قال البرقي هو وداك بن سنان ين نميلٍ:
رويد بني شيبان بعض وعيدكم تلاقوا عدًا خيلي على سفوان
رويدًا: تصغير إروادٍ، وهو مصدر أرودت فلانًا، على طريق الترخيم، وانتصابه بفعلٍ مضمرٍ دل عليه لفظه. وأكثر ما يجيء تصغير الترخيم يجيء في الأعلام، وقد يجعل رويدًا اسمًا لارفق، فيبنى حينئذ كما يبنى أخواته من أسماء الأفعال على ذلك ما جاء في المثل من قولهم: رويد يعلون الجدد. وقد تزاد كاف الخطاب عليه فيقال: رويدك، على ذلك قولهم: رويدك الشعر يغب وقوله: بعض وعيدكم انتصب بفعلٍ مضمرٍ دل عليه رويد، لأن مع استعمال الرفق كفًا عن بعض الوعيد، فكأنه لما قال أرودوا يا بني شيبان قال: كفوا بعض الوعيد. وهذا تهكمٌ وسخريةٌ. وقوله: تلاقوا، الجزم على أنه جوابٌ للأمر الذي دل عليه رويدًا. وإنما جعل للأمر الجواب لأنه ضمن معنى الجزاء والشرط. وسفوان: اسم
[ ٩٥ ]
ماءٍ قالوا هو من البصرة على أميالٍ. ومعنى البيت مفهوم. وقوله غدًا لم يشر به إلى اليوم الذي يلي يومه، وإنما دل على تقريب الأمر، فكأنه قال: تلاقوا خيلي قريبًا على هذا الماء.
تلاقوا جيادًا لا تحيد عن الوغى إذا ما غدت في المأزق المتداني
الوغى، أصله الجلبة والصوت، وكذلك الوعى بالعين غير معجمة. قال:
كأن وعى الجموش بجانبيها
وجياد ها هنا: جمع جوادٍ، يقال فرسٌ جواد: عتيقٌ، وخيلٌ جيادٌ: عتاقٌ. وفي غير هذا المكان يكون جمع جيد. وتلاقوا بدل من تلاقوا الأول. نبه بهذا على أن المراد بالخيل الفرسان، على عادتهم في قولهم الخيل والرجل. قال الله تعالى: " وأجلب عليهم بخيلك ورجلك "، ولهذا قال فيما بعده: تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم. ويجوز أن يكون أراد بالخيل الدواب، ووصفها بأنها لا تجبن عن الوغى، لدوام ممارستها له، وتعودها إياه. ثم خبر في قوله: تلاقوهم عن أربابها، فيقول: ارفقوا تلاقوا فرسانًا كرامًا لا تمل الحروب ولا تعدل عنها إذا ابتكرت في مضيقٍ منها، تتلاحم فيه الفرسان وتتدانى فيه الأبطال والشجعان. وإنما قال ذلك لأنه مع التداني لا يكون إلا التجالد، وعنده تثكل الأمهات. والمأزق: المضيق، وكان أصله من الأزق في الحرب، فهو مفعلٌ منه.
تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم على ما جنت فيهم يد الحدثان
قوله على ما جنت يريد على جنايةٍ. وموضعه نصبٌ على الحال، والعامل فيه عرفوا. أو تلاقوا. يقول: تلاقوا من بلائهم ما يستدل به على حسن صبرهم وثباتهم في جلادهم، هذا مع تحامل الزمان عليهم، وسوء تأثير الدهر فيهم. وأصل الصبر: الحبس، ومنه قتل فلانٌ صبرًا. وحدث الدهر وأحداثه وحدثانه وحوادثه: نوازله.
[ ٩٦ ]
مقاديم وصالون في الروع خطوهم بكل رقيق الشفرتين يمان
مقاديم: جمع مقدامٍ. ويشبه هذا البيت قوله:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا للتضارب
وقد مر مثله، لكن في هذا قلبًا، وذاك أنه قال: وصالون خطوهم بكل رقيق الشفرتين، وكان الواجب أن يقول: كل رقيق الشفرتين يخطوهم. ألا ترى أنه قال: إذا قصرت أسيافنا وصلناها بخطانا؟ وقال الآخر:
نصل السيوف إذا قصرت بخطونا
ومثل هذا البيت في القلب بل في تبيين جواز القلب، وقول حميد بن ثورٍ:
نصل الخطى بالسيف والسيف بالخطى إذا ظن أن السيف ذا الأثر قاصر
إذا استنجدوت لم يسألوا من دعاهم لأية حربٍ أم بأي مكان
هذا مثل قوله:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
والمعنى: إنا لا نطلب العلل على المستنجد توصلًا إلى دفعه أو مطله، ولكنا نعجل غوثه على كل حالٍ. والاستنجاد: الاستصراخ. ورجل منحادٌ: معوان، وقد أنجدني، ويقال هو نجدٌ من قومٍ أنجاد. ومثله قول الآخر:
كنا إذا ما أتانا صارخٌ فزعٌ كان الصراخ له قرع الظنابيب