حين عرض عليه سعيد بن العاص سبع ديات بأبيه فأبى. ويقال: هي لعمه:
أبعد الذي بالنعف نعف كويكب رهينة رمس ذي تراب وجندل
ألف الاستفهمام دخل ها هنا على معنى الإنكار، وتناول الفعل الذي في صدر البيت الثاني، لأن ألف الاستفهمام يطلب الأفعال. والمعنى: أذكر بالإبقاء بعد المدفون بنعف هذا الجبل - وهو ما استقبلك منه - المرهون في قبر ذي تراب وحجارة. والنعف، اشتق منه انتعف له، أي تعرض. والمناعفة: المعارضة من رجلين في طريقين يريد كل واحد سبق الآخر. وقيل النعف: المكان المرتفع في اعتراض. وقوله " رهينة " جعله اسمًا فلهذا ألحق الهاء بها. والرمس: القبر. ويقال رهنته رهنًا بمعنى رهنت عنده، وأصله من اللزوم والدوام ويقال هذا لك راهن. والأصل في الرمس: التغطية، يقال رمسته بالتراب؛ ومنه الرياح الروامس.
أذكر بالبقيا على من أصابني وبقياي أني جاهد غير مؤتل
يقول: أأسأم الإبقاء على من وترني؟ إبقائي عليه أني أجتهد في قتله، ولا أقصر. والإبقاء لا يكون الجهد، ولكن المعنى: يكون هذا مني عوضًا من ذاك. ومثله قول الآخر:
تحية بينهم ضرب وجيع
[ ١٧٩ ]
والبقيا: اسمٌ على فعلى، مبني من الإبقاء وفي معناه، والواو منه واو الحال، ولو لم يأت به لكان الكلام على الاستئناف والإنقطاع مما قبله. ويقال: لا آلو في كذا ولا آتلي، أي لا أقصر، ولا آلو كذا، أي لا أستطيعه.
فإلا أنل ثأري من اليوم أو غدٍ بني عمنا فالدهر ذو متطول
يقول مخبرًا عن صبره وحسن رفقه في طلب الأمور، وأنه لا يتسلط عليه الملال وإن تراخى المطلوب، وتدافع الوقت في الحصول، فيقول: إن لم أدرك ثأري قريبًا يا بني عمنا ففي الدهر تطاول، والزمان بتبديل الأبدال وتحويل الأحوال كافلٌ، وله ضامنٌ، وما يتعسر في وقتٍ يتيسر في آخر. وذكر اليوم والغد إشارةٌ إلى تقريب الوقت في المستقبل، كما يقال في الماضي: كان بالأمس يفعل كذا. ومتطول: مصدر مثل تطولٍ.
فلا يدعني قومي ليوم كريهةٍ لئن لم أعجل ضربةً أو أعجل
جزم " يدعني " بلا على أنه دعاءٌ، والمعنى: لا دعيت لكشف مكروه، ولا للدفع عن مظلومٍ، إن لم أعجل ضربة لمن وترني، أو يعجلها لي. والمعنى: إن لم أقتله أو يقتلني. وهذا الكلام وإن كان لفظه لفظ الدعاء فالمعنى معنى القسم. وقوله: " أو أعجل " أراد: أو لم أعجل لمثلها، فحذف. وفي هذا بيانٌ للتوعد بالإقدام، والتسرع إلى القتل أو الاستقتال بعد الإمكان.
أنختم علينا كلكل الحرب مرةً فنحن منيخوها عليكم بكلكل
هذا الكلام تهددٌ، وضمانٌ في أنه سيكافئهم على ما بدأوا. والمعنى: سنؤثر فيكم كما أثرتم فينا، وننزل الحرب بكم كما أنزلتموها بنا. ويقال: أنخت البعير فاستناخ وبرك. ولا يقال فناخ. وتقول في شدة التأثير: برك عليهم الدهر بكلكه، ووطئهم بمناسمه، وأنخى عليهم بجرانه. وهذا جعل الكلكل هو المناخ في صدر
[ ١٨٠ ]
البيت، وفي العجز جعل الحرب مناخةً بكلكلها. وكل ذلك أمثال، والمعنى من جميعها ظاهر.