك فإني كنت بعيدًا عما أرى من الذلة والخيبة.
وهم إذا ما الجبس قصر همه طلوع إذا أعيا الرجال المطالع
الجبس هنا الدنيء الجبان، وطلوع ثبت لم أي لي هم يطلب معالي الأمور إذا صعب ذلك على الرجال المعنى: يقول كان لي هم يعلو غير أني غلطت فيه.
(٣٣)
وقال وضاح بن إسماعيل بن عبد كلال ابن داود بن أحمد، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
من مبلغ الحجاج عني رسالة فإن شئت فاقطعني كما قطع السلا
السلا: الجلدة التي يكون فيها الولد، والسلا إذا قطع عن وجه الصبي حين يولد لم يرجع إليه أبدًا، يريد انقطاعًا لا وصل بعده، ويجوز أن يكون المراد اقطعني انقطاعًا لا مطمع في إصلاحه لأن السلا إذا انقطع في البطن لم يمكن إخراجه وقتل الحامل.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
وإن شئت فاقتلنا بموسى رميضة جميعًا فقطعنا بها عقد العرى
رمضية: حادة، والجذع أصل الشجرة إذا ذهب رأسها. المعنى: يظهر قلة مبالاته بالحجاج يقول: إن انشئت اقطعنا قطعًا لا وصل بعده، وإن شئت اقتلنا، وإن شئت أبعدنا فلا حاجة لنا فيك.
فإني أرى في عينك الجذع معرضًا وتعجب أن أبصرت في عيني القذى
الجذع قد مضى شرحه في شرح البيت الأول وهو أصل الشجرة إذا ذهب رأسها، المعنى يقول: أنت تستعظم اليسير من عيبي، وتغفل عن فظيع عيبك الظاهر الذي لا يخفى، مثل ذلك بالجذع والقذى، ويقال: إن في التوارة "ابن آدم القذاة في عين أخيك، وتترك الجذع معترضًا في عينك".
(٣٤)
وقال عمرو بن خلاة الحمار الكلبي:
(الثناني من الطويل والقافية من المتدارك)
ضربنا لكم عن منبر الملك أهله بجيرون إذ لا تستطيعون منبرا
[ ٣ / ٢٠٣ ]
ضربنا لكم يخاطب بني مروان، وعنى بأهل منبر الملك عليًا - ﵇ - وأولاده يجيرون باب من أبواب دمشق، وقوله: لا تستطيعون منبرًا أي لا تستطيعون صعود منبر.
وأيام صدق كلها قد علمتم نصرنا ويوم المرج نصرًا مؤزرا
يوم المرج مرج راهط وهو اليوم الذي قاتل فيه مروان بن الحكم الضحاك بن قيس الفهري، ومؤزرًا قويًا.
فلا تكفروا حسنى مضت من بلائنا ولا تمنحونا بعد لين تجبرا
فلا تكفروا حسني يعني لا تكفروا حسنا من بلائنا وقوله: فلا تمنحونا .. إلخ أي لا تتعظموا علينا عند استغنائكم عنا بعد أن لا ينتمونا وقت الحاجة إلينا.
فكم من أمير بعد مروان وابنه كشفنا غطاء الغم عنه فأبصرا.
فكم من أمير قبل مروان وابنه يعني معاوية ويزيد، وكشفنا أي نصرناه في الحرب فاستقام أمره وأبصر ما كان لا يهتدي به.
ومستسلم نفسن عنه وقد بدت نواجذه حتى أهل وكبرا
نفسن عنه يعني الخيل، وبدت نواجذه أي قلصت شفتاه من شدة الأمر، يصف معاوية يوم صفين، وما لحقه فيه من الشدة ويقول: نصرناه فنفسنا عنه حتى أهل وكبر لما انهزم عنه عدوه.
إذا افتخر القيسي فاذكر بلاءه بزراعة الضحاك شرقي جوبرا
جوبر بالشام، وقيس كانت أنصار بني مروان، وكانوا مع الضحاك أسلموه
[ ٣ / ٢٠٤ ]
حتى قتل، يقول: إذا افتخرت قيس فاذكر خذلانهم الضحاك ليتركوا الافتخار.
فما كان في قيس من ابن حفيظة يعد ولكن كلهم نهب أشقرا
نهب أشقر قيل: أن أشقر فرس طفيل [بن مالك وكان فرارًا] يقول: كأنهم انتهبهم في ذلك اليوم فهذا على التشبيه وليس بجيد، وقال ابن الكلبي: أشقر رجل من كلب أصاب صندوقًا في إغارة لكلب على إياد فظن أن فيه خيرًا كثيرًا ففتحه فإذا فيه عظام فضربته العرب مثلًا لما لا خير فيه، وهذا له روعة، وقيل: أنه أراد بالأشقر العبد والعرب تسمي العجم الحمراء، وذلك لأن الغالب على لون الفرس الصهبة، والعجم تقول: إذا كنت عربيًا فلا تكن أشقر، المعن: إذا افتخر القيسي فاذكر ما يتقمع له ولا هيبة فيه، وهذا وجه المعنى إذا افتخر القيسي فاذكر ما يتقمع له.
(٣٥)
وقال جواس بن القعطل الكلبي، وجواس فعال من جاس البلد إذا
[ ٣ / ٢٠٥ ]
وطئه، والقعطل مرتجل.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أعبد المليك ما شكرت بلاءنا فكل في رخاء الأمن ما أنت آكل
بجابية الجولان لولا ابن بحدل هلكت ولم ينطق لقومك قائل
يقول: يا عبد المليك ما شكرت نعمتنا في الذب عنك، والجولان موضع، وقوله: لولا ابن بحدل أراد حميد بن بحدل قاتل ابن الزبيرن وقوله: لم ينطق لقومك قائل يريد لم تكن خليفة يخطب على منبر لك.
فلما علوت الشام في رأس باذخ من العزلا يسطيعه المُتناول
نفحت لنا سجل العداوة معرضًا كأنك مما يُحدث الدهر جاهل
نفحت لنا سجل أي عاديتنا، والنفح الإصابة اليسيرة، يقول: كأنك غافل عن تغير الزمان ونوائب الحدثان وانتقال الأحوال.
وكنت إذا أشرفت في رأس رامة تضاءلت إن الخائف المتضائل
فلو طاوعوني يوم بطنان أسلمت فروج نساء منكم ومقاتل
رامة موضع، تضاءلت تصاغرت خوفًا، وبطنان بالشام موضع بقنسرين، وقوله: أسلمت فروج أي كنت أشير على قيس بالإضافة منكم لما عرفت من قلة رعايتكم، فلو طاوعوني لملكوا نساءكم وقتلوكم. المعنى: يعاتب عبد الملك في إعراضه عنه، مع نصرته له إلى أن علا أمره، ويقول: لولا قاتل ابن الزبير لم تفارق خوفك، ويخطئ قيسًا في مخالفته إياه، ويصوب تقديره فيه.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
وقال أيضًا:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
صبغت أمية بالدماء رماحنا وطوت أمية دوننا دنياها
أي حاربنا لأجل بني أمية، وقلتلنا أعداءهم، وطوت أمية دوننا دنياهم فلم يعطونا مما ملكوا شيئًا.
