؟ أنا أبو برزة إذ جد الوهل
خلقت غير زملٍ ولا وكل
يريد أنا الذي لشهرته تغنى كنيته عن صفاته وذكر أحواله، وقت اشتداد الخوف. فإن قيل: ما العامل في قوله " إذ وجد "؟ قلت: ما دل عليه قوله أنا أبو برزة من المعنى الذي بينته هو العامل - ومثله:
أنا أبو النجم وشعري شعري
[ ٢١٠ ]
وقوله خلقت غير زملٍ، أي غير ضعيف ولا جبان يتكل على غيره فيما ينوبه. والزمل والزمال والزميلة: الضعيف. والوكل: الذي يتكل على غيره.
ذا قوةٍ وذا شبابٍ مقتبل
لا جزع اليوم على قرب الأجل
الموت أحلى عندنا من العسل
يقول: خلقت قويًا مقتبل الشباب، لم تبلني السنون، ولم يضعفني ما مسني من النوائب والهموم. فإن قيل: ما الزيادة في قوله ذا قوةٍ على قوله غير زمل؟ قلت: يجوز أن يكون ذا قوة مصروفًا أي الرأي، وغير زمل مصروفًا إلى البنية. ويجوز أن يكون المراد بذا قوةٍ الجلادة، لأن ليس من كان غير ضعيف كان جلدًا. واقتبال الشباب: ألا يرى أثر من الكبر معه.
وقوله لا جزع اليوم يقول: استقلتنا يومنا، فلا نجزع على دنو الأجل فيه إن دنا، لأن الموت إذا غشينا فيما نطلبه، أحلى طعمًا عندنا من طعم العسل، وقوله " اليوم " ظرف لقرب الأجل، وعلى قرب الأجل، خبرٌ للا. ويجوز أن تجعل اليوم خبرًا على قرب الأجل تبيينًا له أو حالًا. وإن جعلته خبرًا بعد خبرٍ، كما نقول: هذا حلوٌ حامضٌ، جاز أيضًا. وذكر بعض المتأخرين أنه لا يجوز أن يكون معنى على هنا معناها في قولك جزعت على كذا، أي أشفقت عليه، لأنه غير الغرض المقصود. ألا ترى أن معناها لا جزع اليوم من الموت على أن الأجل قريبٌ منا، فإذا قرب منا فلم نجزع منه فما ظنك بنا إذا بعد عنا. وأنا أقول: وإن من البيان لسحرًا، وإن من الغوص على المعاني لمثله درًا.
ردوا علينا شيخنا ثم بجل
نحن بني ضبة أصحاب الجمل
ننعي ابن عفان بأطراف الأسل
[ ٢١١ ]
يعني بالشيخ عثمان بن عفان ﵁. المعنى: إنا طالبون بدمه، فإذا أدركنا ثأره فحسبنا ذاك. وهذا معنى قوله ثم بجل. وموضع بجل رفعٌ على الابتداء وخبره مضمر، كأنه قال: ثم بجلنا ذلك، أي حسبنا ذلك. وثم عاطفةٌ لجملةٍ على جملةٍ. وقال لبيدٌ:
بجلي الآن من العيش بجل
وحكى الأخفش أن بجل ساكنةٌ أبدًا. يقولون بجلك، كما يقولون قطك وقدك، إلا أنهم يقولن بجلى ولا يقولون بجلني كما يقولون قطني وقدني، وهو القياس مع مجيئه على السكون. وانتصاب بني ضبة بفعل مضمر، والقصد فيه المدح والاختصاص. وخبر المبتدأ الذي هو نحن أصحاب، والتقدير: نحن - أذكر بني ضبة - أصحاب الجمل. وهذا الكلام ينبه به على أنهم مجدون في طلب دم عثمان ﵁، لأن الذين خرجوا مع عائشة ﵂ وقاتلوا يوم الجمل كان دعواهم طلب الثأر. ولو قال نحن بنو ضبة لكان يسقط فخامة المدح وتعظيمه، وكان يصير أصحاب صفةً وبنو خبرًا، وكان يجوز أن يكونا جميعًا خبرين، ويجوز أن يكون أصحاب بدلًا من بنو. وقوله ننعي ابن عفان كان عادتهم إذا مات رئيسٌ فيهم عظيم الشأن والمحل أن يطوف واحد منهم على القبائل، ويصعد الروابي المطلة عليهم، والآكام المرتفعة بمحالهم ويقول: نعاء فلانًا؟! يريدون تشهير أمره، وتعظيم الفجع به، وربما أرخوا بموته. فيقول: نحن نجعلا بدل هذا الفعل أن نطلب دمه بأطراف الرماح. وهذا معنىً حسن.
