إن أول ما يوجهه الدارس في الشرح هو نسبته إلي زيد بن علي الفارسي، وذلك لأننا نجد في أول الورقة الأولي من مخطوطة هذا الشرح خطأ واضحا وقع فيه الناسخ حيث كتب في العنوان وبخط كبير «كتاب الحماسة، اختيار أبي تمام حبيب أبن أوس الطائي مع شرحه المختصر من إملاء الشيخ أبي علي أحمد بن محمد المرزوقي» ثم نجد في الورقة ذاتها تصحيحا لهذا الخطأ بخط أحد الفضلاء جاء فيه «هذا كتاب شرح الحماسة مما اختاره أبو تمام الطائي من تصانيف الشارح الإمام العالم العلامة زيد بن علي بن عبد الله الفارسي الفسوي. قال أبن عساكر في تاريخ دمشق وأبن العديم في تاريخ حلب: كان عارفا بعلوم كثيرة فاضلا بعلم اللغة والنحو، مات بطرابلس في ذي الحجة أو ذي القعدة سنة سبع وستين وأربعمائة».
والحق أن الذي يقرأ هذا الشرح ويعارضه بشرح الإمام المرزوقي يجد أن فروقا عدة قامت بين الشرحين وتدل دلالة واضحة علي أن هذا الشرح لا صلة له بشرح المرزوقي فهو ليس بمختصر منه كما ذهب الناسخ، فالاختلاف بين في عدة أمور أهمها المنهج وعناصر الشرح والأسلوب والمصادر المعتمد عليها في كل من
[ ٢ / ١٠ ]
الشرحين، هذا أفضل عن الاختلاف في الأبواب، وترتيب القطع الشعرية، وعدد الأبيات في كل قطعة، ورواية الشعر.
فإذا نظرنا إلي المنهج وجدنا أن منهج المرزوقي- كما أوضحناه في كتابنا: شروح حماسة أبي تمام- منهج إبداعي فني أدبي يقوم علي الجهد العقلي والذوق الأدبي في معالجة النصوص بصورة تؤكد المقدرة الفائقة التي يتمتع بها الإمام المرزوقي في استنباط المعاني من خلال محصولاتة الثقافية الواسعة في علوم اللغة والنحو والأدب والبلاغة وهي علوم أضطلع بها المرزوقي وبرزت بوضوح من خلال شرحه.
أما منهج المصنف فهو منهج تعليمي يقوم علي الاختصار والتسهيل وإبراز معني النص في تناول سهل وعبارات ميسرة تميل غالبا إلي الإيجاز، وتدل علي أنه قد قصد بشرحه هذا فئة معينة من المتعلمين، فهو وإن كان قد أتفق مع المرزوقي في أن كلا منهما قد صنع شرحه لغاية تعليمية فإن متلقي شرحه قد كانوا مختلفين عن متلقي شرح المرزوقي، فالمرزوقي صنع شرحه لتلاميذه من بني وهم فئة خاصة، تعد نفسها للإمارة وتريد أن تصقل عقلها ووجدانها بالعلم والأدب لتنال منهما نصيبا وافيا يتناسب والمكانة التي تتطلع إليها في بلاط البويهيين. أما المصنف فالواضح أنه أملي شرحه لتلاميذ من عامة الشعب لا يمتون إلي الإمارة أو السلطان بصلة.
هذا من حيث المنهج، وأما من حيث الشرح فالاختلاف فيها قائم تبعا للمنهج ذاته، وهي، كما رأيناها عند المرزوقي متنوعة، فيها الرواية، وفيها النحو واللغة والبلاغة والنقد، يصول فيها ويجول، في إيجاز تارة وإسهاب تارات أخري. أما المصنف فهو يهتم بالرواية كثيرا، ولكنة قليل الاهتمام بالنحو والبلاغة والنقد، يقصر جهده علي المعاني، يعرضها في إيجاز واضح حتى يخيل إليك وأنت تقرأ شرحه إنه قد جعل الإيجاز مذهبا آلي علي نفسه ألا يفارقه، ولذلك تراه حين يناقش اللغة يناقشها فقط ليبرز المعني الذي يريد إثباته، فهو يخالف المرزوقي الذي كثيرا ما نراه
[ ٢ / ١١ ]
يفرع الحديث في اللغة داعما شرحه لها بالشواهد من القرآن والشعر.
والدارس للشرحين يستطيع أن يدرك الفروق في عناصر الشرح، وذلك من خلال أي نص من نصوص الحماسة، فمثلا في بيتي أبن زيابة الواردين في الحماسية رقم (٢٢) في شرح المرزوقي (٢٣) في شرح المصنف وهما:
نبئت عمرا غارزا رأسه في سنة يوعد أخواله
وتلك منة غير مأمونة أن يفعل الشيء إذا قاله
نجد المرزوقي يتكلم أولا عن «غارزا» فيقول: جعل غرز الرأس كناية عن الجهل والذهاب عما علية وله من التحفظ، ثم وقف عند النحو فبين العلة النحوية في مجيء هذه الأسماء منصوبة، عمرا، غارزا، رأسه، فنبأ وأنبأ مما يتعدى إلي ثلاثة مفاعيل، فعمرا منصوب علي أنه مفعول ثان، وغارزا علي أنه مفعول ثالث، ورأسه انتصب من «غارزا» ثم أنتقل إلي «سنة» فأفاد بأنها الغفلة، وحددها بأنها ما يحدث من أوائل النوم في العين، ولم يستحكم بعد، ثم وقف عند جانب بلاغي فقال: وهذا من أحسن التشبيه وأبلغ التعريض والإبعاد إذا كان علي ما وصف حقيق بالتهجين يدل علي ذلك قوله:
وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينة سنة وليس بنائم
وقد فصل الله تعالي بينهما بقولة: «لا تأخذه سنة ولا نوم» والفعل وسن يوسن وسنا، ثم وضح موضع «يوعد» من الإعراب، فهي في موضع نصب علي الحال، وأخيرا رجع إلي «غارزا» التي بدأ بها حديثة عن البيت، فبين استخدامها في الحقيقة والمجاز حيث أشار إلي أن معني «غارزا رأسه» مدخلا، ومنة الغرز بالإبر. ويقال: «غرز فلان رجلة في الغرز أي في الركاب، وتوسعوا حتى قالوا: إغترز فلان في ركاب القول.
ثم أنتقل إلي البيت الثاني فبين الشاعر منة وهو التهكم والسخرية قال: وفي طريقته قول الآخر:
وأما أخو قرط فلست بساخر فقولا ألا يا اسلم بمرة سالما
[ ٢ / ١٢ ]
قال هذا ومرة معرض لكل بلاء، قم وقف عند النحو فوضح موضع «أن يفعل» من الإعراب قال: موضعه علي البدل من قولة: «وتلك منة» ثم أنتهي إلي المعني وهو «تلك الخصلة لا يؤمن وقوعها من عمرو وهو فعلة لما يقوله».
