كفاني عرفان الكرى وكفيته كلوء النجوم والنعاس معانقه
عرفان: اسم صاحبه. فيقول: نام هذا الرجل وكفاني الاشتغال بالنوم، وكلأت النجوم وارتقبتها، وكفيته السهر، وقد لازم النعاس وعانقه. فإن قيل: كيف كفاه الكرى؟ قلت: هذا على مطابقة الكلام، فلما قال كفيتة مراعاة النجوم ونبت عنه فيها، قال: كفاني الكرى، وإن كانت نيابة ذلك عنه في الكرى لا يصح. ويروى: " كفاني عرفان الكرى وكفيته "، أي معرفة الكرى وليس بمرتضى.
فبات يريه عرسه وبناته وبت أريه النجم أين مخافقه
هذا تطنزٌ من القول، لأن الساهر لا يعلم من حال النائم أنه يحلم أو لا يحلم. وإنما نبه بهذا الكلام على استحكام نومه وتلذذه به، إذ كانت الأحلام لا تحصل للنائم إلا عند ذلك. ولما قال بات يريه النوم امرأته وأولاده، قال في مقابلته على الطريقة التي في البيت الأول: وبت أريه النجم. وهذا الجنس يكثر في كلام البلغاء، ومثله قول الله ﷿: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ". و" إنما نحن مستهزئون. الله يستهزئ بهم ".
وقول الشاعر:
دناهم كما دانوا
وقد مر جميعه مستقصى.
[ ٢٢٥ ]
وقال آخر:
فلست بنازلٍ إلا ألمت برحلي أو خيالتها الكذوب
حذف مفعول نازلٍ لأن المراد مفهومٌ، كأنه قال: لا أنزل منزلًا. ومثله قول الله ﷿: " فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا "، أي العذاب. والإلمام: زيارةٌ لا لبث معها. يقول: لا أنزل محلًا إلا رأيت هذه المرأة ملمةً برحلي، أي متصورةً لي بهذه الصورة، تشوقًا مني وتحفيًا. هذا في حال اليقظة وعند فراغ البال والاشتغال بحال النفس. أو رأيت خيالتها الكذوب القليلة الوفاء إذا نمت. ويقال خيالٌ وخيالةٌ، كما يقال مكانٌ ومكانةٌ. وجعلها كذوبًا لما لم يتحقق فعلها وقولها. والمعنى: إني لا يخليني منها لا النوم ولا اليقظة، ولا يلفتني عنها لا الرخاء ولا الشدة، وفي هذه الطريقة قول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعاتٍ وأهلها بيثرب أدنى دارها نظرٌ عالٍ
وقال الأصمعي في قول الآخر:
ألبس بصيرًا من رأى وهو قاعدٌ بمكة أهل الشام يختبزونا
هو على التشوف والتحفي.
فقد جعلت قولص ابني سهيلٍ من الأكوار مرتعها قريب
جعلت ها هنا بمعنى طفقت وأقبلت، ولذلك لا يتعدى. والقلوص: الفتية من الإبل، ومرتعها قريب في موضع الحال. يقول: أقبلت قلوص هذين الرجلين قريبة المرتع من رحالهم، قصيرة المسرح في رواحهم، لأنه لما لحقها من الكلال والإعياء، لم تقدر على التباعد في المرعى والارتياد.
كأن لها برحل القوم بوًا وما إن طبها إلا اللغوب
يقول: كأن لهذه الناقة ولدا برحل القوم، تتعطف عليه، ولا تتباعد عنه، وما داؤها إلا الإعياء. ومثل هذا قول الآخر:
من الكلال لا يذقن عودا لا عقلًا تبغي ولا قيودًا
[ ٢٢٦ ]
والطب أصله العلم، والمراد به ها هنا الداء الذي يعلم ويعرف. والبو، أصله: جلد فصيلٍ يحشى تبنًا لتدر الأم عليه.