أأمي رب كريهة مدفوعة صيد الكماة عليكم دعواها
ويروي "كتيبة" يقول: رب كتيبة تكره منزلتها لشجاعة فرسانها. عليكم دعواها أي تهديدها، ويروي "صب الكماة عليكم دعواها" أي هددوكم منتسبين
كنا ولاة طعانها وضرابها حتى تجلت عنكم غماها
فالله يجزئ لا أمية سعينا وعلًا شددنا بالرماح عراها
جئتم من الحجر العيد نياطه والشام تنكر كهلها وفتاها
إذ أقبلت قيس كأن عيونها حدق الكلاب وأظهرت سيماها
قوله وعلا شددنا بالرماح عراها أي أحكمنا أمر العلا بالحرب، وقوله: جئتم .. البيت يعني من الحجاز، وقال من الحجر وأراد موضع الحجارة. والنياط البعد، والشام تنكر أي لم تعرفكم لأنكم لم تكونوا من أهلها، والشام يذكر ويؤنث، وقوله: كأن عيونها حدق الكلاب أي احمرت عيونها للعداوة والغضب،
[ ٣ / ٢٠٧ ]
وأراد بالكلاب الكلب وأظهرت سماها أي علامتها للمحاربة. المعنى: حاربنا لبني أمية وفازوا بالدنيا دوننا، ثم ذكر نصرته لهم وذبه عنهم".
(٣٧)
وقال عبد الرحمن بن الحكم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
لحا الله قيسًا قيس عيلان إنها أضاعت ثُغور المسلمين وولت
فشاول بقيس في الرخاء ولا تكن أخاها إذا ما المشرفية سلت
إنما دعا عليهم لأنهم كانوا في الثغور فانهزموا مع الضحاك، وقوله: فشاول بقيس أي مارس بهم من تريد في اللين والدعة ولا تمارس بهم في الحرب فليسوا من رجالها، فلا تكن أخاها أي صاحبها. المعنى: يدعو على قيس ويصفهم بإضاعة الثغور للمسلمين، ويخرجهم من جملة الشجعان.
(٣٨)
وقال أبو الأسود في الحسن بن رجاء بن أبي الضحاك:
[ ٣ / ٢٠٨ ]
(الأول من الكامل والقافية من المتواتر)
فلأنظرن إلى الجبال وأهلها وإلى منابرها بطرف أخرز
بطرف أخرز يعني بمؤخر عينه وكان أبو الأسد في أيام أبي تمام وقد مدح أبو تمام هذا الذي هجاه أبو الأسد يقول: لا أملأ عيني من الجبال بعد ما صرت أميرًا عليها.
مازلت تركب كل شيء قائم حتى اجترأت على ركوب المنبر
ما زال منبرك الذي خلفته بالأمس منك كحائض لم تطهر
المعنى: رماه بشيء فاحش بقوله: مازلت تركب كل شيء قائم.
(٣٩)
وقال الراعي الميري، وقد نزل به رجل من أبي بكر بن كلاب في ركب مه في سنة مجدبة، وقد عزبت من الراعي إبله فنحر من رواحلهم نابًا وأحسن قراهم، فلما جاء راعيه بابله عوضه فأعطى رب الناب ناباو زاده ثنية:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
عجبت من السارين والريح قرة إلى ضوء نار بين فردة والرحى
[ ٣ / ٢٠٩ ]
إلى ضوء نار يشتوي القد أهلها وقد يكرم الأضياف والقد يشتوى
فرجة والرحى: موضعان. يشتوي القد أي يشوون لأنفسهم والقد الجلد، وإنما اشتووه لضيقة لحقتهم، فلم يقدروا على اللحم، وقوله: وقد يكرم الأضياف الخ يعني أن الكريم يكرم الأضياف في وقت الضيق والشدة.
فلما أتونا فاشتكينا إليهم بكوا وكلا الحيين مما به بكى
بكى معوز من أن يلام وطارق يشد من الجوع الإزار على الحشا
يقول: كل واحد من الحيين منا، ومن الذين أتوا بكى لما بهم، ثم فسر قوله بكى معوز يعني نفسه، والمعوز المحتاج، يقول: يشد من الجوع الأزار على الحشا أي ليستمسك فقد أضعفه الجوع.
فأطلفت عيني هل أرى من سمينة تدارك فيها ني عامين والصرا
ويروى "وطنت نفسي للغرامة والقرى" وهو أحسن، وقوله فالطفت عيني أي ضممت أجفاني فعل من يدق النظر في الشيء، أي فعل كذلك لأنه يجتمع شعاع عينه فيكون بصره أقوى، وني عامين الني الشحم والصرا الغزارة، وهو أن لا يحلب لبنها لئلا تهزل، ومنه المصراة
فأبصرتها كوماء ذات عريكة هجانًا من اللائي تمتعن بالصوى
كوماء: ناقة عظيمة السنام، وجمعها كوم، والعريكة السنام، وقوله تمتعن بالصوى يعني بالأسمنة ويروي "بالصوى" بفتح الصاد وهو أن لا تحلب فيذهب لبنها وهو أسمن لها وأقوى يريد هل أرى في إبلهم ما لها هذه الصفة.
فأومأت إيماءً خفيًا لحبتر ولله عينا حبتر أيما فتى
[ ٣ / ٢١٠ ]
وقلت له ألصق بأيبس ساقها فإن يجبر العرقوب لا يرقأ النسا
حبتر اسمه، ولله عينا حبتر تعجب من وقوفه على إيمائه ويروي "ولله ثوبا حبتر" يعني نفسه وقوله: وقلت له ألصق يعني السيف، بأيبس ساقها أي بأقلها لحما فيخلص السيف إليه سريعًا، فإن يجبر العرقوب أي رقأ دمه لم يرقأ النسا، يعني لم يرقأ دم النسا، وهو يجري في البدن، ومع انقطاع هذا تنقطع الحياة على ما يقال.
فأعجبي من حبتر أن حتبرا مضى غير منكوب ومنصلة انتصى
كأني وقد أشعتهم من سنامها جلوت غطاءً عن فؤادي فانجلى
نبتنا وباتت قدرنا ذات هزة لنا قبل ما فيها شواء ومصطلى
منكوب قالوا غير فارغ من أمري، من قولهم: نكتب الإناء إذا صببت ما فيه وفرغته، وقيل: غير منكوب لم ينكب به عن أمري، ويروي "غير منكود" أي مسرعًا والمنكود الذي لا يسرع، وقوله: لنا قبل إدراك ما في القدر شواء واصطلاء.