أما المصنف فقد كان عملة في البيتين علي النحو التالي: قال: «غارزا رأسه» راكبا رأسه، في سنة أي في غفلة، وتلك منه غير مأمونة، يستهزئ به أي لا يقدر علي ذلك، لأنة أضعف من أن يفي بما يتوعد به، المعني: يصف بلوغه وعيد عمرو وأخواله، وهذا الشعار من جملة أخواله، أي خبرت أن عمرا توعدنا، ثم دل علي قلة اكتراثه به، وأنه إذا قال شيئا لم يف به».
وواضح أن المصنف كان همة في البيتين مقصورا علي المعني، يشرح المفردات التي يري ضرورة توضيحها، ثم يعمد إلي مجمل فيورده، فهو لا يشغل نفسه بالنحو، ولا البلاغة، وهو حين يتعرض للغة فإنما يتعرض لها من حيث المعني المراد من اللفظ في البيت غير ملتفت إلي توضيح استخدام اللفظ في الحقيقة والمجاز كما فعل المرزوقي، ولا متم شرحه بشواهد تدعم ما صورة من معان للغة.
كذلك يمكن أن تلحظ هذه الفروق في العناصر في بيتي عمرو بن كلثوم الواردين في الحماسية (١٦٠) في الشرحين معا، وهما:
فما أبقت الأيام ملمال عندنا سوي جذم أذواد محذفة النسل
ثلاثة أثلاث فأثمان خلينا وأقواتنا وما نسوق إلي العقل
نجد المرزوقي يقف عن كلمة «الأيام» فيفسرها بالوقعات، ثم ينتقل إلي «ملمال» فيقول: أراد من المال فجعل الحذف بدلا من الإدغام لما ألتقي بالنون واللام حرفان متقابلان، الأول متحرك والثاني ساكن لازما، ثم صور معني البيت الأول فقال: «ما بقي تأثير الحوادث ونكبات الأيام عندنا من أصول المال ومقتنياتها إلا بقايا أذواد قطع الضر نسلها، وتمكن الهزال وسؤ الحال منها، فهي علي شرف فناء
[ ٢ / ١٣ ]
وذهاب ثم رجع إلي المفردات ففسر الجذم بالأصل، والأذواد جمع ذود، والذود يقع علي ما دون العشرة، وقال أكثر أهل اللغة: إنها تقع علي الإناث دون الذكور، وبعضهم يجوز وقوعها علي الذكور أيضا، وما في البيت يشهد للأول.
ثم أنتقل إلي البيت الثاني فقال: «أموالنا ثلاثة أثلاث، فيرتفع الثلاثة علي أنه خبر مبتدأ محذوف، وما بعدها تفسير لها وتعليل، ونبه بما أورد وقسم الوجوه التي انصرفت إليها أموالهم فأفنتها، والطرق التي توزعتها فقللتها، فقال: افترقت أموالنا فرقا ثلاثا: ففرقة منها صرفناها إلي أثمان خيلنا لأنا غزاؤون ومعالجو حروب فلا نستغني عنها، إذ كان جدنا وهزلنا منها وبها، وفرقة منها حبسناها علي أقواتنا ومعايشنا لأن العفاة والزوار كانت تنتابنا وتتناوب عليها حتى تستغرقها لان إقامتنا بدار الحفاظ شغلتنا عن الغزو واجتذاب الزيادة إليها، وفرقة وجهناها إلي الديات وأروش الجنايات التي كسبتها أيدينا وإجترحتها رماحنا إذ كنا لعزنا ومنعتنا لا يطمع في الاقتصاص منا، ومثل هذا قول الآخر:
«نأسو بأموالنا آثار أيدينا»
فواضح من شرح البيت الثاني: أن المرزوقي يجنح إلي الإطناب في تصوير المعني وهو إطناب قائم علي الترادف في الألفاظ وتتابع الجمل التي تؤكد المعني الواحد وتقوية وذلك مثل قولة: «الوجوه التي انصرفت إليها أموالهم فأفنتها، والطرق التي توزعتها فقللتها» ومثل «كسبتها أيدينا، وأجترحتها رماحنا» والترادف مثل «غراؤون ومعالجو حروب» ومثل «تنتابنا وتتناوب عليها» و«عزنا ومنعتنا» كما نراه يجنح إلي تفريغ المعني وتنميته، فهو حين ذكر الوجه الأول: من وجوه مصارف أموالهم وهو أثمان الخيل فرع منة قولة: لأنا غزاؤون ومعالجو حروب فلا نستغني عنها، إذ كان جدنا وهزلنا منها وبها، وحين ذكر الوجه الثاني: وهو الأقوات والمعايش فرع منة قولين كلاهما تعليل لحبس المال في هذا المصرف، أحدهما قولة: لأن العفاة والزوار كانت تنتابنا وتتناوب عليها حتى تستغرقها، والآخر قولة: لأن إقامتنا
[ ٢ / ١٤ ]
بدار الحفاظ شغلتنا عن الغزو واجتذاب الزيادة إليها، وكذلك لما ذكر الوجه الثالث وهو الديات وأروش الجنايات فرع منه قولة: إذ كنا لعزنا ومنعتنا لا يطمع في القصاص منا.
أما المصنف فإنه لم يخرج عن منهجه في الشرح الذي لاحظناة في النص السابق فعناصره لم تتجاوز الرواية والمفردات ومجمل المعني، فهو يبدأ بالمفردات فيقول: «ملمال» أراد من المال، والجذم الأصل، ومعني محذفة النسل مقطوعة الأولاد، هذا ما أوردة في شأن البيت الأول، أما البيت الثاني فقد وقف فيه عند رواية أخري أثبتها التبريزي في متن شرحه، وهي رواية «وما نسوق إلي القتل» بدل العقل، ثم فسر معني البيت في إيجاز ظاهر قال: «ثلاثة أثلاث، أي أموالنا ثلاثة أثلاث: ما نسوق إلي القتل لأجل القتل، أي ما نعطي في الديات، ونتحمل من المغارم، وثلثه ثمن الخيل، وثلثه للقوت والضيافة. وهو بهذا لا يتجاوز شرح المفردات وإيراد مجمل المعني في إيجاز بعيد عن الإطناب الذي أتخذه المرزوقي سبيلا في الشرح وإيضاح المعاني، ونحن هنا لا نريد أن نفاضل بين الشرحين، وإنما قصدنا أن ثمة فروقا واضحة في عناصر الشرحين جاءت تبعا للمنهج أتخذه كل من الرجلين.