؟ وقال آخر:
داو ابن عم السوء بالنأي والغنى كفى بالغنى والنأي عنه مداويا
يقول: عالج ما بينك وبين ابن عم السوء من التضاغن والتباين، والتغابط والتحاسد، بالبعد منه، والاستغناء عنه. ثم قال: وكفى بهما من مداوٍ معه. وهذا يجري مجرى الالتفات، وهو تنبيهٌ على أنهما الغاية فيم يحسم به شره، ويدفع به
[ ٢١٢ ]
ضيره. وموضع بالغنى رفعٌ بكفي. ومداويًا يجوز أن يكون حالًا ويجوز أن يكون تمييزًا، وهو أحسن، ومثله: " كفي بالله شهيدًا ". والكلام يجري أيضًا مجرى التأكيد فيما دعا إليه، والتحقيق لغناء ما أشار به.
جزى الله عنا محصنًا ببلائه وإن كان مولاي القريب وخاليا
محصنٌ المذكور، هو ابن عمه الذي تأذى به فدعا عليه. يقول: جزاه الله بفعله فينا، إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا، وإن كان متصل النسب بطرفي أبي وأمي.
يسل الغنى والنأي أدواء صدره ويبدي التداني غلظة وتقاليا
السل: النزع. والأدواء: جمع الداء. وهذا مثل ما روى: " أن مر ذوي القربات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا "، وزاد عليه أيضًا بما شفع النأي به من ذكر الغنى. ونبه أيضًا على أن في التداني تحاسدًا يبدو معه القلى والقسوة لأن الكلام كالتعليل للأمرين اللذين رغب في أحدهما وزهد في الآخر، وهما التداني والتنائي. والمثل السائر: " فرق بين معدٍ تحاب " مثل البيت.
أعان على الدهر إذ حك بركه كفى الدهر لو وكلته بي كافيًا
هذا الكلام شكايةٌ مما عامله به محصنٌ، وتصريح بأذاه، فيقول: لم يرض بالقعود عني وإسلامي للدهر حتى صار عونًا له علي، لما أخذ يؤثر تأثيره، ويلقي كلكله وجرانه. ثم قال منتقلًا عن الأخبار عنه إلي مخاطبته، وإظهارًا للجزع من فعله. لو اتخذت الدهر وكيلًا واعتمدت عليه، دون أن تباشر مساءتي بفعلك لكفاك. ومثل هذا القول، أعني كفى الدهر، يسمى التفاتًا. وقوله كافيًا يجوز أن يكون تمييزًا، ويجوز أن يكون في موضع المصدر، أراد: كفى الدهر لو وكلته بي كفايةً. واسم الفاعل يقع موقع موقع المصدر كثيرًا كما يقع المصدر موقع اسم الفاعل. ومثله قول
[ ٢١٣ ]
بشر:
كفى بالنأي من أسماء كاف
فقوله كافٍ في أحد الوجوه مصدرٌ لكنه لم ينصبه، وجعله كقول الآخر:
كأن أيديهن بالقاع القرق
في ترك إعراب المعتل في موضع النصب أيضًا، إذ كان من العرب من يستثقل الفتحة في الياء، والتقدير: كفى النأي من أسماء كافيا، أي كفايةً. وقد جاء في المثل: " أعط القوس باريها "، بسكون الياء في باريها، ولم يرو أحدٌ باريها بالفتح، فليس يجوز إلا مات حكى، لأن الأمثال لا تغير.