وأصبح راعينا بريمة عندنا بستين أبقتها الأجلة والخلا
فقلت لرب الناب خذها ثنية وناب علينا مثل نابك في الحيا
أصبح راعينا بريمة اسم راعية، جعله بدلًا منه، ويروي "أنقتها" بالنون وهي رواية الأكثر بمعنى حصلتها ذات نقى يعني أسمنتها، والمسموع أنقت الماشية إذا كان لها نقي، وفي الحديث في ذكر الأضاحي التي لا تنقى، وروى البرقي "أبقتها" بالباء أي أبقاها على الجدب والبرد أننا كنناها وخليناها، وهذا أجود، ويروى "الأجلة" بالجيمي جمع جل، وروى بعضهم "الأخلة" بالخاء وفسرها جمع الخلال الذي يخل لسان الفصيل لئلا يرتضع فيكون أقوى للناقة وقيل: الأخلة ما اختل واجتز من العشب وهو أخضر، والجيم أصح.
[ ٣ / ٢١١ ]
وقوله: وناب علينا يعني الشحم والسمن والحيا هنا الشحم ومعناه قلت لرب الناب خذها ثنية فضلًا عن نابك ناب علينا واجب مثل تلك في السمن عوضًا عما نحرناه فخذها مع الثنية، ومن فسر الحيا بمعنى الخصب ويقول: وناب علينا إذا أحيينا أي جاءنا الخصب فقد غلط، والثنية بنت ست سنين والناب الهرم.
(٤٠)
وقال في ذلك خنزر بن أرقم واسمه الحلال وهو أحد بني زيد بن ربيعة بن عبد الله بن نمير، والراعي من بني قطن بن ربيعة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
بني قطن ما بال ناقة ضيفكم تعشون منها ملقى فتودها
غدا ضيفكم يمشى وناقة رحله على طنب الفقماء ملقى قديدها
الفقماء: لقب امرأة الراعين والفقم تقدم الثنايا السفلى فلا تقع عليها العليا، وكان من عادتهم أن يلقوا القديد على الأطناب يجففونه.
وبات الكلابي الذي يبتغي القرى بليلة نحس غاب عنها سعودها
أمن ينقص الأضياف أكرم عادة إذا نزل الأضياف أم من يزيدها
[ ٣ / ٢١٢ ]
المعنى: يقبح فعل الراعي، ويخاطب قومه ويقول: يا بني قطن ما لكم أكلتم ناقة ضيفكم وقددتم لحمها وأرجلتموه، جاءكم يطلب القرى فغبن ناقته، قبح فعلهم بلفظ الاستفهام للمبالغة كما بينا فقال: أمن يعطي الأضياف أكرم أم من يأخذ ما لهم؟ .
كأنكم إذ قمتم تنحروها براذين مشدود عليها لبودها
المعنى: يشبههم بالبراذين لعجزهم وفشلهم يضربونها مثلا لكل مذموم [ويحتمل أن يكون شبههم بالبراذين لما حرصوا على أكل لحمها لأن البراذين تحرص على أكل العلف].
فما فتح الأقوام من باب سوءةٍ بني قطن إلا وأنتم شهودها
السوءة: العيب. المعنى: يرميهم بكل عيب يدخل فيه الناس والسبق إليه.
(٤١)
فأجابه الراعي بقصيدة كتبنا منه بعض جوابه ووصف القدر
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ماذا ذكرتم من كزوم عقرتها بسيفي وضيفان الشتاء شهودها
فقد علموا أني وفيت لربها فراح على عنس بأخرى يقودها
قرينا الكلابي الذي يبتغي القرى وأمك إذ يزجى إلينا قعودها
[ ٣ / ٢١٣ ]
ويروى "فإن تسألوني ما كزوم عرقته" وهي الناقة المسنة التي مشفرها الأعلى أطول من الأسفل. المعنى يرد على "خنزر" ويبين له أنه لم يعقر الناقة سرًا، وإنما عقرها بحضور الضيفان وأنه عوضه عنها وزاد مثلها كرمًا فما في ذلك من أمر يعاب به. وهذا دليل على غلط من روى أن الحيا الخصب ويروي "ماذا نكرتم".
رفعنا له مشبوبة يُهتدى بها ولقحة أضياف طويلًا ركودها
مشوبة أي نار موقدة، ولقحة أضياف يعني قدرًا، جعلها لقحة لما يدر من خيرها، طويلًا ركودها أي ثبوتها على النار لأنها كثيرة اللحم، والقدر كلما كانت أكثر لحمًا كان ركودها على النار أطول، يريد رفعنا له نارًا تثقب للقرى.
إذا أخليت عود الهشيمة أرزمت جوانبها حتى نبيت ندودها
ويروي "خليت" أي صير العود لها بمنزلة الولد فهي كالناقة الخلية التي تعطف على ولد غيرها فترأمه، وأخليت أي جعلت عود الهشيمة علفًا لها كما تعلف اللقحة ويروي "أرزمت حناجرها" يعني فاها، نبيت نذودها أي نسكن غليانها بزيادة الماء ونقصان الحطب، والهشيم الشجر البالي.
إذا نُصبت للطارقين كأنها نعامة حزباء تقاصر جيدها
الحزباء: المرتفع من الأرض شبهها بنعامة ونسبها إلى الحزباء لارتفاعها على الأثافي وإنما شبه القدر بالنعامة لأنا تكثر وضع رأسها لجبنها ونفورها، وكذلك القدر ترفع قطع اللحم بشدة غليانها، وجعل النعامة تقاصر جيدها لأن القدر لا عنق لها، وهذا من أحسن الاحتراز والتقييد بالصفة الناقصة للتشبيه.
تبيت المحال العر في حجراتها شكارى مراها مأؤها وحديدها
[ ٣ / ٢١٤ ]
المحال: فقر البعير، والعر جمع أعر وهو السمين، وشكارى ممتلئة من الدسم من قولك: ناقة شكرة، ومراها استخرج ما فيها من الدسم، وماؤها لما خالطها من الدسم عند الغلي وحديدها مغرفتها.
بعثنا إليها المنزلين فحاولا لكي ينزلها وهي حام حيودها
فباتت تعد النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها
فباتت أي أم خنزر، تعد النجم في مستحيرة قالوا: أراد بالنجم الجنس، وقيل أراد الثريا وهذا أحسن، والمستحيرة جفنة تحار فيها الاهالة فكأنها حارت وإستحارت، ومعنى سريع بأيدي أي أنها باتت تؤكل في شدة البرد فكان اللحم يجمد في الأيدي.
[ ٣ / ٢١٥ ]
فلما سقيناها العكيس تمزحت مذاخرها وارفض رشحًا وريدها
العكيس: لبن الضأن خاصة يصب على المرق، ويروى "تمرحت" أي توسعت، وارفض رشحًا أي سال عرقًا، ووريدها يريد عنقها.
ولما قضت من ذي الإناء لبانة ارادت إلينا حاجة لا نريدها
أرادت إلينا أي أرادت منا أن نفجر بها فأبينا تكرمًا وعفة لأنها كانت ضيفنا، كما تقول: طلبت إليه حاجة. المعنى: يصف إذكاء ناره ليهتدى بها، ونصبه القدر الكبيرة كثيرة اللحم والدسم، وإشباعه أم خنزر منها وسقيها اللبن حتى امتلأت شعبًا وريا، وذكر أنها رغبت أن يفجر بها لتعودها ذلك، وأنه أبى عليها كرمًا.