وبجانب الاختلاف في المنهج وعناصر الشرح لاحظنا أيضا اختلافا في تفسير الشعر، فبيت بشامة بن حزن الوارد في الحماسية (١٣٤)، والذي يقول فيه:
إني امرؤ أسم القصائد للعدا إن القصائد شرها إغفالها
قال المصنف في شرحه: «أسم القصائد علي وجهين أحدهما أن يكون المراد أجود القصائد في هجاء العداكي تروي لجزالة معناها وبراعة لفظها، والآخر أن يكون المراد أذكر من أهجوه فيها كي تروي، والمعني يصف تجويده الشعر ليكثر إنشاده».
[ ٢ / ١٥ ]
هذا ما فهمه المصنف من البيت، أما المرزوقي فقد قال في معني «أسم القصائد» أعملها بما يصير كالسمة عليها حتى لا تنسب إلي غيري، وحتى يعرف منها السبب الذي خرجت علية، فمن سمعها عرف قصتها، ولهذا قال: إن القصائد شرها إغفالها أي شر الشعر ما لا ميسم لقائلة والمقول فيه علية. ثم عرض رأيا آخر في البيت قال: «وسمعت من يقول: في البيت إنه مقلوب، والمراد أسم العدا بقصائدي كما قال الآخر:
جعلت له من فوق العرانين ميسما
والأول أكشف وأصح بدلالة أن الغفل جعله من القصائد فكذلك الموسوم يجب أن يكون منها».
ولا شك أن الفرق واضح بين التفسيرين، فالأول يذهب إلي أن السمة هنا الجودة القائمة علي جزالة المعني وبراعة اللفظ، أو هي أن يذكر في القصيدة المهجو حتى تشيع بين الناس وتروي، أما الآخر فيذهب إلي أن السمة هنا هي العلامة التي تميز شعرة، فلا ينسب إلي غيرة، أو تعني السبب الذي قيلت القصيدة من أجلة، فيعرف السامعون قصتها، ولم يقف المصنف عند قول الشاعر: «أن القصائد شرها إغفالها» ولكن واضح من شرحه أنه يذهب إلي أن شر القصائد ما لا جودة فيها، أو لم يذكر فيها أسم المهجو، في حين أن المرزوقي يفسر العبارة بأن شر القصائد ما لا سمة لقائلها أو دلالة تدل علي المقول فيه، والمقول فيه هنا هو المهجو، وهذا يدل علي أنها التقيا في هذا الجانب الجزئي من التفسير، غير أن ذكر المهجو في الشعر وأن كان سمة تسم القصيدة وتميزها فإنه لا يعني الجودة التي ذهب إليها المصنف في تفسيره الأول وأعتمدها في مجمل المعني.
وفي بيت عبد الشارق بن عبد العزي الوارد في الحماسية (١٥٢) وهو البيت القائل:
ألا حييت عنا يا ردينا نحييها وإن كرمت علينا
[ ٢ / ١٦ ]
قال المرزوقي في شرحه: «هذا علي كلامين، وألا افتتاح، والتحية قال بعضهم هي الوداع ها هنا، يقول: ألا أبلغت وداعنا يا ردينه، ثم قال: نحييها أي نودعها وإن عزت علينا مفارقتها، ويجوز أن يكون دعا لردينه فقال: جزاك الله عنا أي تولي الله ذلك من دوننا، ثم راجع نفسه فقال: نفعل علي فخامة موقعها منا، وجلالة محلها في قلوبنا، إذ كنا لا نقدر لها علي غير ذلك، وقولة: «نحييها وإن كرمت» يسمي التفاتا، كأنة التفت إلي من معه فقال ذلك».
أما المصنف فقد جاء في شرحه قولة: «يعني نفارقها وإن كرمت علينا، قال أبو رياش: إن رجلا إذا عرف بمحبة امرأة لم يزوجوها له، وإذا سلم عليها عرف إنه يحبها ويهواها فقال: نسلم عليها وإن كان في السلام بأس منها، وهذا من إفراط شوقه وغلة هواة، وقبج غيرة: كان هذا الشعار غائبا عن ردينه فحن إليها، وأشتاق إلي قربها فقال: ألا خصصت عنايا ردينه بتحية منا، ثم قال معتذرا عن التسليم عليها في حال الغيبوبة نحييها وإن كرمت علينا أي وإن جلت عندنا من أن يتولى تحيتها غيرنا، غيرة منا عليها».
فواضح أن كلا من الشيخين ينقل قول من سبقه في معني البيت دون تعليق أو مناقشة، وهذا يدل علي أنهما ارتضيا ما نقلا، غير أن الاختلاف واضح بين ما نقلة المرزوقي وما نقلة المصنف، وطبيعي أن يقع ذلك لأن مصادرهما في الشرح مختلفة، وذلك علي النحو الذي سنوضحه في موضع آت.
وإذا كنا قد لاحظنا فروقا في المنهج وعناصر في المنهج وعناصر الشرح وتفسير الشعر فإن هناك فرقا في الأسلوب، فالمرزوقي- كما نعلم- كان أديبا كاتبا، ولذا أصطبغ أسلوبه في الشرح بصبغة أدبية عالية، قال عنة ياقوت: «كان يتفاصح في تصانيفه كابن جني، وقال عبد السلام هارون: «والمرزوقي ذو عبارة رصينة متخيرة، يتكلف لها الصنعة
[ ٢ / ١٧ ]
حينا، ويعمد آخر إلي السجع الهين. وأفاد الدكتور أحمد جمال العمري عن أسلوب المرزوقي فقال: «وأسلوب المرزوقي مشرق مملوء حياة، هذا ما لمسناه يشرح فكرته ويدلل عليها، كان يختار التعبير الرائق الذي يثير في النفس ذكريات أو يوحي بخيالات تدعم المعني وتثير الشعور».
والحق أن الذي يقرأ شرحه يحس بأن الرجل كان في أسلوبه كما صورة هؤلاء العلماء، فقد كان يعني بأسلوبه عناية فائقة، ويكفي أن تقرأ مقدمته التي شرحها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور لتدرك أنه كان ذا درجة عالية في السبك وصوغ الجمل والعبارات، أما المصنف فأسلوبه نابع من طريقته وهي طريقه-كما رأينا- بنيت علي السهولة واليسر والإيجاز، ومن ثم فهو لا يتكلف صوغ العبارة ولا يجتهد في تزيين كلامه وتوشيته بلون من ألوان البلاغة، وإنما يطلق العبارة سهلة لتوضح المعني الذي يريد إيصاله لمتلقي شرحه، فهو مثلا يقول في بيتي عمرو بن سبره الحرشي الواردين في الحماسية (١٦٢):
إذا سالت الجوزاء والنجم طالع فكل مخاضات الفرات معابر
وإني إذا ضن الأمير بإذنه علي الأذن من نفسي إذا شئت قادر
«إذا أشتد الحر، وقلت المياه عبرت الفرات ولك يمنعني خوف الغرق، وإذا بخل الأمير علي بإذنه قدرت علي الأذن من نفسي بالانصراف عن بابه وهربت من سلطانة». وفي حين نجد المرزوقي يقول في البيتين: «إذا تناهي الحر وارتفعت الجوزاء في أول الليل إلي كبد السماء، وطلع الثريا عند السحر، فكل مخاضه من جوانب الفرات معبر لي، أهرب فيه، لأن نضوب الماء ونقصانه يكون في ذلك الوقت، وإذا تمنع عن الأذن، وصدني الوقت عن مرادي، ولم أقدر علي جواز المسالح والمراصد لكونها مشحونة بالمرتبين فيها انتظرت غيض الماء وجزره في
[ ٢ / ١٨ ]
الفرات وإمكان المخاضات من العبور والذهاب فحينئذ آذن لنفسي وأهرب، وإنما قال ذلك لأن المشارع لا تضبط كما تضبط الجسور ومضائق الطرق".