وقال آخر:
إن كنت لا أرمي وترمي كنانتي تصب جانحات النبل كشحي ومنكبي
هذا مثلٌ. والمعنى: إذا لم أقصد في خاص أمري، ثم قصدت فيمن يشمله عنايتي، عاد ذلك القصد بالشر والمساءة علي، وصرت كأني أنا المقصود. والجائحات: المائلات، وروى بعضهم جائحات النبل وهي المستأصلات المهلكات. ويقال جاحه واجتاحه بمعنى. وليست هذه الرواية بجيدة، لأن الغرض ما ذكرته من أن من يمسه أمره إذا قصد كان كنفسه. فإن قيل: فلم خص الجانحات؟ قلت: المراد فيما ضرب المثل له: إني رميت إذا رميت الجعبة المعلقة علي، لأن بعض السهام يصيبه وبعضها يصيبني. وإذا كان كذلك فلا بد من ذكر الجانحات. والنبل: اسم صيغ للجمع. والكنانة: ما يغطي به الشيء في الأصل، واختص بها الجعبة وهو من الكن، كالستارة من الستر. وفي القرآن: " وقالوا قولبنا في أكنة ". وقد فصل بين كننت واكتننت، فجعل اكتننت لما يضمر في القلب من الحديث والسر، وكننت لما يستر بشيء. وذكر الدريدي أن الكنانة لا يكون إلا للنبل، ويكون من أدمٍ، فإذا كانت من خشبٍ فهو جفيرٌ، وإن كانت من قطعتين مقرونتين فهي قرنٌ، والجعبة تكون للنبل والنشاب جميعًا.
أفيقوا بني حزنٍ وأهواؤنا معًا وأرحامنا موصولةٌ لم تقضب
يقول: اصحوا بني حزنٍ من سكرة جهلكم، وانتبهوا من رقدة غفلتكم، الأهواء بعد متفقةٌ، وأسباب الرحم موصولةٌ، لم يتسلط عليها العقوق، ولم يقطعها الجفاء والنبو. والمعنى: كفوا عما أنتم عليه من سيئات التقاطع والتدابر، قبل تفاقم الخطب، واستفحال الشأن. والقضب: القطع، ومنه قيل للسيف المقضب والقضيب. وقوله معًا في موضع الخبر، أي مجتمعةٌ.
[ ٢٢٧ ]
فإن تبعثوها تبعثوها ذميمة قبيحة ذكر الغب للمتغبب
يقول: إن هيجتم الحرب هيجتموها مذمومةً قبيحة ذكر العاقبة لمن يتتبع العواقب فيتدبرها، ويتعهد المصاير فيتأملها. ويقال تغببت الأمر كما يقال تعقبته، أي تفقدت عاقبته وغبه. والغب أصله في ورود الماء والزيارة، وهو ينوب في أسماء الأظماء وغيرها عن الثلث. فأما قولهم: زر غبًا تزدد حبًا فالمهلة فيه أوسع.
سآخذ منكم آل حزنٍ لحوشبٍ وإن كان مولىً لي وكنتم بني أبي
إنما قال هذا لأن بني عمه ضربوا مولىً له، فيقول: سأنتقم منكم يا آل خزنٍ وإن كنتم بني أعمامٍ، وكان حوشبٌ مولى محالفةٍ وجوارٍ. وفي طريقته قول الآخر:
فإن غضبت فيها حبيب بن حبتر فخذ خطة ترضاك فيها الأباعد
وروى بعضهم: وإن كان مولائي وكنتم، والبصريون لا يجوزون مد المقصور، لأنه إدخال زيادةٍ على كلامهم، ويجوزون قصر الممدود، لأنه حذفٌ للتخفيف، وردٌ إلى الأصل. وحوشبٌ عند النحويين أنه مما لم يجيء إلا بزيادة الواو، وأنه مثل كوكب. وحكى الخارزنجي أن حشبًا اسم رجلٍ، وأنه يقال أحشبني كذا، أي أحشمني.