قال المفضل: أفنون هذا لقب، واسمه صريم بن معشر بن ذهل بن تيم بن عمرو بن مالك بن حبيب - مصغر - ابن عمرو بن غنم بن تغلب. لقى كاهنا في الجاهلية فقال له انك تموت بمكان يقال له (إلاهة) فمكث ما شاء الله، ثم إنه سافر في ركب من قومه إلى الشام، فضلوا الطريق فقال لرجل: كيف نأخذ؟ فقال: سيروا فإذا رأيتم مكان كذا وكذا حيي لكم الطريق ورأيتم إلاهة، فلما رأوها نزل أصحابه وأبى أن ينزل، فبينا ناقته ترعى إذ لدغتها أفعى في مشفرها، فاحتكت بساقه والحية معلقة بمشفرها فلدغته في ساقه فمات منها. وفي الوشاح لابن دريد أنه لقب أفنونا لقوله:
منّيتنا الودّ يا مضنون مضنونا أزماننا إن للشّبّان أفنونا
_________________
(١) في الخزانة: (ضربهما مثلا لأسافل الناس، يريد: لما اخطؤوا في أمري وأصروا قصدت أراذل الناس).
(٢) ١/ ٢٣.
(٣) ٢/ ٥١.
[ ١ / ١٤٦ ]
وفي المؤتلف للآمدي أن اسمه ظالم.
٥٦ - وأنشد:
ما تنقم الحرب العوان منّي بازل عامين حديث سنّ
لمثل هذا ولدتني أمّي
هو لأبي جهل في وقعة بدر.
وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده عن عبد الله بن مسعود قال: دفعت إلى أبى جهل يوم بدر وهو يقول (١):
ما تنقم الحرب العوان منّي بازل عامين سديس سنّي
لمثل هذا ولدتني أمّي
فدنوت منه فضربته فقتله الله. وأخرجه ابن إسحق في مغازيه بلفظ حديث سنّي.
وذكره المبرد في الكامل بلفظ: حديث سنّ، بالاضافة، كما أورده المصنّف (٢).
قوله: تنقم، بكسر القاف، مضارع نقم، بفتحها أي تكره. والعوان من الحروب:
التي قوتل فيها مرّة، كأنهم جعلوا الأولى بكرا. والبازل: اسم فاعل، من بزل البعير يبزل بزولا، أي انشق نابه، ذكرا كان أو أنثى، وذلك في السنة التاسعة، وربما بزل في الثامنة. والمراد في البيت: وصفه بالقوّة والجلادة، تشبيها بالبعير البازل، لأنه يكون في هذا السنّ كامل القوة شديد الصلابة. والحديث السنّ الشاب وأما سديس فمن قولهم أسدس البعير اذا ألقى السنّ بعد الرباعية وذلك في السنة الثامنة (٣). وأما السدس، بالتحريك، فالسنّ قبل البازل. قال في الصحاح:
الأثاث في أسنان الابل كلها بالهاء إلّا السدس. والسديس والبازل فيستوى فيها
_________________
(١) إنباه الرواة ٢/ ٣٧١ وسيرة ابن هشام ١/ ٧١ واللسان (بزل) و(نقم) (وعون)، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٤٧.
(٢) الكامل ٨١٠.
(٣) انظر اللسان (بزل)، وتعليق العلامة المرصفي على الكامل ص ٨١٠.
[ ١ / ١٤٧ ]
المذكر والمؤنث، وجمع السديس: سدس، بضمتين، كرغيف ورغف، وجمع السدس: سدس، بضمة فسكون، كأسد وأسد، انتهى. وقد أعاد المصنف هذا الرجز في الكتاب الثامن. ثم رأيت ابن عساكر أخرج في تاريخه من طريق مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيت عليّ بن أبي طالب بارز يوم بدر، فجعل يحمحم كما يحمحم الفرس، ويقول:
بازل عامين حديث سنّي سنحنح اللّيل كأنّي جنّي
لمثل هذا ولدتني أمّي
قال: فما رجع حتى خضب سيفه دما.
٥٧ - وأنشد:
أيا شجر الخابور مالك مورقا كأنّك لم تجزع على ابن طريف (١)
هذا من أبيات ليلى بنت طريف التغلبية، ترثي أخاها الوليد، وقيل اسمها سلمى (٢) وأوّلها:
بتلّ نباتا رسم قبر كأنّه على علم فوق الجبال منيف (٣)
تضمّن جودا حاتميّا ونائلا وسورة مقدام وقلب حصيف
_________________
(١) حماسة البحتري ٤٣٥. والامالي ٢/ ٢٧٤، واللآلي ٩١٣، وشرح التبريزي على حماسة أبي تمام ٣/ ٧٠ و١٠٨، والأغاني ١٢/ ٩٢ و٩٦ (دار الكتب).