فالمرزوقي يصور المعنى بوجدانه وعقله، يتدخل الوجدان في تخير الألفاظ وصوغ العبارات، ويتدخل العقل في هذا التعليل الذي يتبع كل معنى يصوره ويقرره، بينما نجد المصنف يقف في تصويره للمعنى عند الإيجاز، وبعبارات سهلة، لا تخير في ألفاظها ولا تأنق في صوغها.
وأما المصادر فإن المصنف يعتمد على شروح سبقته لم يرها المرزوقي، ولم يفد منها فمن ذلك شرح أبي رياش الذي أفاد المصنف منه في أكثر من موضع، ومثله المبهج في شرح أسماء شعراء الحماسة لابن جني، وهذان المصدران لم يقف عليهما المرزوقي، ولذا خلا شرحه مما فيهما من فوائد، قال عبد السلام هارون في الموازنة بين شرح المرزوقي وشرح التبريزي: "إن المرزوقي قد فاته كثير من أخبار الشعر ومناسباته، والكلام على أسماء الشعراء واشتقاق أعلامهم، وهما الميزتان اللتان امتاز بهما التبريزي عليه، والتبريزي في الناحية الأولى أفاد من شرح أبي رياش للحماسة، ويبدو أن كتاب أبي رياش لم يقع للمرزوقي حتى يمكنه الانتفاع به كما صنع التبريزي، وفي الناحية الأخرى قد أفاد من شرح أبي هلال ومن المبهج لابن جني".
وأفاد المصنف من شرح الديمرتي للحماسة وكذلك شرح أبي علي الاستراباذي ورأيته ينقل من "معاني أبيات الحماسة" لأبي عبد الله النمري دون عزو، وهذه الشروح الثلاثة لا أثر لها في شرح المرزوقي.
والمصنف أيضًا ينقل عن رجال لم يردوا في شرح المرزوقي مثل أبي سعيد السيرافي، وأبي علي القاساني، وأبي سعيد الفسوي.
[ ٢ / ١٩ ]
ولعل المصدرين الوحيدين اللذين التقى فيهما المصنف مع المرزوقي هما أبو علي الفارسي والبرقي، فأما الأول فقد كان أستاذا للمرزوقي، قرأ عليه كتاب سيبويه وتتلمذ له، ولذا نراه يذكر سماعه عنه في جملة من المواضع في شرحه. أما المصنف فإن صلته بصاحب الإيضاح كانت عن طريق أبي الحسين ابن أخت أبي علي الفارسي أخذ عنه كتاب خاله "الإيضاح" وشرحه للناس، وأخذ الناس الإيضاح عن المصنف من هذا الطريق. وقد أفاد المصنف من أبي علي الفارسي في بعض مواضع من شرحه. أما البرقي فقد أفاد منه الرجلان، غير أن البرقي -وكما سيتضح لنا في موضع ترجمته من هذا البحث- غير معروف في المصادر التي وقفنا عليها.
والمصنف كثيرا ما يورد عدة روايات للبيت الواحد، وهذا يدل على أنه قد وقف على نسخ مختلفة لمتن الحماسة أو روايات الشروح التي أفاد منها، والمرزوقي نفسه يشير في أكثر من موضع إلى أنه وقف على نسخ مختلفة لديوان الحماسة، غير أنني حين وازنت بين ما يناقشه المرزوقي من روايات وما يعرضه المصنف منها في شرحه وجدت أنه لا بد أن تكون مصادر الشيخين مختلفة في هذا الجانب، وربما كان مرد ذلك إلى تلك الشروح التي ذكرت أن المصنف أفاد منها، ولم يقف عليها المرزوقي.
وبجانب ما ذكرنا من اختلاف في المنهج وعناصر الشرح وتفسير الشعر والأسلوب والمصادر هناك اختلاف في الأبواب، وعدد القطع الشعرية، وترتيبها وعدد
[ ٢ / ٢٠ ]
الأبيات في القطعة الواحدة، فضلا عن الاختلاف في رواية الشعر، فالأبواب عند المرزوقي أحد عشر بابًا، وهي عند المصنف وغيره من الشراح عشرة أبواب، وذلك لأن الباب السادس جاء في شرح المرزوقي مشطورًا إلى بابين باب الأضياف وباب المديح، في حين أن قطع هذين البابين جاءت في باب واحد عند المصنف تحت عنوان باب الأضياف ولقد سبق أن ناقشنا ذلك في الكتاب الأول "الموازنة بين الشروح" وذكرنا أنه ربما يكون هذا قد وقع من النساخ الذين نسخوا شرح المرزوقي، ولكنه على أية حال يبقى فرقا بين الشرحين.
أما عدد القطع الشعرية في هذه الأبواب فقد اتفقا في بعضها واختلفا في بعض، اتفقا في باب الحماسة فقطعه عند كليهما ٢٦١ قطعة، وكذلك في باب المراثي فهو عندهما ١٣٧ قطعة، وفي باب السير والنعاس الذي بلغ عندهما ٩ قطع، وكذلك في باب مذمة النساء، فهو في روايتيهما ١٩ قطعة، أما بقية الأبواب فالاختلاف فيها واضح، فباب الأدب ٤٧ قطعة عند المرزوقي ٥١ عند المصنف وباب الهجاء ٨٠ عند المرزوقي ٧٦ عند المصنف، وباب الأضياف والمديح جاء مجموعهما عند المرزوقي ١٤٢ قطعة وعند المصنف ١٣٩، وجاء باب الصفات ثلاث قطع عند المرزوقي وأربع قطع عند المصنف.
