وقلت لزيدٍ لا تترتر فإنهم يرون المنايا دون قتلك أو قتلي
الترترة: العجلة. وحكى الدريدي أنها كثرة الحركة، فهي كالتلتلة. وروى الحديث: " تلتلوه ومزمزوه " بالراء واللام جميعًا. ويروى " لا تبربر "، والبربرة؛ كثرة
[ ٢٦٥ ]
الكلام، وكذلك الثرثرة بالثاء، ورجلٌ ثرثارٌ. ويقال: ما أكثر بربرتهم، إذا ماجوا في الكلام. ومنه سمي البربر: جنس من المغاربة، وكذلك البزبزة بالزاي: كثرة الحركة. وقد روى: " لا تبزبز ". ويقال ما أكثر بزبزتهم، ورجل بزبازٌ وبزابزٌ، إذا كان يكثر حركاته ويخف فيقول: لا تعجل يا زيد، أو لا تكثر كلامك ولا تضطرب، فإن القوم يرون الصبر على المنايا ويخف عليهم ويقل عندهم إذا ثبت فيه قتلك أو قتلي لهم. وانتهزوا في تحصيل أحدهما فرصهم. ويكون " يرون " في هذا الوجه من الرأي، كما يقال فلانٌ يرى في دينه أو في مروته كذا، أي يتخذه مذهبًا ويدوم عليه. ويجوز أن يريد بيرون المنايا: يقاسون الشدائد، ويذوقون المنايا، ولم يصلوا بعد إلى قتلي أو قتلك. ويكون معنى " دون قتلك " كما يقال " دون هذا الأمر خرط القتاد "، وكما قال بشرٌ:
ومن دون ليلى ذو بحار ومنور
ومعنى يرى كما يقال لو علمت ماذا رأيت من فلانٍ، يراد أي شيءٍ مارست وكايدت. والكلام في المعنى الأول تصويرٌ لحال القوم في عداوتهم، ونهىٌ عن المعاجلة معهم، وبعثٌ على مصابرتهم ومحاذرتهم. وعلى المعنى الثاني يكون تثبيتًا لصاحبه وتشجيعًا، وتسكينًا منه وتصبيرًا، فيكون مثل قوله:
أقول لنفسي حين خود رألها
وأن أبا تمامٍ تصور هذا المعنى، فلذلك ألحق الأبيات بما يليها.
فإن وضعوا حربًا فضعها وإن أبوا فعرضة عض الحرب مثلك أو مثلي
يقول: إن حطوا الحرب أو اطرحوها، وراموا المسالمة والمتاركة فيها، فاتبعهم في ذلك واقتد بهم، وإن أبوا إلا الشر فالقوي على عضاض الحرب والصبور على
[ ٢٦٦ ]
لزامها مثلك أو مثلي، والمعنى: أنا وأنت. وهذا كما يقال: مثله لا يعتاض منه، والمعنى هو لا يعتاض منه. ويقول: فلانٌ عرضة الشر، إذا كان قويًا عليه.
وإن رفعوا الحرب العوان التي ترى فشب وقود الحرب بالحطب الجزل
جعل الرفع في مقابلة الوضع من البيت الأول، والمعنى: إن هيجوها. والعوان: التي قوتل غيها مرة بعد أخرى، فتقادم وتطاول لبثها، واتصل هيجانها، واتسع نفيانها. وهذا على التشبيه بالعوان من النساء. فهو كما وضعها غيره لما أراد ابتداءها وجدتها أنها فتاةٌ وبكرٌ، فقال:
الحرب أول ما تكون فتيةٌ تسعى بنزتها لكل جهول
وقد استعملوا البكر والعوان في الحاجات أيضًا، فقال: هي بكر حاجاتي، وحاجتي بكرٌ، وحاجتك عوانٌ. يقول: وإن أججوا نار الحرب العوان التي تشاهد واستجاشوا لها، وأثاروا كوامنها، فاستجش أنت أيضًا وأوقد نارها بالحطب الغليظ الجزل.
وقال أيضًا:
إذا ذكر ابنا العنبرية لم تضق ذراعي وألقى باسته من أفاخر
قوله: " لم تضق ذراعي " مثل، ويقال ذرعي. قال الخليل: الذراع اسمٌ جامعٌ لكل ما يسمى يدًا من الروحانيين. يقول: إذا ذكر هذان الرجلان من آبائي اتسع نطاق افتخاري، ورحب مجالي وباعي، ولم تعيني غلبة من أساجله، ولم يقعد بي ذكرهما عن الارتقاء في الفخر إلى ما لا يطلع له من أوازنه وأكايله، حتى ألقاه باسته دون وجهه لتوليه وإعراضه. وذكر الاست تقبيحٌ لفعله عند النكوص والانهزام، وتشنيعٌ عليه في التولي والإدبار.