(٤٢)
وقال رجل من بني أسد:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
دببت للمجد والساعون قد بلغوا جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
وكابروا المجد حتى مل أكثرهم وعانق المجد من أوفى ومن صبرا
وألقوا دونه أي تشمروا، ألقوا الأزر دون المجد: وقوله: وكابروا المجد أي ركبوا العظائم فيه، وعانق أي بلغه حتى خالطه. المعنى يقول: جد الطالبون للمجد وانكمشوا ومل أكثرهم وبلغ المجد من أوفى بشرائطه، وصبر على مرارته وطلبت أنت أهون طلب فكيف تدركه؟ ! .
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
[ ٣ / ٢١٦ ]
قوله: لا تحسب المجد تمرًا، يرميه بالرغب وأنه لا يهمه إلا أكل التمر، حتى تلعق الصبر أي المر. المعنى: يستقعده عن المجد لأنه ليس من أهله ويقول: لا يدرك المجد بالسعي القصير وإنما ينال بتجرع المرارات.
(٤٣)
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ومستعجل بالحرب والسلم حظه فلما اشتريت كل عنها محافزه
حارب فيها بامرئٍ حين شمرت من القوم معجاز ليئم مكاسره
فأعطى الذي يُعطى الذليل ولم يكن له سعي صدق قدمته أكابره
كل عنها محافره أي سلاحه، والمعاجز: الدائم العجز، وكاسره يعني أصوله، وقوله: فأعطى الذي البيت، يعني أعطى الذل في الهزيمة والأسر يقول: لم يكن له قديم وسعي لسلفه حميد، فكان يرث ذلك عنهم ويقتدي بهم. المعنى: يهجو رجلًا كان يحرص على محاربته، والصلح خير له، فلما هاجت الحرب، عجز وذل، ولم يفعل الآنف الماجد.
(٤٤)
وقال إسماعيل بن عمار الاسدي، قال دعبل بن علي: هي للوليد بن كعب قالها لما مات بشر بن غالب، واشترى داره هلال بن مرزوق:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
[ ٣ / ٢١٧ ]
بكت دار بشر شجوها أن تبدلت هلال بن مرزوق ببشر بن غالب
وهل هي إلا مثل عرس تحولت على رغمها من هاشم في محارب
ويروي "تتفلت"، العرس: المرأة، على رغمها أي وهي كارهة. المعنى: هذا هجو مطابق ومدح مطابق، يهجو هلال بن مرزوق وبني محارب، ويمدح بني هاشم وبشر بن غالب.
(٤٥)
وقالت امرأة قتل زوجها في جوار الزبرقان بن بدر وزوجها ابن مية:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
متى تردوا عكاظ توافقوها بإسجاع مجادعها قصار
المجدع: موضع الجدع أي القطع، ويروي "بآذان مسامعها" جمع المسمع وهو الأذن أيضًا، والأول أجود. المعنى: إذا وردتم سوف عكاظ، ووافتهم أهلها تصامتم لكثرة ما تسمعون من مثالبكم بما فعلتم، فشبهتهم لتغافلهم بمن قصر سمعه.
أجيران ابن مية خبروني أعين لابن مية أم ضمار
العين هنا: النقد الحاضر، والضمار دين لا يرجى قضاؤه وابن مية زوجها، تريد أتدركون ثأر ابن مية أم بطل دمه
[ ٣ / ٢١٨ ]
تجلل خزيها عوف بن كعب فليس لخلفها منه اعتذار
تجلل خزيها أي لبس مذلتها أي خزي هذه الخطة فليس لخلفها منه اعتذار الخلف: الأعقاب، خلفة بعد خلفة.
فأنكم وما تخفون منه كذات الشيب ليس لها خمار
المعنى: توبخ عوف بن كعب وتقاعدهم بطلب الثأر وتفحش عيبهم، وشبهت شهرة ما فعلوه وانتفاء انكتامه بشيب امرأة لا خمار لها فلا يخفى.
(٤٦)
وقال آخر، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تولت قريش لذة العيش واتقت بنا كل فج من خراسان أغبرا
كل فج: كل طريق صعب، واتقت بنا أي قدمتنا إلى خراسان، واستأثرت بلذة العيش. المعنى: يشكو استئثار قريش بلذة العيش وتكليف غيرهم من العرب المشاق.
فليت قريشًا أصبحت ذات ليلة تؤم بها موجا من البحر أكدرا
تؤم بها أي بخراسان. معناه: ليت قريشًا أمت بنا بحرًا بدلا من طريق خراسان، لتغرق ونخلص من أذاها، ويحتمل أن تكون الهاء للعرب وإن لم يتقدم ذكرها، فإنهم كانوا يوجهون إلى حراسان، ويحتمل أن يكون موجًا من البحر بخراسان، والعرب تسمى الماء الكثير بحرًا وإن لم يكن بحرًا فقال على اعتقاده وقال بعضهم: الهاء لقريش لتخلص هو منهم، ولا يحسن هذا من جهة الإعراب. المعنى: يتمنى الموت ليستريح منهم.
[ ٣ / ٢١٩ ]
(٤٧)
وأنشد لامرأة في زوجها:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
حلفت فلم أكذب وإلا فكل ما ملكت لبيت الله أهديه حافيه
لو أن المنايا أعرضت لاقتحمتها مخافة فيه إن فاه لداهية
فما جيفة الخنزير عند ابن مغرب قتادة إلا ريح مسك وغاليه
فكيف اصطباري يا قتادة بعدما شممت الذي في فيك أثأى ضماخية
أي أن في فيه داهية، يقال: لا شيء أنتن من جيفة، ولا جيفة أنتن من جيفة خنزير. المعنى: تشكو بخر قتادة بن مغرب.
(٤٨)
وقال عبد الله بن أوفى في امرأته، إسلامي
(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)
نكحت بشهبيذق نكحة على الكرة ضرت ولم تنفع
ولم تغن من فاقة معدمًا ولم تجد خيرًا ولم تجمع
[ ٣ / ٢٢٠ ]
شهبيذق تعريب شهبنده أي مستعبدة السيد يعني الزوج، ويروى "نكحت ابنة المنتضى" ولم تجمع أي لم تجمع الشمل. المعنى: يذكر أنه تزوج امرأة لا خير فيها.
منجذة مثل كلب الهراش إذا هجع الناس لم تهجع
مفرقة بين جيرانها وما تستطع بينهم تقطع
بقول رأيت لما لا ترى وقيل سمعت ولم تسمع
وإن تشرب الزق لا يروها وإن تأكل الشاة لم تشبع
وليس بتاركة محرمًا ولو حف بالأسل الشرع
ولو صعدت في ذرى شاهق تزل بها العصم لم تصرع
فبئست قعاد الفتى وحدها وبئست موفية الأربع
منجذة مجربة، قوله فبئست قعاد البيت يقول: إذا انفردت بزوجها فهي مذمومة، وكذلك إن كان معها ثلاث نسوة فيكن بها أربعًا. المعنى: يصف امرأته بالنكارة والشراسة وقلة النوم اشتغالًا بالشر وتفريق الجيران بالكذب ويصفها بالرغب وارتكاب المحارم وإن صعب الوصول إليها، يصفها بالصلابة والجلادة، وإنها بئست زوجة الواحد، وبئست زوجة من له ثلاث.