أما الاختلاف في الترتيب فهو كثير متعدد، يكاد يشمل جميع الأبواب، فمثلا في باب الحماسة وهو باب اتفق الاثنان في عدد قطعه نجد أن الحماسية (٢٥٦) عند المرزوقي رواها المصنف بعد أربع قطع فهي عنده رقم (٢٦٠)، وفي باب المراثي الذي تساوت قطعه عندهما نجد أن مرثية جاءت عند المرزوقي هي مرثية جرير التي يرثي فيها قيس بن ضرار بن القعقاع، في حين أن هذه المرثية جاءت عند المصنف رقم (١٣٥) أي قبل قطعتين من نهاية الباب عنده. وفي باب النسيب في قطعة ابن هرم الكلابي وهي القطعة رقم (١٣٥) في شرح المصنف نجد أن المرزوقي روى بعدها خمس قطع جاءت متقدمة في شرح المصنف، فهي في رواية المصنف على الترتيب: ٧٥، ٧٦، ٧٧، ٧٨، ٧٩، والقطعة (٧٩) التي نسبها المصنف إلى خلف بن
[ ٢ / ٢١ ]
خليفة أو عبد الملك الحارثي هي آخر باب النسيب عند المرزوقي، بينما آخر قطعة عند المصنف هي قطعة ابن المولى التي رواها المرزوقي قبل القطعة (١٣٤) في ترتيب المصنف.
وأما الاختلاف في عدد الأبيات في القطعة الواحدة فكثير بين الشرحين، وهذا يرجع غلى اختلاف نسخ الحماسة التي اعتمد عليها كل من الرجلين، والأمثلة عديدة يستطيع من يقف على الشرحين أن يلم بها، فحماسية قيس بن الخطيم وهي رقم (٥٧) رواها المرزوقي أربعة أبيات، بينما جاءت في رواية المصنف سبعة أبيات، وحماسية إبراهيم بن الحكم أو ابن أنيف النبهاني رقم (٧١) فهي عند المرزوقي خمسة وعند المصنف سبعة أبيات، وهكذا لو تتبعنا أبواب الحماسة لوجدنا الاختلاف متعددًا بين الشرحين في رواية عدد الأبيات في القطعة، وهو أمر أثبتناه في هوامش هذا الشرح، ويمكن أن يرجع إليه في سائر الأبواب.
وكذلك نجد اختلافًا في رواية البيت الواحد، صحيح أن هناك التقاء في الرواية كثير من أبيات الحماسة غير أن هذا الالتقاء صحبه أيضًا اختلاف في مواضع متعددة بل هناك اختلاف في الاحتجاج لصحة الرواية التي اعتمدها كل منهما، فمثلا بيت الفند الزماني الوارد في الحماسية رقم (٢) رواه المرزوقي هكذا:
مشينا مشية الليث غدا والليث غضبان
وقال في شرحه: "سعينا إليهم مشية الأسد ابتكر وهو جائع" وقال: "من روى " عدا " على أن يكون من العدوان فليست روايته بحسنة لأن الليث في أكثر أحواله ظالم".
[ ٢ / ٢٢ ]
أما المصنف فقد اعتمد رواية "عدا" بالعين غير المعجمة وقال: "وعدا من العدوان، أي مشينا كما يمشي الأسد عاديا غضبان" ونقل رأي بعضهم "إن الرواية "عدا" ولا يجوز "غدا" لأن الليث لا يغدو ثقة بنفسه إلا لصيد لا يفوته متى قصده".
وفي الحماسية التي نسبها المصنف إلى مؤرج السدوسي جاء البيت الأول منها في روايته على النحو التالي:
لا يمنعنك خفض العيش في دعة نزوع نفس إلى أهل وأوطان
بينما أثبت المرزوقي في روايته الأولى "نزاع نفس" وقال في الشرح: "ويروى نزوع نفس والنزوع اشتهاره في الكف عن الشيء والنزاع الشوق، وإن كان جائزًا وقوع أحدهما موقع الآخر".
كذلك روى المصنف البيت الأول من حماسية العباس بن مرداس رقم (١٤٩):
أبلغ أبا سلمى رسولا تروعه ولو حل ذا سدر وأهلي بعسجل
وقال: "الرسول ها هنا الرسالة ولذا أنث فقال: تروعه" وروى المرزوقي "رسولا يروعه" على أجراء اللفظ لا المعنى وقال: "الرسول يقع على المرسل والرسالة جميعا ويجري مجرى المصادر".
وفي حماسة القتال الكلابي رقم (٢١٧) روى المصنف البيت الرابع منها هكذا:
يرى أن بعد العسر يسرا ولا يرى إذا كان عسر أنه الدهر لازب
[ ٢ / ٢٣ ]
ورواه المرزوقي "إذا كان يسر أنه الدهر لازب"، وفد نبهنا في هامش هذه الحماسية أن رواية المرزوقي في أصح معنى من رواية المصنف لأن الشاعر قال في الشطرة الأولى: أن العسر لا بد أن يخلفه يسر، فالعسر لا يدوم، واتساق المعنى يقتضي أن يقول في الشطرة الثانية أن اليسر أيضا لا يدوم.
والحق أن معارضة هذا الشرح بشرح المرزوقي وغيره من الشروح الأخرى قد أثبتت فروقًا جمة في رواية المتن لا مع شرح المرزوقي فحسب بل مع غيره من الشروح الأخرى مثل شريح التبريزي الذي يجد القاريء مواضع اتفاق في الرواية مع المصنف، كما يجد مواضع اختلاف، وقد أثبتنا جميع ذلك في الهوامش.
وبعد فإن هذه الفروقات التي شرحناها في جوانب مختلفة كانت غايتنا منها أن نؤكد أن هذا الشرح ليس مختصرًا من شرح المرزوقي، كما توهم الناسخ، كما ليس بصحيح ما ذهب إليه صاحب كتاب "حماسة أبي تمام وشروحها" حين ذكر أن نصوصا من هذا الشرح "تلتقي في بعض جوانبها بما هو في شرح المرزوقي مع شيء من التصرف وعدم الالتزام بنصه"، إذ معنى هذا أن المصنف كان أمامه شرح المرزوقي يأخذ منه ثم يحور فيه ويورده دون عزو، وهذا ظاهر من قوله: "وهذا يعني أن صاحب هذا الشرح قد اطلع على شرح المرزوقي وأفاد منه دون أن يصرح باسمه"، وقال في موضع آخر: "إن المصنف في الثلث الأخير من شرحه أخذ يركز أكثر ما يركز على تفسير معاني الكلمات، ويبدو في هذا الجانب مستفيدًا من شرح المرزوقي".
فهذه الأقوال جميعًا لا تقوم على شيء وهي مدفوعة بعدة أمور: أحدها أن المصنف أفاد من شروح سبقته، كان يأخذ منها بالنص ويذكر أصحابها، وقد ذكرت هذه الشروح عندما فرقت بين مصادره ومصادر المرزوقي، وهو لم يذكر
[ ٢ / ٢٤ ]
المرزوقي في شرحه قط، فلو أنه وقف على شرح المرزوقي وقوف ناقل محور كما يزعم الدكتور عسيلان لما فات عليه أن يذكره، ولو من قبيل الاعتراض عليه، كما فعل التبريزي الذي وصفه عبد السلام هارون بأنه كان عالة في جمهور شرحه على المرزوقي، ينقل منه ما يريد دون عزو، ولا يذكره إلا في المواطن التي يعترض عليه فيها.
