من يكن الحضارة أعجبته فأي أناسٍ باديةٍ ترانا
الحضارة تكسر منه الحاء وتفتح، وكذلك البداوة تكسر منه الباء وتفتح. والمراد بالحضارة أهل الحضارة، فحذف المضاف، يدل على ذلك قوله " فأي أناس باديةٍ "، لأن التفضيل إنما يصح بين الحضريين والبدويين. وأي هذه تضاف إلى النكرة، ولا تضاف إلى أكثر من الذي جعلته خبرًا، لأنك تريد صفته. ألا ترى أنك تقول مررت برجلٍ أي رجل، وأي رجلٍ أخوك إذا جعلته خبرًا يكون مخرج الكلام المدح والتعجب، كأنك قلت: نهايةٌ في الرجولية أخوك. فعلى هذا قوله فأي رجالٍ باديةٍ. فيقول: من أعجبه رجال الحضر؛ فأي رجال بدوٍ نحن، إذا حصلت الرجال. والمعنى: أي أناسٍ نحن وإن كنا من أهل البدو. والمراد التمدح والتعجب.
ومن ربط الجحاش فإن فينا قنًا سلبًا وأفراسًا حسانا
[ ٢٥٢ ]
يقول: ومن ارتبط الحمر واقتناها، وكان عيشه منها، فإنا أرباب الغزو، وآلاتنا رماحٌ طوالٌ، وخيلٌ رائقة عناقٌ. والجحش من أولاد الحمر كالمهر في الخيل، والجمع الجحاش والجحشة. والسلب: الطوال، والواحد سلوبٌ.
وكن إذا أغرن على جنابٍ وأعوزهن نهبٌ حيث كانا
يقال: عوز الرجل كذا عوزًا، مثل عدم، وأعوزه الدهر؛ أفقره. وأعوز الرجل: ساءت حاله، وهذا لا يتعدى. يقول: كانت هذه الخيل إذا أغارت على ما حولها من القبائل فبددت شملها، وخوفت آمنها، وصارت تأخذ حذرها، وتتقيها بالبعد عنها؛ حتى أعوزها النهب حيث كان النهب، لمعاودتهم الغارة وقتًا وبعد وقتٍ، وإدامتهم إياها، وإلحاحهم بها. وقوله " إذا أغرن " ظرفٌ لقوله أغرن من البيت الذي يليه، وهو جوابٌ له، والجملة خبر كن.
أغرن من الضباب على حلولٍ وضبة إنه من حان حانا
وأحيانًا على بكرٍ أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا
الضباب يشتمل على ضبة وضبيبٍ، وحسلٍ وحسيل، فلذلك سموا الضباب. يقول: أغارت على أقاربهم وعلى الحلات النازلة حولهم وفيهم، لأن من قدر له الحين فقد أدركه. والمعنى: إنهم لا عتيادهم الغارة لا يصبرون عنها، حتى إذا أعوزهم الأباعد عطفوا على الأقارب. ألا ترى أنه تمم ذلك بقوله:
وأحيانًا على بكرٍ أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا
وقوله: " إنه من حان حانا " يسمى الالتفات، كأنه التفت إلى إنسانٍ فقال: إنه من هلك بغزونا فقد هلك. وقوله " على بكرٍ " تعلق بفعلٍ مضمرٍ دل عليه ما تقدم فيما قبله، كأنه قال: وأحيانًا أغرن على بكر.