لا تعذلي في حندجٍ إن حندجًا وليث عفرينٍ لدي سواء
يخاطب لائمة عذلته في التوفر على ابنه حندجٍ واختصاصه إياه واستخلاصه، وذكر الخليل أن حندجًا في اللغة: رملةٌ طيبة تنبت ألوانًا من النبات. فيقول: لا تلوميني في أمر حندجٍ، إن حندجًا وليث هذه المأسدة متساويان عندي. وقد قيل في ليث عفرين: إنها هي التي تصيد الذباب وثبًا، فشبهه في كيده ومكره به، وقد وصف الخبيث المنكر بالعفر والعفرية وعفرني، ويقال أيضًا للأسد عفر وعفرني. وقيل هو أشد عفارة، واستعفر فلانٌ. وحكى الأصمعي أن ليث عفرين دابة كالحرباء يتحدى الراكب ويضرب بذنبه. وقيل عفرين: موضع نسب إليه، وقيل عفرين: فعلين من العفر، وهو التراب، لأن عادة الأسد أن لا يصيب من فريسته حتى يعفره، يشهد لذلك قول الآخر في صفته:
ولا نال قط الصيد حتى تعفرا
[ ١٩٥ ]
وذكر بعضهم أن ليث عفرين كقولهم: ليث ليوثٍ، لأنه يقال للمنكر الداهية عفرٌ، ويوصف به الأسود والرجال. ويكون على هذا عفرين جمع جمع السلامة كالأقورين، ومر بي أن قولهم ليث عفرين يستعمل في المدح والذم وسواء: مصدرٌ في الأصل وصف به.
حميت على العهار أطهار أمه وبعض الرجال المدعين جفاء
يبين في هذا الكلام انتفاء الريب عن مشابهته له. وتقيله إياه، وأنه لا يشك في كونه من صلبه، فيقول: حفظت أطهار أمه عن الزناة، لأني اخترتها من بيت العفة، وأرومة الكرم، ومغرس النجابة، والعتق والشهامة ودعواي حقٌ، وبعض دعاوى المدعين كالذي يعلو السيل ويحتمله من سقط الأرض. والمراد بقوله: وبعض دعاوى الرجال، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والعهر والعهور: الفجور. ويجوز أن يريد بقوله " حميت على العهار " ما أراد امرؤ القيس بقوله:
وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي
أي بفرط غيرتي وكمال رجوليتي وتمام محاسني. وإنما خص الأطهار لما في المحيض من الاعتزال، وكما قال الآخر:
دون النساء ولو باتت بأطهار
وذكر بعضهم أن المراد بقوله جفاءٌ: وبعض الرجال محمولٌ دعيٌ، فهو كالجفاء لا يعند به. والصحيح الأول.
فجاءت به سبط العظام كأنما عمامته بين الرجال لواء
يقول: جاءت الأم بهذا الولد وهو تام العظام مديد القامة، فكأن قامته رمح، وكأن عمامته إذا توسط الرجال لواء محمول عليه. وأحسن صنعةً منه قول مسلمٍ، وإن
[ ١٩٦ ]
كان هذا سليمًا من العيب.
يقوم مع الرمح الرديني قامةً ويقصر عنه طول كل نجاد
وفي طريقته قول الآخر:
يكاد يساوي غارب الفحل غاربه
وقال آخر
إذا كان أولاد الرجال حزازةً فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
إذا يتضمن معنى الجزاء، ولهذا احتاج إلى الجواب فجعل بالفاء. فيقول: إذا كان الأولاد تقطيعًا في الصدور وتحزيزًا في القلوب، لعقوقهم واستعمالهم الجفاء في موضع البر مع آبائهم، فأنت العسل مشوبًا بالماء العذب. وقد وصف بعضهم كلامًا فقال: " هو السحر الحلال، والعذب الزلال ". ويشير الشاعر إلى سهولة جانبه، وحسن طاعته، ودماثة خلقه. وقال الخليل: الحزازة: وجعٌ في القلب من غيظٍ أو أذًى. والحزاز أيضًا كذلك، وأنشد بيت الشماخ:
وفي الصدر حزازٌ من اللوم حامز
لنا جانبٌ منه دميثٌ وجانبٌ إذا رامه الأعدء ممتنع صعب
خاطب في الأول ثم عدل في الثاني إلى الإخبار، وهذا عادتهم إذا افتنوا في كلامهم، نظموا أو نثروا، لما في التحول من سهولة تجاوب الألفاظ، وتلاؤم طرائق النظام. فيقول: لنا من هذا الولد خلق سجيح، ومذهبٌ في البر فسيح، فهو هينٌ لينٌ
[ ١٩٧ ]
معنا، وللأعداء منه إذا طلبوه أو جربوه جانبٌ خشنٌ مدفعٌ، وطريق صعب متلفٌ، وخلقٌ وعرٌ شرسٌ. ولم يقل وللأعداء جانب ولكن عطف الثاني على الأول، بمعنى أن أحدهما لاجتذاب الخير، والآخر لدفاع الشر. فكأن التقدير: ولنا منه جانب معدٌ للأعداء ذلك صفته، فصار الجانبان لهم في اللفظ، والقسمة ثابتة في المعنى. والدماثة: سهولة الخلق ولين الجانب. ويروى " ممتنعٌ صعب "، و" متلفةٌ صعب "، والمعنى ظاهر.