وثانيها ما ثبت لدينا من خلال الدراسة الدقيقة المتأنية أن المصنف قد ينقل ممن سبقه دون عزو ولكنه لا يحور في الكلام المنقول أو يتصرف فيه بل ينقله حرفيا فما الذي يجعله ينقل من المرزوقي متصرفًا، ولا يتصرف في النقل من غيره، ففي الحماسية رقم (١٦٧) قال المصنف في بيت الشنفرى:
هنالك لا أرضى حياة تسرني سجيس الليالي مبسلا بالجزائر
"سجيس الليالي آخر الليالي، أي امتداد الدهر، وذلك أن الشيء أذا طالت مدته تغير في غالب الأمر فكأنه قال: لا أكلمك إلى آخر المدة التي يتغير فيها الدهر"، فهذا الكلام منقول بنصه من ابن جني في التنبيه حيث قال: "ومنه قولهم لا أكلمك سجيس الليالي أي امتداده والتقاؤه، وذلك أن الشيء إذا طالت مدته في غالب الأمر تغير وفسد فكأنه قال لا أكلمك إلى آخره المدة التي يتغير فيها الدهر".
وفي المرثية رقم (٥٧) في بيت أم الصريخ الكندية القائل:
ولو أنهم فروا لكانوا أعزة ولكن رأوا صبرا على الموت أكرما
نقل التبريزي قول أبي عبد الله النمري وقد جاء فيه: "ظاهر الكلام يدل على أنهم أسلموا وخذلوا وكثرتهم الخيل فأحسنوا البلاء فقتلوا، ولوفروا لعذروا ولم يلاموا لوضوح عذرهم، ولأنهم عرفوا بالشجاعة من قبل". فهذا القول نكاد نجده
[ ٢ / ٢٥ ]
بنصه في شرح المصنف، ولم يعزه النمري كما فعل التبريزي قال: "ظاهر الكلام يقتضي ذلا لا عزا، فالعز لا يكتسب بالفرار ولكنها أرادت به أنهم أسلموا وخذلوا وكثرتهم الخيل فأحسنوا البلاء فقتلوا، ولو فروا لعذروا، وكانوا أعزة لم يلمهم صديق، ولم يعبهم عدو لوضوح أمرهم ولأنهم قد عرفوا بالشجاعة قبل".
وهذا الكلام فيه تغيير طفيف عن كلام النمري، غير أن جل ألفاظه جاءت مطابقة، وربما وقع هذا التغيير الطفيف من التبريزي الذي نقل كلام النمري، فنحن لم يصل إلينا شرح النمري، وإنما وصل إلينا مختصر منه كما أوضحنا من قبل، وحتى إن قلنا بأن هذا التغيير الطفيف قد وقع من المصنف فإن غلبة الألفاظ شاهدة على أنه أخذه من النمري، فلو كان المصنف يتعمد النقل من المرزوقي ثم يتصرف فيما ينقل، كما ذهب الدكتور عسيلان، لوجدنا ألفاظ المرزوقي وجمله على هذا النحو الذي رأيناه في نقل المصنف عن ابن جني والنمري.
وثالث هذه الأمور أن المثال الذي ساقه الدكتور عسيلان ليؤكد به إفادة المصنف من المرزوقي في شيء من التصرف لا يصلح أن يكون دليلا لما ذهب إليه فهو ينقل نصًا من شرح المرزوقي ونصا من شرح المصنف، وذلك عندما شرح كل منهما بيت سعد بن ناشب الوارد في الحماسية (١٠) في الشرحين، وهو البيت.
وأذهل عن داري وأجعل هدمها لعرضي من باقي المذمة جالبا
غير أنه لم ينقل كل ما جاء في الشرحين وهو كما قرأناه على النحو التالي:
قال المصنف في شرحه: "المعنى أن هذا الرجل كانت له دار موروثة، وكان يلحقه من قومه ضيم، وقدروا أنه يحتمل ولا يفارق داره فقال: أصرف قلبي عن داري واتركها تهدم، وذلك أهون علي من أن أقيم عليها معترفًا بالذل" فأذم به، فاجعل هدم داري مانعا لي من مذمة باقية كي لا يقال: إنه أقام على الذل ضنًا
[ ٢ / ٢٦ ]
بها". وقال المرزوقي في شرحه: "الذهول ترك الشيء متناسبًا له ومتسليا عنه، ومنه اشتقاق ذهل يقول: إذا ضاق المنزل بي حتى يصير دار الهوان انتقلت عنه، واجعل خرابه وقاية للنفس من العار الباقي والذم اللاحق، وهذا قريب من قوله: "وإذا نبا بك منزل فتحول".
فهل هذا الشرح يدل على أن صاحب الشرح السابق قد أفاد منه، أن الأصل في الشعر أن يكون معنى البيت الذي يريده الشاعر واحدًا، وإنما الاختلاف بين الشراح يكون في تأويل هذا المعنى، فإذا حدث أن اتفقوا في هذا التأويل أصبح الاختلاف بينهم في اللغة والأسلوب، فكل منهم يصوره بلغته وأسلوبه، غير أن الفهم الذي يخرج به القاريء عادة يكون واحدًا، وفي هذه الحال لا ينبغي أن نذهب إلى أن أحد الشراح قد أفاد من الآخر، لأن هذا الآخر متقدم عليه في الزمن إلا إذا اتفقا في الألفاظ وفي الجمل على نحو ما رأينا عند ابن جني والنمري ونقل المصنف منهما، أضف إلى هذا أن هذه الحماسية التي ضمت هذا البيت قد اشتملت على ثمانية أبيات أخرى جاء شرح الشيخين فيها مختلفا تماما، فضلا عن أنهما اختلفا في رواية البيت الخامس فقد رواه المصنف هكذا:
أخي غمرات لا يريد على الذي يهم به من مقطع الأمر صاحبا
ورواه المرزوقي "أخي عزمات لا يريد إلخ".
ورابع هذه الأمور أن ليس بصحيح ما ذهب إليه الدكتور عسيلان في قوله إن المصنف "بدأت عنايته بالمعاني تقل في أواخر شرحه بحيث أصبح يركز أكثر ما يركز على تفسير معاني الكلمات، وأنه يبدو في هذا الجانب مستفيدًا من شرح المرزوقي"، فالحق أن المصنف ظل ثابتًا على منهجه الذي وضحناه في أول هذا
[ ٢ / ٢٧ ]
الحديث وهو الإيجاز في الشرح، فإذا كانت ألفاظ البيت واضحة لا تحتاج إلى شرح بالمعنى فقط، وإذا كان بعضها يحتاج إلى شرح شرحه ثم أتى بالمعنى.
