خفاف هذا، هو: ابن عمير بن الحارث بن الشّريد بن رياح بن يقظة بن عصيّة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، يكنى أبا خراشة، وهو ابن عم الخنساء. وندبة أمّه، بنون مفتوحة، وقد تضم، ودال ساكنة، وقد تفتح. صحابي شاعر مشهور، وشهد الفتح ومعه لواء لبني سليم، وشهد حنينا وثبت على إسلامه في الردّة. وله شعر يمدح فيه أبا بكر الصدّيق، وبقي إلى زمن عمر، وكان أسود حالكا (١).
١٤٧ - وأنشد:
كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا (٢)
هذا عجز مطلع قصيدة لسحيم عبد بني الحسحاس، وصدره:
عميرة ودّع إن تجهّزت غاديا
وبعده:
جنونا بها فيما اعترتنا علاقة (٣) علاقة حبّ مستسرّا وباديا
ليالي تصطاد الرّجال بفاحم نداه أثيثا ناعم النّبت عافيا (٤)
وجيد كجيد الرّيم ليس بعاطل من الدّرّ والياقوت أصبح حاليا (٥)
_________________
(١) انظر الشعراء ٣٠٠ - ٣٠١ وتحفة الأبيه فيمن نسب الى غير أبيه ١٠٤
(٢) ديوانه ١٦، والخزانة ١/ ٢٧٣ والكامل ٥٨٥ وابن سلام ١٥٦
(٣) في ديوانه ١٧: (فيما اعتشرنا علالة).
(٤) كذا في الاصل، وفي ديوانه: ليالي تصطاد القلوب بفاحم تراه أثيثا ناعم النبت عافيا
(٥) في الديوان: (.. الشّذر حاليا).
[ ١ / ٣٢٥ ]
كأنّ الثّريّا علّقت فوق نحرها وحجر غضا هبّت له الرّيح ذاكيا (١)
فما بيضة بات الظّليم يحفّها ويرفع عنها جؤجؤا متجافيا
ومنها:
بأحسن منها يوم قالت أرائح مع الرّكب أم ثاو لدينا لياليا
وهي ثمانية وخمسون بيتا (٢). قال صاحب منتهى الطلب: كان ابن الأعرابي يسمي هذه القصيدة الديباج الخسرواني.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن سعد في طبقاته، والمرزباني في معجم الشعراء (٣). والأصبهاني في الأغاني عن الحسن البصري (٤): أن رسول الله ﷺ كان يتمثل بهذا البيت:
كفى الإسلام والشّيب للمرء ناهيا
فقال أبو بكر: يا رسول الله، ألا قال الشاعر:
كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا
فأعاده كالأول. فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله (ما علمك الشّعر وما ينبغي لك) (٥). وفي الاصابة لابن حجر: سحيم، بمهملة، مصغر، عبد بني الحسحاس، بمهملات، شاعر مشهور مخضرم. أدرك النبي ﷺ وتمثل النبي ﷺ بشيء من شعره.
روى أبو الفرج عن أبي عبيدة. قال: كان سحيم عبدا أسود أعجميا.
_________________
(١) في الديوان: (وجمر غضى).
(٢) في تزيين الاسواق ١٤٢ أنها تزيد على مائة بيت، وهي في رواية الاحول ٦١ بيتا، وفي الديوان ٩١ بيتا.
(٣) انظر الخزانة ١/ ٢٧٣
(٤) الاغاني ٢٠/ ٢
(٥) كذا في الاصل، وفي الخزانة حسب رواية الآية الكريمة: (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ).
[ ١ / ٣٢٦ ]
وأخرج عمر بن شبّة والأصبهاني في الأغاني عن ابن سيرين قال: قدم سحيم على عمر بن الخطاب فأنشده قصيدته، فقال له عمر: لو قدّمت الاسلام على الشيب لأجزتك.
وقال ابن حبيب: أنشد رسول الله ﷺ قول سحيم (١):
الحمد لله حمدا لا انقطاع له فليس إحسانه عنّا بمقطوع
فقال: أحسن وصدق، فان الله ليشكر مثل هذا، وإن سدّد وقارب إنه لمن أهل الجنّة.
وقد قيل إن سحيما قتل في خلافة عثمان (٢).
وعميرة، منصوب بودع (٣). غاديا: بالغين المعجمة، من الغدو. وذاكيا: بالذال المعجمة، من ذكى يذكي، من باب فتح يفتح، إذا فاح. والظليم، بفتح الظاء المعجمة وكسر اللام: ذكر النعام. والجؤجؤ: الصدر. وثاو: من ثوى إذا قام.