(٤٩)
وقال بعض آل المهلّب، قال دعبل: هو عبد الله بن عبد الرحمن ولقبه أبو الأنواء:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم واستوثقوا من رتاج الباب والدار
[ ٣ / ٢٢١ ]
المعنى: يصفهم بغاية الشح، ويقول: يخفون كلامهم عند الأكل لئلا يسمع صوتهم إنسان فيضيفهم، وأغلقوا باب دارهم لئلا يدخل إليهم من يساعدهم.
لا يقبس الجار منهم فضل نارهم ولا تكف يد عن حرمه الجار
المعنى يقول: إنهم من شحهم لا يأخذ جارهم من نارهم، وهم مع ذلك يؤذون الجار وينتهكون محارمه.
(٥٠)
وقال آخر:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
كاثر بسعد إن سعدًا كثيرة ولا تبغ من سعد وفاءً ولا نصرا
ولا تدع سعدًا اللقراع وخلها إذا أمنت ونعتها البلد القفرا
يروعك من سعد بن عمرو جسومها وتزهد فيها حين تقتلها خبرا
قتلت الشيء خبرًا إذا تحققته. المعنى: يصف بي سعد بكثرة العدد وقلة الوفاء وعدم النصرة، ويقول: لا يصلحون للحرب وإنما يصلحون لقول الشعر، ولهم منظر وليس لهم مخبر.
(٥١)
وقال آخر:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أعاريب ذوو فخر بافك وألسنة لطاف في المقال
رضوا بصفات ما عدموه جهلًا وحسن القول من حسن الفعال
المعنى: يفتخرون بما ليس لهم، ورضوا من المعنى بالدعوى، ومن حسن الفعل بحسن القول.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
(٥٢)
وقال مالك بن أسماء: قال دعبل هي لعتيبة بن أسماء بن خارجة، وكان زار صديقًا، فلم بلغ باب داره شد عليه كلب صديقه فعضه:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
لو كنت أجمل خمرًا حين زرتكم لم ينكر الكلب أني صاحب الدار
لكن أتيت وريح المسك تفغمني وعنبر الهند مشبوبًا على النا
تفغمني: تشد خياشيمي، ويروي "تعبقني" اي تنافحني من عبق به الطيب ويروي "والعنبر الطرب أذكيه على النار".
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني وكان يعرف ريح الزق والقار
المعنى: يصفهم بأنهم خمارون، وليسوا بأهل مروءة واستعمال الطيب، وإنما عضه الكلب لأنه أنكر رائحة الطيب لأنه لم يجدها قبله ولو كان يحمل خمرًا ما عضه الكلب.
(٥٣)
وقال ابن هرمة، إسلامي:
[ ٣ / ٢٢٣ ]
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
هجوت الأدعياء فناصبتني معاشر خلتها عربًا صحاحًا
المعنى: يعرض بقوم نازعوه لأجل آخرين هجاهم، ويقول: أنا هجوت الأدعياء فعادتني جماعة ظننت أن له نسبًا صحيحًا.
فقلت لهم وقد نبحوا طويلًا على فلم أجب لهم نباحا
أمنهم أنتم فأكف عنكم وادفع عنكم الشتم الصراخا
وإلا فاحمدوا رأيي فإني سأنفي عنكم التهم القباحا
وحسبك تهمة ببرئ قوم يضم على أخي سقم جناحا
المعنى: يستصرفهم عن معاونة من هجاهم، وقال: أنهم أدعياء ولا يتعصب للدعي إلا مثله.
(٥٤)
وقال بن حصن، وهو مدرك بن حصن الفقعسي، وتروي للفرزدق، وقال دعبل: هي لعبد الله أو لأخيه مغلس:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لقد كنت أرمي الوحش وهي بغرة ويسكن أحيانًا إلى شرورها
فقد أمكنتني الوحش مذرث أسهمي وماضر وحشًا قانص لا يصيدها
[ ٣ / ٢٢٤ ]
فقد أمكنتني الوحش: أي دنت مني الجواري وأمكنتني من نفسها، مذرث سهمي: أي مذ شبت وفترت التي ولا حاجة لي فيهن. المعنى: يصف طلبه لمغازلته النساء أيام شبابه وطلبهن له وأنه لما شاب وفقد حاجته إليهن استوى الوصل والنفار منهن.
فأعرضت عن سلمي وقلت لصاحبي سواء علينا بخل سلمى وجودها
المعنى: يصف استواء الوصل والنفار منهن لعدم حاجته إليهن، وأنهن أمكنه من أنفسهن بعد كبر سنه كالوحش إذا علمت أن الصائد لا يقدر على صيدها.
فلا تحسدن عبسًا على ما أصابها وذم حياة قد تولى زهيدها
تشبه عبس هاشمًا أن تسربلت سرابيل خز أنكرتها جلودها
الزهيد: القليل. المعنى يسلي نفسه عما نالت عبس من العز يقول: لا تحسدهم على ما أصابوا، وذم حياة أدبر باقيها، ويروي "قد تولى حميدها" وقوله: تشبه عبس .. البيت، يريد تشبه عبس هاشم بن عبد مناف لأنها لبست الخز وما كانت تلبسه فأنكرتها جلودها أي أنكرت الخز جلودها.
فلا تحسبن الخير ضربة لازب لعبس إذا مامات عنها وليدها
فسادة عبس في الحديث نساؤها وقادة عبس في القديم عبيدها
وليدها: يعني الوليد بن عبد الملك بن مروان وكانت أمة عبسية. المعنى: يذكر عبسًا ويقول: يتشبهون بهاشم بن مناف لما لبسوا الخز وليس ذلك دائمًا لهم، فأما قوله: فسادة عبس .. البيت بالعبيد عنترة بن شداد وكان ابن أمة، وشداد لم يقبله ابنًا وكان يسميه عبدًا، ثم قبله ابنًا في بعض الحروب وله قصة. ويعني بالنساء وسليمان فإنها كانت عبسية، وزعموا أن الحسين بن المنذر قال لبعض بني عبس وتنازعا في شيء: إنما أنتم يا بني عب بحر إن ابتل ابتللتم وإن يبس يبستم.