وتأخذه عند المكارم هزةٌ كما اهنز تحت البارح الغصن الرطب
البارح: ريحٌ حارةٌ تجيء من قبل اليمن. فيقول: تملكه عند اكتساب المكارم أريحية يهتز عندها اهتزاز الغصن الرطب، الذي جرى الماء فيه، إذا هبت عليه البارح. و" كما اهتز " أراد كاهتزاز. وقوله " تحت البارح " حسنٌ جدًا، لأن الريح تعلو الغصون في مرورها. وقد نسبوا البارح إلى النجوم إذا ذكروا الأنواء. قال:
أيا بارح الجوزاء ما لك لا ترى عيالك قد أمسوا مراميل جوعا
هذا يقوله بعض المتلصصة. وعيالها: السراق، وذلك أن البارح تحمل الغبار وتدرس الآثار، فتجسر المتلصصة على السعي، وتمكنهم السرقة.
وقال آخر:
وفارقت حتى ما أبالي من النوى وإن بان جيرانٌ علي كرام
يروى: " من انتوى " وهو افتعل من النوى، وهي الوجهة المنوية للقوم، أو البعد. يقول: ألفت مفارقة الوطن والإخوان شيئًا بعد شيء، واعتدت التباعد عنهم يومًا بعد يوم، حتى لا أبالي من انتوى منهم أو نأى، وإن كرموا علي عند المجاورة. ومن روى: " لا أبالي من النوى " فمعناه لا أحتفل به، والأول أحسن. فإن قيل: كيف تعلق " حتى " بفارقت؟ وما معناه؟ قلت: أراد تكررت المفارقة علي وقتًا بعد وقتٍ، وحالًا بعد حالٍ، إلى أن صرت لا أبالي بالفراق. فمعنى حتى: إلى أن. وقوله " فارقت " مستصلحٌ للقليل والكثير فانصرف إلى الكثير، بدلالة أن المتمرن بالبلاء قديمًا، والمتحكك به كثيرًا، هو الذي يستهين به كثيرًا، دون من مارسه يسيرا، وعالجه حديثًا.
[ ١٩٨ ]
فقد جعلت نفسي هي النأى تنطوي وعيني على فقد الصديق تنام
جعلت نفسي، بمعنى طفقت وأقبلت، ولذلك لا يتعدى. فيقول: أخذت نفسي تصبر على النأي، وتنطوي على الفراق، فلا يظهر منها جزعٌ، ولا تبوح بشكوٍ، وعيني تنام على فقد الصديق منهم فلا تسهر، ولا تبكي فتذرف وهكذا النفس إذا وطنت على الشدائد، وتمرنت بالمصائب. وقوله: " تنطوي " أصل الطي الثني والقبض، ومنه الطاوي والطيان.
وقال آخر:
روعت بالبين حتى ما أراعٍ له وبالمصائب في أهلي وجيراني
يقول: فزعت بالفراق مرةً بعد أخرى، وثانيةً بعد أولى، حتى صرت لا أرتاع له، وواظبت المصائب علي واتصلت في الأهل تارةً، والإخوان أخرى، حتى صارت الرزايا بالإلف كأنها مرازي وعطايا. والكلام في حتى واتصاله ومعناه على ما تقدم.
لم يترك الدهر لي علقًا أضن به إلا اصطفاه بنأيٍ أو بهجران
يقول: لم أدخر لنفسي علقًا نافست فيه إلا زاحمني الدهر عليه فاستأثر بهن إما بإيقاع بعدٍ بيننا، أو إحداث هجرانٍ توسطنا. وأصل العلق: المال الكريم، وجمعه أعلاقٌ وعلوقٌ. واستعاره ها هنا.