وفي الأغاني عن أبي بكر الهذلي: أن اسم عبد بني الحساس حميمة، وأنه قال
_________________
(١) ديوانه ٦٨، وعده من الشعر المنحول. والبيت في الاصابة ٣٦٦٤ والخزانة ١/ ٢٧٣ مع الخبر.
(٢) في الخزانة ١/ ٢٧٣: (وقتل سحيم في خلافة عثمان. قال ابن حجر في الاصابة - رقم ٣٦٦٤ -: يقال: إن سبب قتله أن امرأة من بني الحسحاس أسرها بعض اليهود واستخصها لنفسه وجعلها في حصن له، فبلغ ذلك سحيما فأخذته الغيرة، فما زال يتحيّل له حتى تسوّر على اليهودي حصنه فقتله، وخلّص المرأة فأوصلها إلى قومها، فلقيته يوما فقالت له: يا سحيم، والله لوددت أني قدرت على مكافأتك على تخليصي من اليهودي! فقال لها: والله إنك لقادرة على ذلك - عرّض لها بنفسها - فاستحيت وذهبت، ثم لقيته مرة أخرى فعرّض لها بذلك فأطاعته، فهويها وطفق يتغزّل فيها ففطنوا له فقتلوه خشية العار). وانظر خبرا آخر عن مقتله في أسماء المغتالين ص ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٣) في ديوانه: (عميرة: تصغير عمره، مؤنث عمر، واحد العمور: أصول الاسنان والأضراس. قال أبو عبيدة: كانت صاحبته التي شغف بها تسمّى غالية، وهي من أشراف تميم بن مرّة، ولم يتجاسر على ذكر اسمها).
[ ١ / ٣٢٧ ]
في نفسه (١):
أشعار عبد بني الحسحاس قمن له عند الفخار مقام الأصل والورق
إن كنت عبدا فنفسي حرّة كرما أو أسود اللّون إنّي أبيض الخلق
وفي الأغاني عن محمّد بن سلام، وأبي عبيدة: أنشد عبد بني الحسحاس عمر ﵁:
توسّدني كفّا وتثني بمعصم عليّ وتحمي رجلها من ورائيا
فقال عمر: ويلك، إنك لمقتول.
وروى في الأغاني من طرق: أنه شبب بنساء قومه، ثم ببنت سيده فقتله سيده وأعانه قومه.
ومن قوله في أخت مولاه وكانت عليلة (٢):
ماذا يريد السّقام من قمر كلّ جمال لوجهه تبع
ما يرتجى! خاب من محاسنها أما له في القباح متّسع (٣)
لو كان يبغي الفداء قلت له ها أنا دون الحبيب يا وجع
١٤٨ - وأنشد:
ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد (٤)
_________________
(١) ديوانه ٥٥. والبيت الثاني في الخزانة ١/ ٢٧٣.
(٢) ديوانه ٥٤
(٣) في ديوانه: ما يبتغي! جار في محاسنها أما له في القباح متّسع وبعده: غيّر من لونها وصغّرها فزيد فيه الجمال والبدع
(٤) الكتاب ٢/ ٥٩، والخزانة ٣/ ٥٣٤، وأمالي ابن الشجري ١/ ٧٢ و١٩٢، والاغاني ١٧/ ١٣١ (الثقافة) وشرح التبريزي ٤/ ٣٤٢ صدر البيت.
[ ١ / ٣٢٨ ]
هو مطلع قصيدة بضعة عشر بيتا لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، شاعر جاهلي. وبعده:
ومحبسها على القرشيّ تشرى بأدراع وأسياف حداد
كما لاقيت من حمل بن بدر وإخوته على ذات الإصاد
قال ابن حبيب: ساوم الربيع بن زياد بن عبد الله بن سفيان بن قارب العبسي بن قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي درعا كانت عنده، فلما نظر اليها وهو راكب وضعها بين يديه، ثم ركض بها فلم يردها على قيس، فعرض قيس لأم الربيع فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهي تسير في ظعائن من بني عبس، فاقتاد جملها يريد أن يرتهنها بالدرع حتى تردّ عليه، فقالت له: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل، أين ضلّ حلمك، أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد أبدا وقد أخذت أمهم فذهبت بها يمينا وشمالا. فقال الناس في ذلك ما شاؤوا أن يقولوا، وحسبك من شرّ سماعه (١).
