تبغي ابن كوزٍ والسفاهة كاسمها ليستاد منا أن شتونا لياليا
قوله " والسفاهة كاسمها " اعتراض دخل بين تبغي ومفعوله. والأصل في السفه: الخفة. ويقال: زمام سفيه، لاضطرابه، كما يقال زمام عيار. فيقول: تطلب هذا الرجل ما تطلبه سفهًا، وفعل السفاهة قبيح كما أن اسمها قبيح. وإنما قال هذا لأن السفه كما تنكر العقول والقلوب ذاته وفعله، كذلك تمج الآذان والصدور اسمه. فإن قيل ما اسم السفاهة حتى قال: والسفاهة كاسمها؟ قلت: قوله والسفاهة، أراد ما يسمى سفاهة، أي المسمى بهذا الاسم، كما أن الاسم الذي هو السفه قبيح. إلا أنه لما لم يجد إلى العبارة عن الذات طريقًا إلا باسمه قال: والسفاهة. ويجوز أن يكون أراد بتبغي: أدخل نفسه في البغي، حين عدا طوره، وسامنا مواصلته، كما يقال تشجع وتمرأ. وقوله " ليستاد منا أن شتونا لياليا " أتى بالفعل واللام، لأن تبغي مثل أراد. فكما قال الله ﷿: " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم "، وقال الشاعر:
أرادت لتنتاش الرواق فلم تقم
والمعنى يريدون إطفاء نور الله، وأرادت انتياش الرواق - كذلك قال هذا: تبغي ليستاد، والمعنى تبغي الاستياد منا ومراد الشاعر تطلب النكاح في سادتنا من أجل أنا دخلنا في الشتاء. والمعنى من أجل أنا افتقرنا واشتد الزمان علينا فأثر فينا. قوله " أن شتونا " موضعه نصب، أصله لأن شتونا، فلما حذف الحرف الجار وصل الفعل فعمل. ومعنى شتونا: قحطنا وأقمنا في القحط، كما تقول شتونا بمكان كذا. ويقال: اشتينا، إذا أريد دخلنا في الشتاء.
[ ١٧٦ ]
فما أكبر الأشياء عندي حزازة بأن أبت مزريًا عليك وزاريا
انتصب " حزازة " على التمييز، فيقول: ليس انصرافك عنا عائبًا علينا حين لم نسعفك بمرادك، ولم نجبك لما خطبت من خطبت إلى ملتمسك، ومعيبًا عندنا حين عدوت طورك فتجاوزت مستحقك وقدرك، بشيء يكبر عندي تقطيعه في الصدر، وتأثيره في النفس. أي إرغامك وإسخاطك يهون علينا. والباء الذي في قوله " بأن أبت " هو الباء الذي في قولك ما زيد بمنطلق. ويقال: زريت عليه فعله، إذا عبت عليه فعله؛ وأزريت به، إذا وضعت منه وقصرت به. وقوله " وزاريا " أي وزاريا علينا، فحذف لأن المراد مفهوم.
وإنا على عض الزمان الذي ترى نعالج من كره المخازي الدواهيا
يقول: إنا نقاسي هربًا من المكروه الشدائد، ونصبر تفاديًا منها على العظاتم. هذا - ما ترى من نكاية الحدثان، وسوء تأثير الزمان، وقصده إيانا بالمكاره والبلاء، والمفاقر والضراء. وهذا تنبيه على أن محافظتهم على الشرف يمنعهم من مناكحة من ليس بكفء لهم، وأن مساعفتهم إياه بما طلبه مخزية عندهم. وقوله " على عض الزمان " موضعه موضع الحال. والمعنى: إنا منكوبين وفقراء نفعل ذلك حذرًا من العار.
فلا تطلبنها يا بن كوز فإنه غذا الناس مذ قام النبي الجواريا
يقول: لا تطلب التزوج بالمرأة التي خطبتها يا بن كوز، فلك في سائر النساء مندوحة، سيما ومنذ بعث الله ﷿ النبي ﵇، وقام بأداء الرسالة عنه، ربي الناس البنات وتركوا وأدهن فكثرن. ويقالك غذاه يغذوه غذوًا، وتغذى بكذا. والغذاء: الطعام والشراب.
وإن التي حدثتها في أنوفنا وأعناقنا من الإباء كما هيا
يقول: وإن النخوة التي أبلغتها، والحمية التي حدثتها، باقية في أنوفنا حتى لا نشم بها مرغمة، وفي أعناقنا ورءوسنا حتى لا نلويها إلى مخزية ومنقصة هي حاصلة فيها كما أبلغت؛ فالامتناع من مثل ما سمت معروف منا، ومأخوذ به في عاداتنا، فلا نستطرقه. وقوله " في أنوفنا " في موضع المفعول الثالث لحدثتها. وقوله " كما هيا " في موضع خبر إن، وما زائدة. أراد كهي، أي هي باقية بحالها، مستمرة على طريقها. ويجوز أن يكون هي مبتدأ، وكما في موضع الخبر. ويقولون: كما أنا كما أنت، أي
[ ١٧٧ ]
تشابهنا، ويكون ما نكرة غير موصوفة. ويجوز أن يكون حذف صفته كأنه قال: كما حدثته أي كشيء حدثته. وإنما خص " في أنوفنا وأعناقنا " بالذكر لأنه يقال في الكبر والصعوبة: في أنف فلان خنزوانة، وزم فلان بأنفه، وأنفه أنف الليث، وهو أحمى أنفًا من أن يقبل كذا. ويقولون: في خده صعر، وفي عنقه صور وصيد، وفي ناظره شوس وصاد. قال يصف سيوفًا:
يداوي بها الصاد الذي في النواظر