العباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد بن عبس بن رفاعة بن الحارث ابن بهثة بن سليم السلمي، أبو الفضل، وقيل أبو الهيثم، شاعر مجيد أسلم قبل فتح
[ ١ / ١١٧ ]
مكة بيسير، وهو من المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم. قال أبو عبيدة (١):
وأمه هي الخنساء بنت عمرو بن الشريد الشاعرة، وله منها أيضا اخوة: سراقة وجزء وعمرو، بنو مرداس، وكلهم شاعر، وعباس أشهرهم وأشعرهم وأفرسهم وأسودهم.
وكان عباس ممن ذم الخمر في الجاهلية، وكذلك أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وقيس بن عاصم، وحرّمها قبل هؤلاء عبد المطلب بن هاشم، وعبد الله بن جدعان، وشيبة بن ربيعة، وورقة بن نوفل، والوليد بن المغيرة، وعامر بن الظرب، ويقال إنه أول من حرّمها على نفسه. ويقال بل عفيف بن معدي كرب. وكان عباس هذا ينزل البادية بناحية البصرة وله ولدة جماعة وله صحبة أيضا ورواية.
٤٢ - وأنشد:
إمّا أقمت وأمّا أنت مرتحلا فالله يكلأ ما تأتي وما تذر (٢)
قال المصنف: الرواية بكسر الأولى وفتح الثانية، قلت: البيت أنشده المبرد شاهدا على قوله: إذا أتيت بأما، وأما فافتح الهمزة مع الأسماء واكسرها مع الأفعال، كذا حكاه عنه الأزهري. وأورده بلفظ فالله يحفظ وهو معنى يكلأها كلأه الله كلاءة بالكسر حفظه وحرسه. وتأتي: تفعل. وتذر: تترك. وفي البيت إذا تأمّلت أربع
_________________
(١) قول أبي عبيدة: وأمه الخنساء بنت عمرو بن الشريد الشاعرة خطأ محض، والصواب الذي لا محيد عنه ابن عباس بن مرداس ﵁ أمه سوداء زنجية وافتخر بذلك رباح بن سنيح الزنجي مولى بني ناجية على جرير حين بلغه قوله: لا تطلبن خؤلة في تغلب فالزنج أكرم منهم أخوالا فغضب رباح بن سنيح الزنجي وقال في قصيدته المشهورة: فالزنج أن لاقيتهم في صفهم لاقيت ثم جحاجحا ابطالا فذكر فيها رجالا أشرافا من شجعان العرب الأبطال منهم عباس بن مرداس السلمي وابن عمه خفاف بن ندبة وغيرهم، وذكر أن أمهاتهم زنجيات انتهى أملاء من حضرة الاستاذ الشيخ أحمد محمود الشنقيطي. قلت: ذكر في الخزانة ١/ ١٠٥ (السلفية) أن أمه الخنساء الصحابية الشاعرة. وانظر الاصمعيات ص ٢٣٦.
(٢) الخزانة ٢/ ٨٢
[ ١ / ١١٨ ]
طبقات بين إما المكسورة، وأما المفتوحة، وبين أقمت ومرتحلا، وبين الجملة الفعلية والاسمية، وبين تأتي وتذر.