هلالان حمالان في كل شتوةٍ من الثقل ما لا تستطيع الأباعر
يقول: هما في الاشتهار واعتلاء الشأن، واستضاءة الناس بنورهما، والانتفاع بمكانهما، بمنزلة هلالين؛ ويتكلفان عند كل جذبٍ ومحلٍ، من الأثقال والأعباء، ما
[ ٢٦٧ ]
لو صارت أجرامًا لعجز عن النهوض بها وتحملها البعران. فإن قيل: إذا كان قصده في تحمل الأثقال إلى قرى الضيف، ونحر الجزور وقسمتها في المسير، والصبر على المؤن، والنهوض بالكلف، فكيف قال حمالان من الثقل ما لا يستطيع الأباعر؟ وكيف مثل ما يثقل على القلوب من الغرامات والحقوق، بالأوفار التي تثقل على الظهور؟ قلت: إنما يريد أن تلك المؤن والتكاليف التي يلتزمها، ويسعى بها وفيها، لو جسمت ثم حملت، لكانت الجمال لا تستقل بها، ولا تقوى عليها، فهذا وجهٌ. ويجوز أن يكون لما قال حمالان في كل شتوةٍ من الثقل، جعل لفقه ما لا تستطيع الأباعر، إذ كانت الجمال وأشباهها هي التي لحمل الأثقال خلقت، وبها اشتهرت، وليكون في اللفظ توافقٌ، مع الأمن من عارض الالتباس. ويكون هذا كما قال غيره:
ألا هلك امرؤٌ ظلت عليه بجنب عنيزةٍ بقرٌ هجود
سمعن بموته فظللن نوحًا قيامًا ما يحل لهن عود
ألا ترى أنه لما كان قد كنى عن النساء بقوله " بقرٌ هجود " عبر عن إمساكهن عن الطعام تحزنًا بقوله " ما يحل لهن عود " إذ كانت البقر وما يجانسها من البهائم تعتلف العود وما يكون كالعود. وليس ذلك إلا لطلب الموافقة في اللفظ، مع الأمن من اللبس. فأما قول لبيدٍ:
فإذا جوزيت قرضًا فاجزه إنما يجزى الفتى ليس الجمل
فمعناه إنما يعرف النعم وما يجب لها من شكر المنعم أرباب العقول وذوو التمييز، لا البهائم. فمتى أزلت إليك نعمةٌ فكن من المجازاة عليها بمرصدٍ، فإن معرفة ذلك والأخذ به من تمام العقل، ويوحبه المميزون وأولو الحجى، لا غيرهم مما لا تمييز له، ولا معرفة بذلك عنده. وذكر الجمل مكتفيًا وإن كان القصد جنسه أو أجناس مثله. وفي طريقة ما نحن فيه قول أبي تمام إلا أنه فصل بين المنزلتين،
[ ٢٦٨ ]
وهو:
والصبر بالأرواح يعرف فضله صبر الملوك وليس بالأجسام
وقال:
ألم تريا أني حميت حقيقتي وباشرت حد الموت والموت دونها
الحقيقة: الخصلة التي يحق على الإنسان حمايتها. وقال الخليل: الحقيقة: ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه. وقوله " ألم تريا " تقريرٌ للغير على ما كان من بلائه. يقول: ألم تعلما أني ذببت عما يجب على الذَّبُّ عنه، وباشرت الموت بنفسي، والموت دون حماية الحقيقة. يريد أن المحافظة على الشرف أشق من اقتحام الموت والاستقتال، لأنه يحتاج أن يصبر فيه من المكاره على ما لا يحد ولا يحصر، ويتكلف له من المشاق ما لا يعد ولا يضبط. فهذا وجه. والضمير من قوله " دونها " يرجع إلى ما دل عليه حميت من الحماية والحفظ. ويجوز أن يكون قوله " والموت دونها " أي قريبٌ من الحقيقة التي دفعت عنها أو من الحماية التي التزومتها، وحائلٌ بيني وبينها، ويكون هذا بيانًا لكيفية مباشرته لحد الموت ومشافهته إياه على سمت القرب، والواو من قوله " والموت " واو الحال. وإذا جعلت المعنى الأول فيكون الكلام بيانًا لتفضيل حماية الحقائق على مباشرة المنايا.