قال في شرح آخر بيتين وردا في الحماسة، وهما البيتان اللذان وردا في وصف الديكة:
على نغانغ سالت في بلاعمها كثيرة الوشي في لين وترقيق
كأنما لبست أو ألبست فنكا فقلصت من حواشيها عن السوق
قال: "نغانغ جمع نغنغ ونغنوغ، وهي لحمات متعلقة إلى جنب اللهاة، وقيل النغانغ هنا ما سال تحت منقارة كاللحية، وهذا أشبه شيء بمعنى البيت، وقوله كأنما يعني الديوك لبست أو ألبست فنكا، والفنك أشبه شيء بلون الديك الأبيض ثم احترز بقوله: فقلصت بقوله: فقلصت من حواشيه، أي ارتفعت حواشيه أي جوانبه، ومن زائدة. المعنى: أبدع في تشبيهها بلابس الفنك، واحترز بقوله فقلصت من الطعن عليه".
أما المرزوقي فقد روى البيت الأول "على نعانع" بالعين غير المعجمة وقال: "النعانع أعراف الديكة، وأصل التنعنع الاضطراب، ولذلك قيل للطويل المضطرب النعنع، ونعانع المنطقة ذنابها، والبلعوم والبلعم مجرى الطعام وباطن العنق".
هذا كل ما قاله المرزوقي في شرح البيتين، فأي الشرحين أقل عناية بالمعاني في تفسير الجزء الأخير من الاختيار وأي إفادة أفادها المصنف في شرحه من المرزوقي في هذه القطعة؟ . وإذا كان الدكتور عسيلان قد ذهب من كلامه هذا إلى الاتفاق الذي يحدث عادة بين الشراح في تفسير اللفظة الواحدة، وذلك مثل تفسير لفظة
[ ٢ / ٢٨ ]
"الحماضة" الواردة في البيت الذي جاء في القطعة قبل الأخيرة من اختيار الحماسة، وهو البيت الذي قيل في وصف عرف الديك.
كأن حماضة في رأسه نبتت في أول الصيف قد همت بإثمار
قال المصنف في شرح معنى "الحماضة" هي نبت أحمر يشبه عرف الديك"، وقال المرزوقي: "الحماض من ذكور البقل له زهرة حمراء كأنها الدم شبه عرف الديك به".
أقول: إذا كان قد هدف من كلامه مثل هذا الاتفاق فإن الألفاظ عادة يكون لها مدلول واحد في الشعر لا تفسر إلا به، ولهذا فإنك لن تجد في جميع الشروح تفسيرا للحماضة سوى أنها نبت له نور أحمر أو زهرة حمراء، وهي كذلك في القواميس والمعاجم، ومن ثم لا يصح أن نقول: أن المصنف قد أفاد من المرزوقي في تفسير معاني الكلمات لأن معاني الكلمات تكاد تكون واحدة، وإنما المحك في هذا هو صياغة معاني الأبيات وهو أمر جد مختلف في الشرحين، يدل عليه ما أوردناه من فروق سابقة، وما أوردناه هنا.
وفي إدراكي أن الذي أوقع الدكتور عسيلان في هذه الأقوال المضطربة والأحكام غير المتثيبة هو الخطأ الذي وقع فيه الناسخ حين جعل هذا الشرح مختصرًا من شرح المرزوقي، فهذا الوهم من الناسخ جعله يهجم على شرح المرزوقي ليوازن به هذا الشرح متوهمًا أن الناسخ ما فعل هذا إلا لتشابه بين الشرحين فأخذ فأخذ يعتسف السبيل لإثبات ذلك، وهذا أمر حرمه من حقيقة مهمة فاتت عليه في بحثه، فلو أنه أجرى هذه الموازنة بين هذا الشرح وشرح التبريزي لتوصل إلى أن التبريزي بجانب إفادته المتكررة من المرزوقي في شرحه حتى أن الغلبة المطلقة تكاد تكون مطابقة حرفيا لما أورده المرزوقي وهو أمر أقام الدكتور عسيلان الصفحات لإثباته فإن المواضع التي اختلف فيها التبريزي عن المرزوقي جاءت مطابقة نصًا ولفظًا لما ورد في هذا
[ ٢ / ٢٩ ]
الشرح، وقد كان ظن الدارسين لشرحي المرزوقي والتبريزي أن مواضع الاختلاف هذه إنما هي من عمل التبريزي، غير أن الذي يقرأ هذا الشرح يتضح له غير ذلك، ولقد قمنا بإحصاء للمواضع التي التقى فيها التبريزي مع المصنف بعيدًا عن شرح المرزوقي فبلغت حسب الإحصاء ثلاثة وثلاثين ومائة موضع، وربما تجاوز الأمر هذا العدد لأن المرء مهما كان دقيقًا فإنه لا يسلم من أن يفوت عليه شيء.
وجعله القول في هذا الجانب أن هذا الشرح ليس مختصرًا من شرح المرزوقي كما توهم ناسخه، ولا كان صاحبه معتمدًا فيه على المرزوقي، كما ذهب الدكتور عسيلان، غير أنه يبقى سؤال هل نسبة هذا الشرح إلى زيد بن علي الفارسي صحيحة كما جاء في تصحيح أحد الفضلاء في الورقة الأولى منها؟ .
وللإجابة نقول: أنه ما من شك في أن الشرح ليس فيه ما ينص على أنه لزيد بن علي سوى هذه الإشارة، التي جاءت في الورقة الأولى، كما أنه ليس في الشرح ما يمكن أن يعتمد عليه في نفي هذه النسبة بل على العكس، أننا نجد عوامل عدة ترجح هذه النسبة، أحدها أن هذا الفاضل الذي صحح خطأ هذا الناسخ، ونسب الكتاب غلى زيد بن علي ليس من عامة الناس، فعبارته تدل على أنه من أهل العلم المطلعين على الكتب فهو يقول بعد أن أثبت نسبة الشرح إلى زيد بن علي: "قال ابن عساكر في تاريخ دمشق وابن العديم في تاريخ حلب: كان عارفًا بعلوم كثيرة اضلا بعلم اللغة والنحو" وهي عبارة سبق أن أشرنا إلى أنها وردت في مختصر ابن عساكر، كما وردت بنصها في بغية الوعاة للإمام السيوطي، ولا شك أن رجلًا مثل هذا لا يصحح خطأ بخطأ، فأغلب الظن أنه رأى نسخة من هذا الشرح صحيحة النسبة إلى زيد بن علي فبنى عليها هذا التصحيح. وثاني هذه العوامل أن جميع المراجع التي ترجمت لزيد بن علي أثبتت أنه شرح الحماسة، فياقوت الحموي في معجم الأدباء، والقفطي في انباه الرواة وابن عساكر في تاريخ دمشق،
[ ٢ / ٣٠ ]
والسيوطي في بغية الوعاة، ومحمد بن باقر الحاجي في روضات الجنات، وحاجي خليفة في كشف الظنون، جميع هؤلاء أثبتوا أبا القاسم زيد بن علي قد سكن دمشق مدة، وأملى بها شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي وشرح حماسة أبي تمام.
