فنعم الحي كلبٌ غير أنا رأينا في جوارهم هنات
هذا الكلام تهكمٌ وسخريةٌ. وجاز أن يأتي به بلفظ المدح لأنه بما بعده تبين الغرض؛ فيكون أبلغ في الهزء. والهنات: الأمور المنكرة، ولا تستعمل إلا في الشر، وهي جمع هنةٍ، وإنما يكنى بها عن المحقرات، كأنه يرى الإبقاء والمجاملة، ويجري الأمر على المداجاة وترك المجاهرة. وقد يجمع هنةٌ على هنواتٍ، فمن رد اللام في الجمع رده في النسبة أيضًا، ومن لم يرده فهو في النسبة بالخيار، إن شاء قال هنيٌ وإن شاء قال هنويٌ. فيقول: قبيلة كلبٍ محمودةٌ في الأحياء، غير أنا منينا في جوارهم بدواهٍ وبلينا بمنكراتٍ. والاستثناء في هذا المكان يكون منقطعا. وكان فارق قومه طيئًا مراغمًا وجاور كلبًا فلم يحمد جوارهم ففارقهم ذامًا لهم.
ونعم الحي كلبٌ غير أنا رزينا من بنين ومن بنات
يريد مثل ما أراد في البيت الأول من السخرية. ومعنى رزينا: أصبنا ببنين وبناتٍ. ويقال فلانٌ مرزأٌ في ماله فيكون مدحًا، وفلانٌ مرزأٌ في أهله فيكون ترحمًا وتوجعًا. ومثل هذا التهكم قول الآخر:
فدًى لسلمى ثوباى إذ دنس ال قوم وإذ يدسمون ما دسموا
فالتفدية ها هنا كالمدح بنعم ثم. وقوله " من بنين " من دخل للتفضيل، كأنه قال: رزينا أناسًا من بنين وبناتٍ، ومفعول رزينا محذوف، ويجوز أن يكون ذاد من في الواجب على ما أجازه الأخفش وحكاه عنهم من قولهم: " قد كان من مطرٍ فخل عني "، فيكون المراد رزينا ببنين وبناتٍ.
فإن الغدر قد أمسى وأضحى مقيمًا بين خبت إلى المسات
[ ٢٦١ ]
يقول زاريًا عليهم ومبينًا: إنه نالهم ما نالهم لأن الغدر مقيمٌ فيما بين ديارهم، ومما انطوى عليه أحشاؤهم: وفائدة قوله أمسى وأضحى بيان اتصال الوقت. وقوله " فإن الغدر " الفاء ربط الجملة التي بعدها بما تقدم ورتبها عليه، كأنه قال: قاسوا ما قاسوه في جوارهم فإنهم غادرون. وخبتٌ والمسات: ماءان لكلبٍ. يقول: الغدر مقيمٌ في كلبٍ بين هذين، أي في أول ديارهم وآخرها.
تركنا قومنا من حرب عامٍ ألا يا قوم للأمر الشتات
هذا الكلام اقتصاصٌ لحاله، وإظهارٌ للتأسف على مجاورة كلبٍ، والتندم على ما اتفق من مفارقة العشيرة: وقوله " يا قوم للأمر الشتات " تعجبٌ. والشتات: مصدرٌ وصف به. واللام في الأمر لام الإضافة، لكن فائدته ما ذكرناه من التعجب، وأتى به مع المدعو. وقد يقال يا لزيدٍ فيكون المنادى محذوفاَ. وهذه اللام تدخل مفتوحةً في المنادى ويراد به الاعتزاء، كقولك يا لبكرٍ ويا لتميمٍ. فيقول: انتقلنا عن قومنا وفارقناهم منذ زمن الحرب التي اتفقت بيننا عامًا أول. ثم أخذ يستعطفهم، ويتذمم من مراغمتهم، ويظهر الحاجة إليهم فقال: يا قوم أقبلوا لما تشتت من أمرنا، واختل من حالنا. وقوله " من حرب عامٍ " جعل من بدل من، لأنه في المكان مثله في الزمان، كما قال زهيرٌ:
أقوين من حججٍ ومن دهر
وأخرجنا الأيامى من حصونٍ بها دار الإقامة والثبات
يقول: أخرجنا النساء اللاتي صرن أيامي من مقر عزهن، ودار أمنهن، إلى جوار كلب، حتى اتفق عليهن من الأعداء ما اتفق، ومن حلول الرزايا ومقاساة الهنات بهن ما أقلق. ووصف النساء بما آل إليه أمرهن من الإيمة، وإن كن وقت الإخراج ذوات بعولٍ. ومثله قول الآخر:
ستضحك مسرورًا وتبكي بواكيا
[ ٢٦٢ ]
وفي القرآن: " إني أراني أعصر خمرًا ". وأيامى: جمع أيمٍ، ويقع على الرجل والمرأة. والفعل منه آم، أي بقي بلا زوجٍ. وهو من الفعل فيعلٌ، وجمعه أيايم على فياعل. وأيامى مقلوبٌ كأنه قدم اللام على العين فصار أيامى على فيالع، ثم فروا من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فانقلبت ألفًا.
فإن نرجع إلى الجبلين يومًا نصالح قومنا حتى الممات
هذا إظهار رغبةٍ في الرجوع إلى العشيرة، ومعاودة الوطن والمحلة. يقول: إن اتفق لنا عودةٌ إلى بلادنا تركنا الخلاف على ذوينا، وأقمنا بها إلى انقضاء الأجل، واستنفاد المهل. ويعني بالجبلين أجأ وسلمى: جبلي طيئ. وقوله " حتى الممات " أراد به إلى حين الممات، فحذف المضاف. والممات يكون مصدرًا، وإن جعلته اسمًا للحين فلا حذف.