(٥٥)
وقال آخر:
[ ٣ / ٢٢٥ ]
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
أقول حين أرى كعبًا ولحيته ولا بارك الله في بضع وستين
من السنين تملاها بلا حسب ولا حياء ولا قدر ولادين
تملاها: عاشها طويلًا، من الملوين وهما الليل والنهار. وفي جر ستين قولان أحدهما أنه أخرجه على أصل حركته لالتقاء الساكنين وهو الكثير ضرورة كما قال:
وقد جاوزت حد الأربعين
والقول الآخر أن الشاعر أراد الوقف، وللعرب مذهب في الإسناد أنهم يطلقون في القوافي، ومنهم من يعربها ومنهم من ينون ما ينون وما لا ينون، فإذا وقف على نون الجمع لا يبين حركة فجاز ذلك مع نون الأصل في القوافي لأنك لا تجد هذه النون مكسورة إلا في القوفي. المعنى: يهجو كعبًا وذكر لحيته للشيب ويقول: عاش أكثر من ستين سنة من غير كرم ولا حياء ولا دين.
(٥٦)
وقال عويف القوافي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
وما أمكم تحت الخوافق والقنا بثكلى زهراء من نسوة زهر
الخوافق هنا السيوف، وقيل الأعلام، والأول أجود لذكر القنا معها، والزهر المرأة يزهر لونها سرورًا. المعنى يقول: أنتم جبناء فلا تقتلون فتثكلكم أمكم، ولا
[ ٣ / ٢٢٦ ]
تقتلون أعداءكم، فيزهر لونها سرورًا بكم، وقال بعضهم: زهراء يعني بيضاء نقية وليس بشيء.
ألستم أقل الحي عند لوائهم وأكثرهم عند الغنيمة والقدر
المعنى: حقق جبنهم في البيت الأخير، ودل على رغبهم وحرصهم على الأكل، ويروي "عند الذبحية" وهو الأشهر.
(٥٧)
وقال أيضًا
(الثاني من الطويل والقافية من التراكيب)
ونبئت ركبان الطريق تناذورا عقيلًا إذا حلوا الذناب فصرخدا
فتى يجعل المحض الصريح لبطنه شعارًا ويقري الضيف عضبًا مهندا
الذناب وصرخد: موضعان أي يأكله ويجعله لبطنه بمنزلة الشعار من الثياب للجسد، وهو الذي يليه، ويقري الضيف السيف بدل الإطعام ولا يضيفه إلا بالقتل. المعنى: يصف شهرة غدر عقيل وأن الناس يحذر بعضهم بعضًا من غدره، ثم بين غدره فقال: يقتل ضيفه ويأكل ماله، ويشبع دونه.
(٥٨)
وقال آخر:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أناخ اللؤم وسط بني رياح مطيته فأقسم لا يريم
كذلك كل ذي سفر إذا ما تناهى عند غايته مقيم
[ ٣ / ٢٢٧ ]
لا يريم: لا يبرح أي لا يجاوزهم. المعنى: يصفهم بغاية اللؤم وأن اللؤم كان يسافر في البلاد، فلما انتهى إليهم حلف لا يفارقهم لأنهم غاية قراره.
(٥٩)
وقال آخر، إسلامي:
«الأول من الوافر والقافية من المتواتر»
إذا بكرية ولدت غلامًا فيا لؤمًا لذلك من غلام
يُزاحم في المآدب كل عبد وليس لذي الحفاظ بذي زحام
المعنى: يصفهم باللؤم الشامل، والرعب الفاحش، والمأدبة - بضم الدال وفتحها - طعام يصنع فيدعي إليه.
(٦٠)
وقال آخر، إسلامي
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ردي ثم اشربي نهلًا وعلًا ولا تغررك أقوال ابن ذيب
فلو كان القليب على لحاهم لأسهل وطؤها شفة القليب
يخاطب ناقته أي اشربي كيف شئت، ولا تغتري بقول ابن ذيب، وقوله: فلو كان القليب .. البيت، أي ضاق وطؤها شفة القليب سهلا، والقليب البئر. المعنى يصفهم بالذلة وأنهم لا يقدرون على منع الإبل عن وطء لحاهم.
(٦١)
وقال أعرابي، إسلامي:
[ ٣ / ٢٢٨ ]
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
إن تبغضوني فقد أسخنت أعينكم وقد أتيت حرامًا ما تظنونا
وقد ضممت إلى الأحشاء جارية عذبًا مقبلها مما تصونونا
المعنى يقول: إن أبغضتوني فحق لكم ذلك لأني فعلت ما اقتضى ذلك، ويذكر أنه تمتع بجارية مخدرة لهم حرامًا.
ياقبح الله أقوامًا إذا ذكروا بني عميرة أهل اللؤم والعار
قوم إذا خرجوا من سوءة ولجوا في سوءةٍ لم يجنوها بأستار
قبح الله: أبعد الله، المعنى: يصفهم بالتقلب في الفواحش وملازمتهم إياها، ويروي "رهط اللؤم".
(٦٣)
وقال آخر يهجو الحضري:
[ ٣ / ٢٢٩ ]
(من العروض الرابعة من السريع والقافية من المتواتر)
جواب بيداء بها عروف لا يأكل البقل ولا يريف
ويروي "به عروف" وأكثر الروايات "بيداء بها" على الواحدة، والعروف: الصبور وقوله: لا يأكل البقل ولا يريف، المسموع لا يريف، بفتح الياء، والقياس ضمها من أراف إذا أتى الريف أي لا يقيم في الريف.
ولا يرى في بيته القليف إلا الحميت المنعم المكشوف
القليف: التمر البصري، أي ليس هو من الحضر فيكون في بيته التمر، والقليف أيضًا ما ينقلف أن يتقشر من الخبر ويابس الفاكهة، والحميت عني السمن ويكون للعسل، والمفعم المملوء، وقد أفعمته أي ملأته.
للجار والضيف إذا يضيف والحضري مبطن معلوف
أي يكون الحمت مكشوفًا للجار إذا جاء أخذ منه ولا يحتاج إلى طلبه، وكذلك الضيف، والحميت بعد هذا بدل من القليف كأنه قال لا يرى إلا الحميت، والحضر مبطن أي عظيم البطن، والأشهر مبطان.
للفسو في أثوابه شفيف أعجب بيتيه له الكنيف
قوله للفسو يعني شفت ثيابه أي رقت بكثرة فسوه، ذكره الديمرتي قال: والصواب عندي أن الشفيف هذا ندوة. وذكر ابن دريد الشفيف: شدة حر الشمس وقال قوم بل هو شدة لذع البرد. وأعجب له يعني يعجبه الكنيف لحاجته إليه لكثرة أكله.
أوطانه مبقلة وسيف
السيف: ساحل البحر، المعنى: في الأبيات بمدح البدوي يجوب المفاوز،
[ ٣ / ٢٣٠ ]
وخلو بيته من البقل والتمر، وليس فيه إلا السمن المبذول للجار والضيف، ويهجو الحضري بكثرة الأكل والفسو وإعجابه بالخلاء
(٦٤)
وقال ربعان، إسلامي:
(الثالث من الطويل والقافية من المتراكب)
إن كنت عميًا فكن فقع قرقر وإلا فكن إن شئت أير حمار
الفقع: ضرب من الكمأة. وقرقر: مكان مستقر. وأير حمار لا ينتفع به بوجه، فضرب المثل به في عدم المنافع. المعنى: يصفهم بالذل وعدم النفع.