وثالث هذه العوامل أن جميع العلماء الذين وردوا في الشرح سواء كانوا من شراح الحماسة أو من غيرهم كانوا سابقين في الزمن لأبي القاسم زيد بن علي، إذ من الثابت أن جل المراجع التي تحدثت عنه حددت وفاته بسنة ٤٦٧ هـ، والعلماء والشراح الذين أفاد منهم في شرحه هم: الخليل بن أحمد المتوفى سنة ١٧٥ هـ، وسيبويه المتوفى سنة ١٨٠ هـ وقطرب المتوفى سنة ٢٠٦ هـ، وأبو زكرياء الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ وأبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة ٢١١ أو ٢١٣ هـ، وأبو زيد الأنصاري المتوفى سنة ٢١٤ هـ أو ٢١٥ هـ، والأصمعي المتوفى سنة ٢١٥ هـ، وابن الأعرابي المتوفى سنة ٢٣٢ هـ، وأبو العميثل عبد الله بن خالد المتوفى سنة ٢٤٠ هـ، وأبو حاتم السجستاني المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، وابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٠ هـ، والمبرد المتوفى سنة ٢٨٥ هـ، والديمرتي الذي أشار بروكلمان إلى أنه توفي سنة ٢٨٧ هـ، وأبو رياش المتوفى سنة ٣٣٩ هـ، وأبو سعيد السيرافي المتوفى سنة ٣٦٨ هـ، وأبو سعيد الضرير المتوفى سنة ٣٦٨ هـ، وأبو علي الفارسي المتوفى سنة ٣٧٧ هـ، وأبو عبد الله الحسين النمري المتوفى سنة ٣٨٥ هـ، وأبو الفتح عثمان بن جني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ.
وثمة رجلان أفاد منهما الشارح أحدهما البرقي والآخر أبو علي الحسن بن أحمد الاستراباذي، وهما الوحيدان اللذان يشكلان بعض الإشكال، فأما البرقي فقد ورد اسمه هكذا دون توضيح في الشرح، وكذلك في شرح المرزوقي والتبريزي،
[ ٢ / ٣١ ]
ولقد ناقشنا أمره في هامش الحماسية (١٤) من باب الحماسة وأشرنا إلى أن هناك أكثر من واحد إلى برقة قم ويقال له البرقي، غير أن نقل المرزوقي منه يزيل هذا الإشكال، لأن الثابت في وفاة المرزوقي أنها كانت سنة ٤٢١. ومعنى هذا أن تاريخ وفاة البرقي ينبغي أن تكون سابقًا لهذا التاريخ أو قريبًا منه. وأما الاستراباذي فالإشكال فيه ناتج عن أن حاجي خليفة ذكر أن تاريخ وفاته سنة ٧١٧ هـ وهو تاريخ متأخر بكثير عن وفاة زيد بن علي، غير أن وجوده في هذا الشرح الذي فرغ من نسخه سنة ٤٣٨ وقوبلت نسخته بنسخة أبي طاهر الشيرازي سنة ٤٦٦ هـ يلقي ظلالًا من الشك في هذا الذي ذكره حاجي خليفة، بل يتحول هذا الشك إلى يقين في أنه أخطأ حين نجد ياقوتا الذي توفي سنة ٦٢٦ هـ، قد ترجم له في معجم الأدباء ولكنه لم يذكر تاريخ وفاته فليس من المعقول أن تكون وفاته سنة ٧١٧ هـ كما ذكر حاجي، ويكون له ذكر في معجم الأدباء، كما أن ياقوتا قال في ترجمته: "حسنة طبرستان وأوحد ذلك الزمان" فلا شك أن قوله: "أوحد ذلك الزمان" يدل على أنه متقدم على ياقوت بزمن ليس بالقليل، ومن ثم فإن وروده في نسخة هذا الشرح، ووجود ترجمته في معجم الأدباء، وما ذكره ياقوت عنه يدل دلالة قاطعة على خطأ ما أورده حاجي خليفة. ولعل عبد السلام هارون قد فطن إلى هذا الخطأ حين ذكر الاستراباذي في الثبت الذي أورده لشراح الحماسة، وأهمل الإشارة إلى تاريخ وفاته، ولم يوردها بالرغم من أنه اعتمد في ثبته هذا على حاجي خليفة وأثبت ما أثبته حاجي خليفة في وفيات بقية الشراح الذين ذكرهم.
ورابع هذه العوامل ما جاء في الحماسية رقم (٩٤) التي وردت في الحماسة دون نسبة ونسبها الجاحظ في البيان والتبيين إلى بكير بن الأخفش، فقد أورد المصنف
[ ٢ / ٣٢ ]
في شرح هذه الحماسية سماعا عن أبي سعيد الفسوي، فبالرغم من أننا لم نعثر على ترجمة لأبي سعيد هذا فإن نسبته إلى "فسا" البلد الذي ولد فيه زيد بن علي وحمل النسبة إليه فقيل له الفسوي تدل على أن أبا سعيد هذا هو أحد الشيوخ الذين أخذ عنهم زيد بن علي في بدء حياته العلمية، هذا فضلا عن أخذه كتاب الإيضاح عن أبي الحسين ابن أخت أبي علي الفارسي وكلاهما من فسا، ولقد رأينا أن الشرح أفاد من أبي علي في مواضع عدة.
وخامس هذه العوامل التي ترجع نسبة هذا الشرح إلى زيد بن علي هو أن تاريخ نسخ مخطوطته يرجع إلى سنة ٤٣٨ هـ، وهو تاريخ يتفق مع ما ذكرته المراجع عن زيد بن علي، إذ ذكرت أنه خرج من فارس إلى العراق ثم قصد منه إلى الشام، وأقرأ العربية بحلب ودمشق، وفي دمشق أملى الإيضاح لأبي علي الفارسي وأملى شرح الحماسة لأبي تمام، وقال القفطي: "إنه عمر إلى أن قرأ عليه الشريف أبو بكر عمر بن إبراهيم الكوفي بحلب عند رحلته إليها في شهر رجب سنة خمس وخمسين وأربعمائة".
فإذا كان قد أصبح معمرًا في سنة ٤٥٥ هـ، فمن المرجح أن يكون قد جاء إلى الشام في وقت مبكر من عمره وأملى شرحه للحماسة قبل تاريخ نسخ هذه المخطوطة.
لهذه العوامل جميعها نرجح أن يكون هذا الشرح صحيح النسبة لزيد بن علي الفارسي الفسوي، وأن تصحيح هذا الفاضل في الورقة الأولى من مخطوطته كان في موضع الصحة الذي يدعمه هذا الرجحان.
-٢ -