وجدت بنفسٍ لا يجاد بمثلها وقلت اطمئني حين ساءت ظنونها
يصف ابتذاله نفسه فيما تعناه على حاجةٍ من العشيرة إلى بقائها، وحلولها من القلوب محل ما يضن بها، فيوجب صيانتها. يقول: تسخيت بنفس لا يتسخى بمثلها كرمًا وعزةً، وشرفًا وأبهةً، وقلت تثبيتًا لها: اسكني واصبري عند استيلاء الرعب عليها، واختلاف الظنون بها. وهذه إشارةٌ إلى ما يلحق النفس في الأول من الالتقاء، للوهلة العارضة، والفجعة المروعة. ومثله:
أقول لنفسي حين خود رألها مكانك لما تفقي حين مشفق
وما خير مالٍ لا يقي الذم ربه ونفس امرئٍ في حقها لا يهينها
[ ٢٦٩ ]
لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى معنى الإنكار الذي يجري مجرى النفي، يقول: أي خيرٍ في مالٍ لا يصون صاحبه من ذمٍ وعارٍ، ولا يحميه من لحقوق تهجننٍ وشنارٍ؟ وأي شيء غناء نفس لا يبتذلها صاحبها في استيفاء حقوقها، ولا يتعبها في الدفاع دون حقائقها؟ وهذا الكلام تبرؤٌ من التحمد بما كان منه من إنفاق المال، وابتذال النفس. ومثله قول الآخر:
ويبتذل النفس المصونة طائعًا إذا ما رأى حقًا عليه ابتذالها
وقال:
ذهبتم فلذتم بالأمير وقلتم تركنا أحاديثًا ولحمًا موضعا
يخاطب قومه ويلومهم على ما كان منهم من القعود عن نصرته، والنكوص عن مشايعته، واعتلالهم عند اعتذارهم من ذلك بالمعاذير المشوبة بالكذب، التجأتم إلى الأمير وقلتم تركنا قومنا يقولون ولا يفعلون، وعند تسلط الأعداء عليهم لا يمتنعون منهم ولا يدافعون، فهم كاللحم المبضع على خوان الجزارن تمتد الأيدي على توضعه إليه، وتتعلق الأطماع بتناوله وأخذه. ويكون هذا كقول الآخر:
رضوا بصفات ما عدموه جهلًا وحسن القول من حسن الفعال
هذا إذا رويت " تركنا " بفتح التاء، وإن رويت بضم التاء كان المعنى: ادعيتم علينا فيما نابنا، وعندما هممتم به من مفارقتنا وخذلاننا، أنا تركنا أحدوثةً للناس قبيحةً، يقومون ويقعدون بذكرنا، وأذلاء مهتضمين لا دفاع بنا، ولا امتناع من مذمةٍ في طباعنا. والموضع: المقطع المفرق في مواضع.
فما زادني إلا سناءً ورفعة وما زادكم في الناس إلا تخضعا
يقول: لم يزدني فعلكم وقولكم عند اعتلالكم في مفارقتكم إلا ارتفاع محلٍ، وسمو حالٍ، وجلالة قدرٍ، ولم يزدكم في الناس إلا تراجعًا وتذللًا، وتصورًا بالقبيح وتسقطًا، لأن من لا يصلح لعشيرته وأقربيه، وفصيلته وذويه، لم يسكن إليه البعيد الذي يؤويه، والمستعان به لما يرتجيه.
فما نفرت جنى والفل مبردي ولا أصبحت طيري من الخوف وقعًا
[ ٢٧٠ ]
وهذا يحتمل وجوها: يجوز أن يريد لم ينخزل لما أتيتم وأخبرتم أصحابي الذين هم كالجن، ولا فل لساني الذي هو كالمبرد، ولا ذعر جأشي فصار طيرى واقعةً. ويكون الأول كقول الآخر:
عليهن فتيانٌ كجنة عبقر
وتشبيه اللسان بالمبرد وحد السيف أكثر من أن يحتاج له إلى شاهد. وقد قيل في " نفرت جني " إنه مثل لفلتاته وبدراته، ويكون هذا كما وصف امرؤ القيس فرسه بالمرح وحدة القلب فقال:
به طائفٌ من جنةٍ غيرٍ معقب
وإن ذكره المبرد مثلٌ لصلاحه، وإن ذكره الطير مثلٌ لصيته وذكره الذاهب في الناس. ويجوز في هذا الوجه أن يريد به ذكاءه ونشاطه وشهامته، فقد قيل في ضده: هو ساكن الطائر، وكأن على رءوسهم الطير. ويجوز أن يشير بالجن إلى ما يدعيه الشعراء من أن لكل واحدٍ منهم تابعًا من الجن يستعين به فيما يجز به، ويجعل المراد بالمبرد في هذا الوجه اللسان لا غير. ويجوز أن يريد بالطير سراياه وطوائف خيله التي يطيرها للغارات والارتباء، وتجسس الأخبار وغيرها.