٤٣ - وأنشد:
نزلتم منزل الأضياف منّا فعجّلنا القرى أن تشتمونا (١)
هذا من قصيدة طويلة لعمرو بن كلثوم التغلبي، وهي إحدى المعلقات، وأوّلها:
ألا هبّي بصحنك فاصبحينا ولا تبقي خمور الأندرينا
ومنها:
إليكم يا بني بكر إليكم ألمّا تعلموا منّا اليقينا
علينا البيض واليلب اليماني وأسياف يقمن وينحنينا
علينا كلّ سابغة دلاص ترى تحت النجاد لها غضونا
ومنها:
وقد علم القبائل من معدّ إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا وأنّا المهلكون إذا أتينا
وأنّا الشّاربون الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا
وأنّا المانعون لما يلينا إذا ما البيض قابلت الجفونا
ألا أبلغ بني الطّمّاح عنّا ودعميّا فكيف وجدتمونا
نزلتم البيت وبعده:
_________________
(١) شرح التبريزي ٢٣٥، وأمالي المرتضى ٢/ ٤٩
[ ١ / ١١٩ ]
قريناكم فعجّلنا قراكم قبيل الصّبح مرداة طحونا
على آثارنا بيض كرام نحاذر أن تقسم أو تهونا
ظعائن من بني جشم بن بكر خلطن بميسم حسبا ودينا
أخذن على بعولتهنّ عهدا إذا لاقوا فوارس معلمينا
ليستلبنّ أبدانا وبيضا وأسرى في الحديد مقرّنينا
وبهذه الأبيات علم أن القرى في البيت استعارة عن القتل. قال شارح المعلقات:
يقول نزلتم منا منزلا قريبا كمنزل الأضياف فعجلنا لكم القتل قبل أن تقتلونا. ومن آخر القصيدة:
إذا ما الملك رام النّاس خسفا أبينا أن نقرّ الخسف فينا
ملأنا البرّ حتّى ضاق عنّا وبحر الأرض نملؤه سفينا
لنا الدّنيا وما أضحى عليها ونبطش حين نبطش قادرينا
بغاة ظالمين وما ظلمنا ولكنّا سنبدأ ظالمينا
إذا بلغ الرّضيع لنا فطاما تخرّ له الجبابر ساجدينا
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
قال شارح المعلقات: جاء ناس من بني تغلب إلى بكر بن وائل يستسقونهم في سنة أصابتهم فطردتهم بكر للحقد الذي كان بينهم، فرجعوا إلى الفلاة فمات منهم سبعون رجلا عطشا، فاجتمعت بنو تغلب لحرب بكر واستعدت لهم بكر، وخافوا أن تعود الحرب بينهم كما كانت فدعا بعضهم بعضا الى الصلح، فتحاكموا في ذلك الى الملك عمرو بن هند، وهو ابن المنذر وهند أمّه، فجمع الفريقين وأصلح بينهم، وأنشد
[ ١ / ١٢٠ ]
عمرو بن كلثوم سيد تغلب في مجلسه هذه القصيدة إرتجالا يذكر فيها أيام بني تغلب ويفتخر بهم، وأنشد الحرث بن حلّزّة قصيدته التي أوّلها:
آذنتنا ببينها أسماء
قال معاوية بن أبي سفيان: قصيدتا عمرو بن كلثوم والحرث بن حلّزّة من مفاخر العرب، كانتا معلقتين بالكعبة دهرا.
وعمرو بن كلثوم بن عتاب بن مالك بن ربيعة بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب ابن عمرو بن غنم بن تغلب. قال ابن دريد في الوشاح: كنيته أبو الاسود. قوله:
هبي أي انتبهي من نومك. والصحن: الكأس. ويقال جام عريض قصير الجدار.
وأصبحينا: أسقينا. الصبوح: وهو شرب الغداة. والغبوق: شرب العشيّ.
والأندرين: قرية بالشام، وهو معدن الخمر. والبيض بالفتح جمع بيضة وهي المغفر.
واليلب: الترس من الجلود. والسابغة: الدرع الواسعة. والدلاص: الدروع الملساء التي ليس لحلقها حجم. والغضون: ما تثنى منها، يعني أنها واسعة. وبنو الطماح قبيلة من بني أسد، ودعمى من عبد القيس. وتشتمونا بكسر العين وضمها في المضارع والماضي بالفتح. والمرداة ما يردى به الشجر أي يرمى ليخبط ورقه.
والطحون: الذي يطحن كل شيء، وهو في البيت كناية عن الكتيبة، أي عجلنا لكم كتيبة تعرككم كما تعرك الرحى الحب. والظعائن: النساء في الهوادج. والميسم:
الحسن والجمال. والملك بسكون اللام لغة في الملك بكسرها. وسام: كلف.
والخسف: الظلم. وقوله: فنجهل. استشهد به النحاة على نصب المضارع بعد الفاء في جواب النهي.
* * *
[ ١ / ١٢١ ]