فأرسلتها مثلا. فعرف قيس ما قالت، فخلى سبيلها واطرد إبلا لبني زياد حتى قدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان وقال في ذلك:
ألم يبلغك والأنباء تنمي .. الأبيات
الأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر. وتنمي: بفتح المثناة الفوقية، من نميت الحديث أنميه بالتخفيف إذا بلغته على وجه الاصلاح وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه الافساد والتهمة قلت نميّته بالتشديد. قاله أبو عبيد وابن قتيبة. واللبون: جماعة الابل ذات اللبن. ويروى بدله، قلوص، وهي الناقة الشابة. وبنو زياد هم الربيع وأخوته. قوله: ومحبسها، أي محبس قلوص بني زياد، أراد حبسها. والقرشي:
عبد الله بن جدعان. وتشرى: تباع. والأدراع: جمع درع. والأسياف: جمع سيف. وحداد: جمع حديد، من حدّ السيف يحد حدة، أي صار حادّا. وذات الأصاد: بكسر الهمزة موضع، كانت فيه غاية في الرهان بين داحس فرس قيس بن زهير والغبراء فرس حذيفة بن بدر الفزاري، وبسببهما كانت الواقعة المشهورة في العرب بداحس والغبراء، دامت بينهم أربعين سنة. والأصاد: جمع أكمة كثيرة
_________________
(١) انظر مجمع الأمثال ١/ ١٩٤ رقم ١٠٢٦.
[ ١ / ٣٢٩ ]
الحجارة بين أجبل (١). وفي قوله: (ألم يأتيك البيت) شاهد على اثبات حرف العلة مع الجازم ضرورة، وعلى ذلك أورده المصنف في التوضيح (٢). وعلى زيادة الياء في الفاعل، وعلى ذلك أورده هنا، فإن (ما) فاعل يأتيك، وجملة الأنباء تنمى، معترضة (٣). وقال بعضهم: يحتمل أن يأتي وتنمي تنازعا في ما فاعمل الثاني وأضمر في الأول فلا اعتراض ولا زيادة. وقيل: فاعل يأتيك مضمر دل عليه الأنباء، أي ألم يأتك النبأ بما لاقيت، فالباء ومجرورها في محب نصب. وقيل الفاعل لبون، وفي لاقت ضميرها، أي ألم يأتك لبون بني زياد، أي خبرها بما لاقت هي (٤). وفي سرّ الصناعة: روى بعض أصحابنا البيت، ألم يأتك، على ظاهر الجزم فلا ضرورة. وروى أيضا بلفظ:
أهل أتاك والأنباء تنمي
ففيه شاهد على الجمع بين الهمزة وهل.
١٤٩ - وأنشد:
مهما لي اللّيلة مهما ليه أودى بنعليّ وسرباليه (٥)
هذا مطلع أبيات لعمرو بن ملقط الطائي، وهو جاهلي، وبعده:
_________________
(١) انظر البكري ١٦١ - ١٦٢.
(٢) في ابن الشجري ١/ ٧٣: (قوله: ألم يأتيك، أثبت الياء في موضع الجزم لإقامة الوزن، كما أثبت الآخر الواو في قوله: هجوت زبّان ثم جئت معتذرا من هجو زبّان لم تهجو ولم تدع ووجه ذلك أنهما نزلا الواو والياء منزلة الحرف الصحيح، فقدرا فيهما الحركة فكأن الجازم دخل ولفظ الفعل يأتيك وتهجو، بضم لاميهما )
(٣) في ابن الشجري: (وقيل: إن الباء في قوله: بمالاقت، زائدة، وما هي بفاعل، كما زيدت الباء مع الفاعل من، كفى بالله، ومع المبتدأ في قولهم، بحسبك قول السوء، ومع المفعول في نحو، لا يقرأن بالسّور).
(٤) في ابن الشجري: (وفي فاعل يأتيك قولان، قيل: إنه مضمر مقدر، كما حكي عن سيبويه، إذا كان غدا فأتني، أي إذا كان ما نحن فيه من الرخاء والبلاء غدا فأتني، وتقديره: ألم يأتيك النبأ. ودل على ذلك قوله: والأنباء تنمي).
(٥) الخزانة ٣/ ٦٣١.