فما دار عمي بدار خفارة ولا عقد عمى بعقد جوار
الخفارة: مصدر الخفير. المعنى: يصفهم بقلة الوفاء بالعهد وكثرة الخيانة والغدر. والعمي: منسوب إلى بني العم من بني مالك بن حنظلة.
(٦٥)
وقال آخر:
(الأول من الوافر والقافية من المتدارك)
أراني في بني حكم غريبًا على قتر أزور ولا أزار
أناس يأكلون اللحم دوني وتأتيني المقاذر والقتار
القتر والقطر: الناحية، والمقاذر جمع قذر على غير قياس، والقتار ريح القدر والمرق، المعنى: يشكو بني حكم بأنه يزورهم، ولا يزورونه، ويأكلون دونه ولا يضيفونه.
(٦٦)
وقال آخر:
[ ٣ / ٢٣١ ]
[الأول من الوافر والقافية من المتواتر]
وما إن في الحريش ولا عقيل ولا أولاد جفنة من كريم
ولا البرص الفقاح بني نمير ولا العجلان زائدة الظليم
زائدة الظليم خفه لأن الخف زائدة في الظليم ألا ترى أنه ليس من آلة الطائر وقد هوس بعضهم في الظليم بما لا يساوي ذكره. المعنى: ينفي هذه القبائل من الكرم وجعل العجلان قبيلة زائدة في القبائل كخف الظليم.
أولئك معشر كبنات نعش خوالف لا تسير مع النجوم
ويروي "لا تغور مع النجوم" وبنات نعش في الركود والثبوت لأنها تدور حول القطب، فلا تزول عن مرأى العين، يقول: هؤلاء القوم الذين لا يفدون إلى الملوك ولا يغزون العدو، ولا ينتجعون الغيث بل يقيمون على الذل والرضا باليسير.
(٦٧)
وقال رجل من جرم لزياد الأعجم، وقيل: إنه لزياد، إسلامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
دلفت إلى صميمك بالقوافي عشية محفل فهتمت فاكا
وصدق ما أقول عليك قوم عرفت أباهم ونفوا أباكا
دلفت: أي مشيت بتؤدة، والدالف: الهرم لذلك، إلى صميمك أي قلبك أي
[ ٣ / ٢٣٢ ]
جرحت قلبك بالقوافي فهتمت فاك كسرت أسنانك أي أوجعتك وأحزنتك، والهتم: الكسر. المعنى يقول: هجوتك وتركتك لا تجسر تتكلم، وصدقني ما أقول فيك من يشهد بصحة نسبهم ويشهدون بفضيحة نسبك.
(٦٨)
وقال زياد الأعجم، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ومن أنتم إنا نسينا من أنتم وريحكم من أي ريح الأعاصر
المعنى: يهجوهم بأنهم سقاط لا يعرفون، والعرب تعبر عن الدولة بالريح فيقولون: هبت ريحه، وفي ضده سكنت ريحه، يقول: ريحكم شمول أم جنوب أم صبا أم دبور والأعاصر جمع إعصار.
وأنتم أولى جئتم مع البقل والدبا فطار وهذا شخصكم غير طائر
يقول ما عهد ناكم قبل الخصب، ولا رأيناكم أثرًا، فلما أخصب الناس نبعتم فكأنكم إنما جئتم مع البقل والدبا، فطار وبقي شخصكم، يرميههم بأنهم لا أصل لهم.
فلم تسمعوا إلا بما كان قبلكم ولم تدركوا إلا مدق الحوافر
المدق: موضع وقع الحافر. المعنى يقول: سمعتم من كان قبلكم ولم تدركوهم لحداثة ولادتكم أي ليس لكم قديم، ولم تكنوا إلا أذلة يطؤكم كل حافر.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
(٩٦)
وقال عمرو بن الهذيل العبدي:
[الأول من الطويل بالحزم والقافية من المتواتر]
نحن أقمنا أمر بكر بن وائل وأنت بثاج ما تمر وما تحلي
وما تستوى أحساب قوم تورثت قديمًا وأحساب نبتن مع البقل
ثاج: ماء لبني سعد، يخاطب بذلك مالك بن مسمع حين فر أيام العصبية.
المعنى يقول: باشرنا أمر الحرب وأنت لا نفع فيك ولا ضر، يرفعه عن قدم الأصل وإرث الحسب.
(٧٠)
وقالت كنزة أم شملة بنت بردة المنقري في مية صاحبة ذي الرمة، قال عبد الله بن مسلم هي لذي الرمة، وذاك أنه كان يشبب بمية، وكانت من أجمل الناس، ولم تره قط، فجعلت لله ﷿ عليها أن تنحر بدنة أول ما تراه، فما رأته، رأت رجلًا دميمًا أسود. فقالت واسوءتاه، فقال ذو الرمة فيها هذه الأبيات:
[ ٣ / ٢٣٤ ]
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا جبذا أهل الملا غير أنه إذا ذكرت مي فلا حبذا هيا
على وجه مي مسحة من ملاحة وتحت الثياب الخزي لو كان باديا
المعنى: تحمد أهل الملا وتخص مية منهم بالذم، وتصفها بظاهر الجمال وباطن القبح والنكال.
ألم تر أن الماء يخلف طعمه وإن كان لون الماء أبيض صافيًا
إذا ما أتاه وارد من ضرورة تولى بأضعاف الذي جاء ظاميا
يخلف طعمه: يتغير يجيء بخلاف ما ظن به. المعنى: شبهتها بالماء الصافي اللون الخبيث الطعم إذا أتاه العطشان زاده عطشًا لأنه لا يتمكن من شربه لزعوقته.
كذلك مي في الثياب إذا بدت وأثوابها يُخفين منها المخازيا
فلو أن غيلان الشقي بدت له مجردة يومًا لما قال ذا ليا
المخازي جمع خزي على غير قياس، وغيلان ذو الرمة وهو غيلان بن عقبة التيمي، ويروي "لما قال آليًا" فآليا هو فاعل من قولهم لا يألو أي لا يقصر، وقيل: الاليا من الآلية أي الحلف يعني حالفًا، لا حسنها المسموع، ومنه آلى يولي على أفعل، وقيل: ذا ليا يعني ذا لي ما تمناها، وقال بعضهم: يجوز أن تكون الهمزة من آليا مبدلة من الهاء أي لما قال "هاليا" أي ما توجع من حبها كقوله: "فها لي منها إذ أصيب صميمي".
كقول مضى منه ولكن لرده إلى غير مي أو لأصبح ساليا
كقول مضى أي ما قال بدءا، ولكن قوله إلى غير مي أو سلا عن كل غزل لما
[ ٣ / ٢٣٥ ]
يبدو من قبح بدن مية، المعنى: تقول لو رأهاذو الرمة متجردة لسلا عنها ولم يشبب بها.
