لقد زادني حبًا لنفسي أنني بغيضٌ إلى كل امرئٍ غير طائل
قوله " أنني بغيض " في موضع الفاعل، والمعنى: زادني بغاضتي إلى كل رجلٍ لا فضل فيه ولا خير عنده، حبًا لنفسي، لأن التمايز بيني وبينه والتباين، هو الذي أداه إلى بغضي، ولو كان بيننا تشاكلٌ وتقارب لما نبا عني ولا أبغضني. وهذا الكلام تعريضٌ بمنابذٍ له. وقوله " غير طائل " هو من طال عليهم يطول طولًا. والطول: الفضل. وقال الخليل: يقال للشيء الدون الخسيس: هذا غير طائل، والمذكر والمؤنث فيه سواء. ويقال: زدت فضلًا كما يقال ازددت فضلًا وزادنيه كذا.
وأني شقيٌ باللئام ولا ترى شقيًا بهم إلا كريم الشمائل
قوله " وإني شقيٌ " أصله أنني، لكنه حذف النون الأولى من أن تخفيفًا لأنه اجتمع ثلاث نونات. وهو محمول في الإعراب على أنني في البيت الأول ومعطوف عليه، فيقول: وزادني حبًا لنفسي أيضًا شقوتي باللئام حتى تنقصوني واغتابوني، ثم قطع الإخبار وكأنه أقبل على مخاطبٍ ملتفتًا إليه فقال: ولا ترى أحدًا يشقى بهم إلا وهو كريم الطبائع، مجانب لهم بعرضه وأصله، وخلقه وفعله. ويقال شقيت شقوةً
[ ١٦٦ ]
وشقاوة وشقاءً. والشمائل: الطبائع، واحدها شمالٌ. قال:
ألوم وما لومي أخي من شماليا
ثم يقال: هو حسن الشمائل، والمراد به الهيئة والشكل.
إذا ما رآني قطع الطرف بينه وبيني فعل العارف المتجاهل
رجع إلى اقتصاص الحال بينه بين من عرض به فيقول: إذا أبصرني المباغض لي ارتد طرفه عني، وقطع نظره إلي، فعل من يعرف الشيء ويتكلف جهله. وقوله " قطع الطرف بينه "، الطرف: مصدر طرفته، إذا أبصرته. وعلى هذا قوله:
تحسب الطرف عليها نجدةً
وقد يراد بالطرف العين أيضًا فيكون اسمًا للجارحة والحدث جميعًا. وانتصب " فعل العارف " على المصدر مما دل عليه قطع الطرف بينه وبيني. والمتجاهل: متكلف الجهل. وعلى هذا: تعامى، وتعارج، وتخازر. وفي طريقته لفظًا ومعنىً قول الآخر:
تشاوس يزيد إنني من تأمل
ملأت عليه الأرض حتى كأنها من الضيق في عينيه كفه حابل
[ ١٦٧ ]
يقال: ملأت عليه الأرض، إذا ضيقتها عليه. وملأت منه الأرض، إذا قمت وقعدت بذكره. والحابل: ناصب الحبالة. ويقال حبلت الصيد واحتبلته، إذا أخذته؛ وتوسعوا فيه فقالوا: احتبله الموت بحبائله. والكفة، يجوز أن يريد به الحفيرة التي ينصب الحابل فيها الحبالة. ويجوز أن يريد بها قترته، ويجوز أن يريد بها عين الحبالة، لأنها تجعل كالطوق. وهذا أقرب لأن الخليل فسر الكفة على ذلك. وجاء إضافتها إلى الحابل كما يجوز إضافة نفس الحبالة إليه، والمعنى: ضيقت عليه الأرض على اتساعها، لشدة بغضه لي، أي حتى كأنها برحبها في عينيه كفة حابل إذا اجتمع فيها معي. وهذا يشير إلى تضاد الطبعين، وتباين الخلقين، وأنه لو أمكنه لانتفى وجوده في الأرض انتفاء الضد للضد، قلة موافقةٍ وكثرة مخالفة.