إذا المرء لم يسرح سوامًا ولم يرح سوامًا ولم تعطف عليه أقاربه
[ ٢٣٠ ]
يقال سرحت الماشية، إذا أخرجتها بالغداة إلى المرعى؛ وأرحتها، إذا رددتها بالعشي. فإن قال قائل: لم قال: ولم يرح سوامًا والنكرة إذا أعيد ذكرها يجب تعريفها، بدلالة أنك تقول رأيت رجلًا بمكان كذا، فقال لي الرجل كذا؟ قلت: يجوز أن يكون نكرهما لأنه تصور المراح بما دخله من التناقص والتزايد، بالأخذ منه والرد إليه غير المسروح، وإذا كان كذلك فالثاني غير الأول. ويجوز أن يكون السوام الثاني غير الأول، وذاك أن المكثرين منهم كانوا يأمروان رعاءهم بأن يقتضبوا قطعةً من المال كيف اتفقت، ليحبسوها على الحقوق العارضة، سوى المؤن اللازمة، فكانت الغادية لما يقيمونها من النوب في ذلك غير الرائحة، والرائحة غير الغادية. وإذا كان كذلك فالسؤال ساقط. والمعنى: إذا الرجل لم يكن ذا مالٍ يسرح بعضه ويراح عليه بعضه، على حسب ما يتفق، ولم يكن له أقارب يتعطفون عليه ويرون من الفروض الواجبة الإحسان إليه، فالموت خيرٌ له. وجواب إذا في البيت الثاني. ويجوز أن يكون المراد بقوله ولم تعطف عليه أقاربه تعطف النصرة والإعزاز، فيكون المعنى إذا لم يكن غنيًا ولم يكن مؤيدًا بذويه فيعتز بهم، فالموت أصلح له من الحياة. وهذا المعنى أحسن.
فللموت خيرٌ للفتى من قعوده عديمًا ومن مولىً تدب عقاربه
فللموت جواب إذا، لتضمنه معنى الجزاء. يقول: إذا الرجل لم يكن على ما وصفت فورود الموت عليه خير له من قعوده راضيًا بفقره، وبإفضال مولى يؤذيه بالمن، ولا يخلص النعمة عنده من الشوائب. ودبيب العقارب كنايةٌ عن فعل الأذى والتحمد بالكلمات المكدرة. وانتصب عديمًا على الحال. ويجوز أن يكون المعنى في قوله ومن مولىً تدب عقاربه أن يحصل الفساد بين العشيرة، والتدابر والاختلاف، فكلٌ يقصد صاحبه بالمساءة، ويبغي له الغوائل. وهذا المعنى يتلفق مع المعنى الثاني في البيت الذي قبله.
ونائية الأرجاء طامسة الصوى خدت بأبي النشناش فيها ركائبه
[ ٢٣١ ]
انجرت نائية بإضمار رب، والواو داخلةٌ للعطف، ولم يصر بدلًا من رب بدلالة وقوع الفاء العاطفة موقعه وبل في نحو:
فمثلك حبلى قد طرقت
وبل بلدٍ ذي عقدٍ وإحباب
يقول: ورب مفازةٍ بعيدة الأطراف، دارسة الأعلام، سارت بأبي النشناش فيها رواحله يطلب المال، ويكتسب المجد. وهذا الكلام تبجحٌ منه بأنه لم يتخذ الفقر ضجيعا، ولا الدعة حليفًا، بل رمى بنفسه نحو المرامي المتلفة، وطوحها في الموامي المعطبة. والأرجاء واحدها رجًا. والطامس: الدارس. ويقال طمس وطسم. والصوى: الأعلام، والواحدة صوةٌ، ومثله قوةٌ وقوى. ومعنى خذت: أسرعت، ومصدره الخديان. والركائب: جمع الركوبة، وهي المركوبة، ولا يتبع المثوف، بل يستعمل على انفرادها، ومثلها الحلوبة.
وسائلةٍ بالغيب عني وسائلٍ ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه
يقول: رب رجلٍ وامرأة سألا عني بظهر الغيب، لما تداخل القلوب من هيبتي، والإشفاق من وقعتي. ثم قال مستفهمًا على طريق الإنكار: ومن يسأل الصعلوك، أي يجب ألا يسأل الصعاليك عن مذاهبهم وطرقهم، لأنها لا تعلم، إذ لم يكن يستقر بهم موضعٌ، ولم يكن يحوبهم بلدٌ ومذهبٌ يلزمونه أو يختصون به. وكان وجه الكلام أن يقول: ومن يسأل عن الصعلوك ليكون وفق قوله وسائلةٍ بالغيب عني، لكنه عدل عنه إلى ما قاله تأكيدًا للمراد، وذلك أنه إذا كان سؤال نفسه عن مذهبه منكرًا لاستبهامه عليه، فسؤال غيره عنه أبعد من الصواب.
فلم أر مثل الفقر ضاجعه الفتى ولا كسواد الليل أخفق طالبه
[ ٢٣٢ ]
يروى مثل الهم، هو مصدر هممت بالشيء، أي إذا هم يجب عليه أن ينفذه ولا يؤخره. ويقول: لم أر كالفقر يتخذه الفتى ضجيعا، أي يرضى به وبلزومه له ولم أر كسواد الليل أكدى راكبه والطالب فيه. والمعنى: يجب ألا يحصل واحدٌ منهما، لا الرضا بالفقر، ولا الإخفاق مع ركوب الليل. ويقال ضجع ضجعًا وضجوعًا واضطجع بمعنىً واحد، ومنه قيل للعاجز الضجعي والضجعة. وتسمى الكواكب التي لا تسير: الضواجع. والإخفاق: أن يغزو فلا يغنم، أو يرجو فيخيب. قال عنترة:
فيخفق مرةً ويصيب أخرى ويفجع ذا الضغائن بالأريب
وقوله أخفق طالبه، أي الطالب فيه. وهذا من إضافة الشيء إلى الشيء لكونه فيه.