دفعناكم بالقول حتى بطرتم وبالراح حتى كان دفع الأصابع
يقول: درجناكم في استبقائكم ورتبنا القول والفعل في استفاءتكم وإصلاحكم، فوعظناكم أولًا باللسان وضرب الأمثال في الجدال، حتى أبطركم ذلك وزادكم إغراءً، فارتقينا من القول إلى الدفع بالراح، وتقبيح ما تأتونه بأحسن المس، فلما لم يغن شيءٌ من ذلك عدلنا منه إلى الدفع بالأصابع، وما بين هذه المنازل من التفاوت في الخشونة والليان معلومٌ عند ذوي الألباب. ومر بي فيما قرأته من مجاوبات قريش، أن بعضهم قال لآخر منهم مستضعفًا لما أورده عليه: هذا دفع بالراح! فقال مجيبًا: كلا إن معها الأصابع! وقوله " حتى كان دفع الأصابع " انتصب دفع على أنه خبر كان، واسمه مضمر كأنه قال: حتى كان الدفع دفع الأصابع. ولك أن ترفعه على أن يكون اسمه، وتضمر الخبر، كأنه قال: حتى كان دفع الأصابع دفعنا، أو على أن يكون كان بمعنى حدث، فتكتفي بالفاعل، وهي التي تسمى كان التامة.
[ ١٦٩ ]
فلما رأينا جهلكم غير منتهٍ وما غاب من أحلامكم غير راجع
يقول: ولما وجدناكم لا ترعوون لمواعظكم ونذركم، ولا يعاودكم ما عزب من بصائركم وعقولكم، ولا يقف الجهل بكم على غايةٍ لا متجاوز وراءها، ولا يغني ما استفرغنا فيه الوسع من ردكم وزجركم، راجعنا أنفسنا منكرين ومتعجبين، وأقبلنا نباحث عن أصولنا وفروعنا معتزين، لنقف على ما وطأ لكم مراكب العقوق، وحسن في آرائكم تخطي موانع الحقوق، إلى نكث قوى العهود.
مسسنا من الآباء شيئًا وكلنا إلى حسبٍ في قومه غير واضع
قوله " مسسنا " يجوز أن يكون بمعنى أصبنا واختبرنا، لأن المس باليد قد يقصد به الاختبار، ويجوز أن يكون بمعنى طلبنا. وقد قال بعض الناس في قول الله تعالى: " لا يمسه إلا المطهرون ": إن المعنى لا يطلبه. قال: واللمس كالمس في أنه يوضع في معنى الطلب. قال: وعلى هذا يحمل قول الله جل ثناؤه: " وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسًا ". فمن الأول قولهم: مسه الكبر، وأفضى الرجل إلى امرأته إفضاء مسيسٍ. ومن الثاني مساس الحاجة. فأما قولهم: به مسٌ من جنون، فيصح أن يكون من الأول ومن الثاني جميعًا. وهذا كما يقال: به لممٌ من جنونٍ، وأصله من اللم وهو الجمع أو الإلمام. وقوله " وكلنا إلى حسبٍ " أي ينتمي وننتمي. ف " إلى " تعلق بهذا وما أشبهه من المضمرات. وهذا كما يقال: أنا منك وإليك. وقوله " كلنا " أي كل واحدٍ منا، يعني أهل بيتهم. ألا ترى أنه قال " إلى حسبٍ في قومه ". ومعنى البيت: لما اشتد لجاجهم وطال تماديهم، وصاروا لا ينزلون عن مراكب البغي، ولا يرجعون عن الذهاب في طرق الفساد، نظرنا: أي عرقٍ يقتضي منكر الخلاف معنا، وما الذي يوجب التدابر من الأنساب والأسباب بيننا، فلمسنا أطراف أبوتنا، واستشففنا جوانبها، ووجدنا كلامنا ينتمي إلى حسبٍ يرفعه ولا يضعه. ويقال: وضعته، إذا حططت منه. ووضع الرجل، وهو وضيعٌ بين الضعة والضعة. والتوضيع: التأنث والانكسار من هذا. ويقال: دابةٌ حسنة الموضوع، وضده المرفوع. وبعيرٌ عارف الموضع، أي ذلولٌ عند الركوب.
فلما بلغنا الأمهات وجدتم بني عمكم كانوا كرام المضاجع
[ ١٧٠ ]
جعل المضاجع كنايةً عن الأزواج. وهذا كما يكنى عنهن بالمفارش. قال:
سجراء نفسي غير جمع أشابةٍ حشدٍ ولا هلك المفارش عذل
يعني أن أمهاتهم عفائف. فيقول: لما تقصينا بالبحث والكشف أنساب آبائنا، وعلائق وصلها فلم نجد فيها مغمزًا، ولا إلى ما ذممنا من أخلاقكم منها داعيًا، عدلنا إلى النظر في أنساب أمهاتنا، والتوصل إلى مكنون وشائجها، ومجهول مواصلها، فألفيتم أبناء عمكم كانوا كرام الفرش. وهذا من أحسن المعاريض، لأن المراد: كانت أمهاتنا أشرف من أمهاتكم، فعلمنا أن ما خالفتمونا فيه، وصرتم على حرف مباينةٍ لنا من أجله، شيءٌ يرجع إليهن. وإنما قال " وجدتم " ليكون كالتقرير لهم، ويصير ما ادعي من الفضل عليهم باتفاقٍ منهم. وذكر بعضهم أنه كان يجب أن يقول: وجدتمونا، فوضع بني عمكم مكان " نا "، وهو أخص من بني عمكم، بدلالة أن ما يكون للنفس أخص مما يكون للغائب، وإذا كان كذلك فقد وضع الأدون موضع الأخص. وليس الأمر على ما قال، لأن الرجل إنما يريد ببني عمكم الآباء، وقد قدم ذكرهم في قوله " مسسنا من الآباء ". ألا ترى أنه قال: كانوا كرام المضاجع. وإذا كان الأمر على هذا، كان الواجب عليه أن يقول: وجدتم آباءنا كانوا، لا وجدتمونا.