قال الدريدي: شميذر: دابةٌ زعموا، ولا أحسبها عربيةً صحيحةً.
قال البرقي: هذا الشعر لسويد بن صميعٍ المرثدي، من بني الحارث، وكان قتل أخوه غيلةً فقتل قاتل أخيه نهارًا في بعض الأسواق من الحضر.
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما دفنتم بصحراء العمير القوافيا
الصحراء: اسم للمكان الواسع، وجمعه صحارٍ وصحرٌ. قال:
أنيٌ مده صحرٌ ولوب
وأصحر القوم: برزوا إليها، ومنه قيل لقيته صحرة بحرة، أي عيانًا ومبارزةً. يقول: دعوا التفاخر في الشعر وبالشعر، فإنكم قصرتم بصحراء الغمير ولم تبلوا فيها فتنطلق ألسنتكم لدى المساجلة، وتستجيب قوافي الشعر لكم، إذا أردتم نظمها وإنشادها، عند المنافرة والمحاكمة، لأنكم أمتم قوافي الشعر ودفنتموها. فكما أن الميت لا يجيب إذا دعي، كذلك لا يجيبكم الشعر إذا أردتموه، مع سوء بلائكم، وقبح آثاركم. والقافية: آخر البيت المشتمل على ما بني عليه القصيدة. وقد يسمى البيت كما هو قافيةً. قال:
وقافيةٍ مثل حد السنان تبقى ويذهب من قالها
قال الأخفش: وتسمى القصيدة بأسهرها قافيةً. قال:
فمن القوافي بعد كعب يحوكها
[ ٩٣ ]
فلسنا كمن كنتم تصيبن سلةً فنقبل ضيمًا أو نحكم قاضيا
في هذا الكلام تعريضٌ بقومٍ أشار إليهم بقوله: كمن كنتم، وتصريحٌ للمخاطبين، ومجاهرةٌ بالقول، فهو يرميهم بالضعف وأنهم إذا نالوا من العدو شيئًا نالوه سرقةً. فيقول: لسنا كالذين كنتم تنالوهم سرقةً، فنلتزم لكم الضيم، أو ننصب حاكمًا يقضي بيننا وبينكم. وأشار بالضيم إلى التغميض على ما يكون من سرقتهم. وكأن القوم الذين أشار إليهم وانتفى من أن يكون حاله كحالهم، كانوا يقابلون سرقتهم وتجاسرهم عليهم إما بالتغميض، وهو التزام الضيم عنده، وإما بالمرافعة إلى الحاكم ونصب المتوسط، والعجز في حكمه. وانتصاب نقبل على أنه جواب النفي بالفاء. ويقولون: في بني فلانٍ سلةٌ، أي سرقةٌ. وانتصاب سلة على أنه مصدرٌ في موضع الحال، والتقدير: تصيبونهم سالين وساقين.
ولكن حكم السيف فيكم متسلطٌ فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا
يقول: متى عدوتم طوركم، أو خرجتم من حدكم، فإنا نسلط السيف عليكم، ولا نرضى إلا بحكمه فيكم. فمتى رضي رضينا، وفي طريقته قوله:
ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
وقد ساءني ما جرت الحرب بيننا بني عمنا لو كان أمرًا مدانيا
دل بقوله: لو كان أمرا مدانيا على أنه لم يسؤه ما جنت الحرب بينهم، لأنه وقع بالاستحقاق. ألا ترى أنه قال ساءني ذلك لو كان الأمر المؤدي إليه أمرًا مدانيًا، وكنا نعرف للاحتمال فيه موضعًا، وللصبر عليه مجالًا ومذهبًا. فأما والشان مستفحلٌ، وتعديكم متفاقمٌ، فإنه لا يسوءني. وقوله: لو كان أمرًا مدانيا، أراد لو كان الأمر أمرًا أممًا لساءني. وإذا كان كذلك فجواب لو متقدم، وتلخيصه: لو كان ما ترددنا فيه قريبًا لساءني ما جنته الحرب بيننا، ولكن الآن لم يسوء. وهذا تعظيم لما كان منهم إليهم، وكالاعتذار عن الأخذ بالفضل عليهم، وترك الصفح عنهم.
فإن قلتم إنا ظلمنا فلم نكن ظلمنا ولكنا قد أسأنا التقاضيا
[ ٩٤ ]
رواه بعضهم: فإن تزعموا أنا ظلمنا. والزعم في دفع الدعوى أبلغ، وإنما نبه بهذا الكلام على أنه لا يعد ما عوملوا به ظلمًا، مع كون ابتدائه منهم، وإن كان فيه سرفٌ. فيقول: إن ادعيتم علينا أنا ظلمناكم فإنا لم نظلمكم، مع عدوانكم، وسبقكم إلى الشر وتهييجه، ولكنا أسأنا في تقاضيكم الحق، وإيفائكم الجزاء، حين استخرجنا بالعنف والقهر، ومجاوزة الأدنى من الأمرين إلى الأقصى. فكأنه سمى ما عده أولئك ظلمًا سوء تقاضٍ. والظلم قيل فيه: إنه وضع الشيء في غير موضعه، ولذلك قيل للأرض الصلبة إذا حفرت: مظلومةٌ، وللسقاء إذا تنوول ما فيه قبل إدراكه: ظليمٌ. وقيل: الظلم: انتقاص الحق. قوله فلم نكن ظلمنا إذا كان من حكم الجواب أن يكون طبقًا للابتداء ومبنيًا عليه، فمن الواجب عليه كان أن يقول: فإن قلتم إنا كنا ظلمنا. ألا ترى أنا نقول في قول الله تعالى: " وما كان الله ليعذبهم " إنه كان جواب قائلٍ قال كان الله سيعذبهم. فنفى على حد الابتداء وطريقته، ولكن الشاعر حذف من الابتداء كنا، لأن ما في الجواب يدل عليه.