[ ١ / ٣٣٠ ]
إنّك قد يكفيك بغي الفتى وزرأه أن تركض العاليه
بطعنة يجري لها عاند كالماء من غاية الجابيه
لو أنالتك أرماحنا كنت كمن يهوي إلى الهاويه
ألفيتا عيناك عند القفا أولى فأولى لك ذا واقيه (١)
ذاك سنان محلب نصره كالجمل الأوطف بالرّاويه
يا أيّها النّاصر أخواله أأنت خير أم بنو جاريه
أأختكم أفضل أم أختنا أم أختنا عن نصرنا وانيه
والخيل قد تجشّم أربابها الشّقّ وقد تعتسف لداويه
يأبى لي الثّعلبتان الّذي قال ضراط الأمّة الرّاعية
ظلّت بواد تجتني صمغه واحتلبت لقحتها الآنيه
ثمّ غدت تنبض أحرادها إن متفناه وإن حاديه
مهما: استفهام مبتدأ، ولي خبره. والليلة نصب على الظرف وأعيدت الجملة تاكيدا. وقيل: مه، اسم فعل بمعنى اكفف. وما وحدها استفهام. وأودى هلك.
ويركض: يدفع. والعالية: أعلى الرمح. وقيل اسم مرسلة على جهة واحدة. والغاية بمعجمة. وعاند: بمهملتين ونون، العرق الذي يخرج دمه. والجابية بجيم الحوض.
وغايتها: ما انتقب وانخرق منها. ويهوي، بكسر الواو، يسقط. وقوله: الفيتا، أورده المصنف في حرف الألف، الهاوي شاهدا على إلحاق الفعل المسند للظاهر علامة التثنية. ومعنى البيت: وصفه بالهرب، فهو يلتفت إلى ورائه في حال انهزامه فتلفى عيناه عند قفاه. وأولى: كلمة تهديد ووعيد. قال الأصمعي: معناه قاربه فأهلكه.
_________________
(١) صدر البيت سيأتي في شواهد الألف، وقد نسبه هناك خطأ لابي النجم، وأخطأ أيضا حين قال تقدم شرحه في شواهد عند.
[ ١ / ٣٣١ ]
وذا واقية أي وقاية، مصدر على فاعلة. وسنان: اسم رجل. ومحلب بحاء مهملة، معين، والأوطف: كثير شعر العينين والأذنين. والوانية: من ونى إذا فتر. وتجشم أربابها: تحملهم على المشقة. والشق: بالفتح، المشقة. والثعلبتان: ثعلبة بن جدعان، وثعلبة بن رومان. وقوله: ضراط الأمة، ليكون أحشركم. والآنية: قال أبو زيد:
المبطئة. وقال غيره: المدركة. وتنبض: تضطرب. واحرادها: امعاؤها، وإن قال الجرمي وأبو حاتم معناه: إما متغناة وإما حادية، ومتغناة متغنية،
١٥٠ - وأنشد:
نضرب بالسّيف ونرجوا بالفرج (١)
أورده شاهدا على زيادة الباء في المفعول، وهي الثانية. وأما الاولى فللاستعانة.
١٥١ - وأنشد:
تبلت فؤادك في المنام خريدة تسقي الضّجيع ببارد بسّام (٢)
هذا مطلع قصيدة لحسان بن ثابت ﵁ يذكر فيها الحارث بن هشام وهزيمته يوم بدر، وبعده:
كالمسك تخلطه بماء سحابة أو عاتق كدم الذّبيح مدام
أمّا النّهار فلا افتر ذكرها واللّيل توزعني به أحلامي
أقسمت أنساها وأترك ذكرها حتّى تغيّب في الضّريح عظامي
بل من لعاذلة تلوم سفاهة ولقد عصيت على الهوى لوّامي
إن كنت كاذبة الّذي حدّثتني فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبّة أن يقاتل دونهم ونجا برأس تمرّة ولجام
_________________
(١) رجز لم يذكر قائله. وصدره: نحن بني ضبّة أصحاب الفلح وهو في الخزانة ٤/ ١٥٩
(٢) ديوانه ٣٦٢، والاغاني ٤/ ١٣٧، وسيرة ابن سيد الناس ١/ ٢٩٠.
[ ١ / ٣٣٢ ]
تبلت: بمثناة فوقية ثم موحدة، أي أفسدت. قال: تبّله الحب: أي أسقمه وأفسده. والفؤاد: القلب على المشهور. وقيل: باطن القلب. وقيل: غشاؤه.
والخريدة. من النساء: الحيية، وقيل العذراء. وخاؤها معجمة ودالها مهملة.
والضجيع الذي يضاجعها الى جنبها. والمراد بالبارد: البسام الثغر. ويروى: تسقى، وتشفى. والعاتق: الخمر. طمرّة: بكسرتين وتشديد الراء. قال في الصحاح:
فرس تمرّ بتشديد الراء وهو المستعد للوثب والعدو (١).