(٧١)
وقال أبو العتاهية العتاهية فعالية من التعته وهو التحسن والتزين، ورجل معتوه بين العتاهية أي مجنون.
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
جزي البخيل علي صاحلة عني بخفته على ظهري
أي جزي البخيل على مثوبة بخفته على ظهري، وضع الاسم مكان الصدر يعني بتخفيفه على ظهري يقول: لو جاد علي لكان قد أثقل ظهري بمنته، فلما بخل خفف ظهري فلم يلزمني شكره.
أعلى وأكرم عن يديه يدي فعلت ونزه قدره قدري
قوله أعلى وأكرم .. البيت لأنه لو كان أعطاني لكانت يده فوق يدي وقدره فوق قدري.
ورزقت من جدواه عافية ألا يضبق بشكره صدري
وغنيت خلوًا من تفضله أحنوا عليه بأحسن العذر
المعنى يقول: عوفيت وسلمت من عطائه لأنه كان يلزمني شكره، ولو وصل
[ ٣ / ٢٣٦ ]
إلي عطاؤه لكان يضيق صدري بشكر مثله، وقوله: غنيت خلوًا أي بقيت خاليًا من تفضله.
ما فاتني خير امرئ وضعت عني يداه مئونة الشكر
المعنى: شكر البخيل بحرمانه إياه لسقوط مئونة شكره عنه ولعذره عليه ويعتد بذلك خيرًا منه، وهذه الأبيات خارجة عن حد الهجاء لاحقة بباب الأدب لأنها في القناعة.
(٧٢)
وقال ابن عبدل الأسدي، عبدل بمعنى عبد واللام زائدة:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
أضحى عراجة قد تعوج دينه بعد المشيب تعوج المسمار
أي ترك الاستقامة التي كان عليها في الدين، وشبه ذلك بتعوج المسمار لأنه لا يستقيم وينكسر.
وإذا نظرت إلى عراجة خلته فُرجت قوائمه بأير حمار
فرجت قوائمه يعني عن أير حمار، شبه قوائمه بأير حمار، ويجوز أن يكون المراد كأن قوائمه من أير حمار أي شقت منه وخلقت لوحشتها، والباء قد تجئ بمعنى من، ويحتمل أن يكون المراد به عوج القوائم لأن أير الحمار ليس بآلة القطع فما يقطع به لا يكون مستويًا. المعنى يصف اعوجاجه، ويصفه بالتخلف عن دينه ويذكر قبحه.
(٧٣)
وقالت أم عمرو بنت وقدان، وهو فعلان من الوقد، وهو الوقود بعينه:
(الأول من الكامل والقافية من المتراكب)
[ ٣ / ٢٣٧ ]
إن أنتم لم تطلبوا بأخيكم فذروا السلاح ووحشوا بالأبرق
الأبرق: مكان، والتوحيش بالموضع إخلاؤه، ويجوز أن يكون المراد، فذروا السلاح ووحشوا بهذا المكان. المعنى تعيرهم بالقعود عن طلب الثأر، وتحثهم عليه تقول: أن لم تطلبوا ذلك فذروا السلاح فلستم برجال.
وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا نقب النساء فبئس رهط الرهق
النقب: جمع نقبة وهو ثوب تلبسه المرأة ويروى "المرهق" وهو أجود المعنى: تقول البسوا آلات السناء، ودعوا آلات الرجال، تعيرهم بتركهم طلب الثأر.
ألهاكم أن تطلبوا بأخيكم أكل الخزير ولعق أجرد أمحق
الأمحق من المحق وهو ذهاب الشيء، وليست له فعلاء، تعني: لبنا أجرد قد ذهبت رغوته فلا رغوة له. المعنى: تقول شغلكم أكل الخزير عن طلب الثأر بأخيكم، والخزير طعام يصفي بلال النخالة فيطبخ منه.
(٧٤)
وقالت عاصية البولانية، من طيئ:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فلو أن قومي قتلتهم عصابة من السروات والرؤوس الذوائب
صبرنا لما يأتي به الدهر عامدًا ولكنما آثارنا في محارب
[ ٣ / ٢٣٨ ]
قبيل لئام إن ظهرنا عليهم وإن يغلبونا يوجدوا شر غالب
العصابة بالكسر دون القبيلة العظيمة، قبيل لئام: لم تجعلهم من بني أب واحد. المعنى: لو كان قتلهم قوم كرام صبرنا ولكن قتلهم لئام، فهم أشد علينا لأنا إن ظفرنا بهم لم يكن موضع الفخر للؤمهم وإن غلبونا كان شيئًا مستأنفًا.
(٥٧)
وقالت غيرها:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
إذا ما الرزق أحجم عن كريم وألجأه الزمان إلى زياد
تلقاه بوجه مُكفهر كأن عليه أرزاق العباد
مكفهر: إذا ركب بعضه بعضًا، ويكون أظلم إذا كان كذلك، ويروي "بوجه مقشعر" أي متشنج متقطب. المعنى: تصف زيادًا بعبوس وجهه عند السؤال.
(٧٦)
وقال أبو محمد اليزيدي، إسلامي كان مؤدبًا للمأمون:
(الأول من الكامل والقافية من المتراكب)
عجبا لأحمد والعجائب جمة أني يلوم على الزمان تبذلي
[ ٣ / ٢٣٩ ]
إن العجيب لما أثبتك أمره من كل مثلوج الفؤاد مهبل
مهبل ملقى، المثلوج: البليد الفؤاد. المعنى يقول: عجبت لأحمد كيف يلوم تبذلي على الزمان، وليس العجب من تبذلي ولكن العجب من كل جاهل بليد.
وغد يلوك لسانه بلهاته وترى ضبابة قلبه لا تنجلي
متصرف للنوك في غلوائه زمر المروءة جامع في المسحل
يقول: هو مظلم القلب كأنه مغطى لا ينكشف غطاؤه ويقول: يتقلب في أتم الخلق وأرفعه، ورمز المروءة قليلها، وجامح في المسحل مثل الدابة يجمع فلا ينقاد، والمسحل حديدة اللجام.
وإذا شهدت به مجالس ذي النهي وبلت سحابته بنوك مسهل
غلب الزمان بجده فسما به وكبا الزمان لوجهه والكلكل
المعنى بقول: أتعجب من كل أحمق متناه في الحمق والبلادة، صعب المراس قد عوه حدة وغلب الزمان فسما بجده.
ولقد سموت بهمتي وسما بها طلبي المكارم بالفعال الأفضل
لأنال مكرمة الحياة وربما عثر الزمان بذي الدهاء الحول
فلئن غلبت لتمضين ضريبتي كلب الزمان بعفة وتجمل
المعنى: يقول أنا أسمو بهمتي في طلب المكارم لأنال مكرمة حياتي فلا أرتكب فيها شيئًا يلزمني ذمًا، ثم قال: والزمان قد يغلب الداهي الكثير الحيلة، ثم قال: لئن غلبني الزمان فإن تحملي وعفافي يغلب شدائده.
تم باب الهجاء
***
[ ٣ / ٢٤٠ ]