إني حمدت بني شيبان إذ خمدت نيران قرمي وفيهم شبت النار
الحمد: الثناء على الرجل بما فيه من الخصال المرتضاة. وبهذا المعنى فارق الشكر، لأن الشكر لا يكون إلا على صنيعة. فيقول: لما رأيت بني شيبان عند إمحال الأرض وإجدابها، وإقتار الناس وإضاقتهم، ويوقدون نار ضيافتهم ويقيمونها، وإن كانت نيران غيرهم خامدة متروكًا إشعالها، أثنيت عليهم، ونشرت فضيلتهم. وقال نيران قومي وإن أراد غيرهم معهم، تفضيلًا لهم على قومه، وإيذانًا بالصدق في مخبره، فبدأ بذكر قومه وذويه. ويروي: نيران قوم، والأول أجود.
ومن تكرمهم في المحل أنهم لا يعلم الجار فيهم أنه الجار
حتى يكون عزيزًا من نفوسهم أو أن يبين جميعًا وهو مختار
يقول: من تكلفهم الكرم كأنهم لا يرضون في مثل ذلك الوقت بما طبعوا عليه وجبلوا، حتى تكلفوا أكثر منه، أنهم يحلون جارهم من العناية به والاتحاف والإحسان إليه والاصطناع، محلًا يتشكك من بعد في نفسه: هل هو جارهم أم من صميمهم. وعلى هذا يتعلق حتى من قوله حتى يكون عزيزًا بالمعنى الذي دل عليه قوله لا يعلم الجار فيهم أنه الجار، أي يعاملونه بهذه المعاملة إلى أن يكون عزيزًا فيما بين ظهرانيهم، أو يختار مفارقتهم. والمعنى: ذلك له فيهم، ما اعتز بجوارهم، أو مال إلى فراقهم. ويجوز أن يكون قوله من نفوسهم في موضع الحال، وعزيزًا خبر
[ ٢١٩ ]
كان. وإن جعلت عزيزًا في موضع الحال ومن نفوسهم خبرًا جاز. والمعنى: حتى يكون كأنه من أصلهم، كما قال الله ﷿: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم "، والمعنى من جنسكم ومن بطانتكم. ويجوز أن يكون البيت مضمنًا، ويكون معنى لا يعلم الجار فيهم أنه جار، أن الجار لا يكون قد أحس بمجاورته لهم حتى يتفقدوه هذا التفقد، ويحلوه هذا المحل. وقوله أو أن يبين جميعًا انتصب جميعًا على الحال، والمعنى أو أن يفارق وهو مجتمع الحال غير منتشرها، ومختار لذلك غير مضطر إليه. ومثل هذا بيت زهير:
ضمنا ما له وغدا جمعا علينا نقصه وله النماء
وقبل بيت زهير هذا قوله:
وجار سار معتمدًا إلينا أجاءته المخافة والرجاء
فجاور مكرمًا حتى إذا ما دعاه الضيف وانقطع الشتاء
ضمنا ما له وغدا جميعًا
فقد علمت اشتمالها على ما ذكره هذا الشاعر وتفردها بما زاد عليه من المعنى. ويجوز أن يكون حتى بمعنى كي، فيكون المراد لا يعلم الجار لحسن توفرهم عليه، وتوحدهم إياه باتخاذ الصنائع لديه أنه جار، لكي يكون عزيزًا مدة مقامه، أو يفارقهم مختارًا، موفور المال، مصون الحال.
كأنه صدع في رأس شاهقة من دونه لعتاق الطير أوكار
يقول: كأن الجار لتمنعه بهم، وتعززه حين استظهر على الزمان بمكانه فيهم، وعل احترز عن طلابه في رأس قلة شامخة أوكار عتاق الطير دونه، وهو أرفع منها وأحصن. فالتشبيه تناول ما ذكرت من التمنع والتحصن. ويعني بعتاق الطير: العقبان وما أشبهها من أحرار الطير، وما يتخذ الوكور في الجبال. وإلى هذا أشار الهذلي في قوله:
حتى انتهيت إلى فراش عزيزة سوداء روثة أنفها كالمخصف
[ ٢٢٠ ]
يعني وكر عقاب. والصدع والصديع: الفتي من الأوعال، وقيل هو للربوع وقد استعمل في الربعة من الرجال.
وقال آخر:
نزلت على آل المهلب شاتيًا غريبًا عن الأوطان في زمن محل
يقول: أويت لما تغربت عن أوطاني داخلًا في الشتاء، ممتحنًا بالجدب والقحط، ملجأً إلى الاستعانة على الزمان بغيري، إلى آل المهلب بن أبي صفرة ونزلت فيهم. ثم أخذ يقتص ما رأى فيهم. ويقال زمن محل، وصف بالمصدر، وزمن ما حل وزمن ممحل. والأصل في المحل: انقطاع المطر ويبس الكلا. ويقال أرض محل وأرض محول، وصف بالجمع، كأنه أجرى على أقطاع الأرض، كما يقال: ثوب مزق.
فما زال بي إكرامهم واقتفاؤهم وإلطافهم حتى حسبتهم أهلي
يقول: لم يزالوا يؤثرونني بالإحسان والحسنى، ويختصونني بإسداء الجميل والنعمى، ويلتزمون لي من الإكرام والتقريب، والإدناء والترحيب، حتى ظننتهم عشيرتي، وتشككت في اغترابي منهم، وبعد نسبي عنهم. ومن الإقتفاء القفي، وهو المكرم من الضيوف والسكن، والقفاوة. قال:
يعطي دواء قفي السكن مربوب