(٢) اختلف في اسمها فقيل (ليلى) و(سلمى) و(الفارعة) أو (فاطمة).
(٣) اختلف في رسم هذا الموضع، ففي حماسة البحتري (تل تباثا)، وفي الأغاني (نباثا)، وفي ابن خلكان (نهاكى) وزاد ابن خلكان فقال: (وتل نهاكى أظنه في بلد نصيبين، وهو موقع الواقعة المذكورة). ومثله في الكامل لابن الأثير ٦/ ٩٨ وأظنه انا (نباتى) وهو موقع في رأس العين، وانظر البكري ٩٨٦ و١٢٩١.
[ ١ / ١٤٨ ]
ألا قاتل الله الجثا حيث أضمرت فتى كان للمعروف غير عيوف
خفيف على ظهر الجواد إذا عدا وليس على أعدائه بخفيف
أيا شجر الخابور البيت:
فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقى ولا المال إلّا من قنا وسيوف
حليف النّدى ما عاش يرضى به النّدى فإن مات لم يرض النّدى بحليف
فقدناه فقدان الرّبيع وليتنا فديناه من ساداتنا بألوف
وما زال حتّى أزهق الموت نفسه شجى لعدوّ أو لجا لضعيف
ألا يا لقومي للحمام وللبلى وللأرض همّت بعده برجوف
ألا يا لقومي للنّوائب والرّدى ودهر ملحّ بالكرام منيف (١)
فإن يك أرداه يزيد بن مزيد فربّ زحوف لفّها بزحوف
عليك سلام الله وفقا فإنّني (٢) أرى الموت وقّاعا بكلّ شريف
وفي تاريخ الذهبي: حين قتل الوليد بن طرفى (٣) الخارجي في سنة تسع وسبعين ومائة، وكان قد اشتدت البلية به وكثر جيشه، فسيّر إليه الخليفة هرون الرشيد يزيد بن مزيد الشّيباني، فراوغه يوم التقاه يزيد على غرّة بقرب هيت فظفر به فقتله. وفي ذلك تقول الفارغة أخت الوليد فذكر الأبيات. السورة: السطو.
المقدام: الكثير الاقدام على العدوّ. والحصيف، بمهملتين، وفاء المحكم العقل.
والجثاء، بجيم ومثلثة، جمع جثوة، بتثليث الجيم، وهي الحجارة المجموعة (٤).
_________________
(١) في المراجع السابقة: (عنيف).
(٢) في المراجع السابقة برواية: (فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني).
(٣) كذا بالاصل، صحتها (طريف).
(٤) وفي حديث عامر: (رأيت قبور الشهداء جثا) يعني أتربة مجموعة.
[ ١ / ١٤٩ ]
وعيوف: من عاف الشيء أي كرهه (١). والخابور، قال في الصحاح: موضع بناحية الشام. وقال غيره: الصواب إنه نهر بالجزيرة، وكذا في القاموس. والقنا: جمع قناة، وهي الرمح. والشجى: ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره. واللجاء بالتحريك، الملجأ، وترك همزه في البيت للضرورة.
٥٨ - وأنشد:
في كلّ ما يوم وكلّ ليلاه (٢)
وأنشده ابن الأعرابي، وصدره:
يا ويحه من جمل ما أشقاه
٥٩ - وأنشد:
دويهية تصفرّ منها الأنامل
هو من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابي ﵁ أوّلها (٣):
ألا تسألان المرء ماذا يحاول أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
أرى النّاس لا يدرون ما قدر أمرهم بلى كلّ ذي لبّ إلى الله واسل
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل وكلّ نعيم لا محالة زائل
وكلّ أناس سوف يدخل بينهم دويهيّة تصفرّ منها الأنامل
وكلّ امرئ يوما سيعلم غيبه إذا حصلت عند الإله المحاصل
_________________
(١) وفي الأغاني: (عفيف).
(٢) اللسان (ليل).
(٣) الخزانة ٢/ ٥٦١، والشعراء ٢٣٧
[ ١ / ١٥٠ ]
إذا المرء أسرى ليلة خال أنّه قضى عملا، والمرء مادام عامل
فقولا له، إن كان يقسم أمره: ألمّا يعظك الدّهر؟ أمّك هابل
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب لعلّك تهديك القرون الأوائل
فإن لم تجد من دون عدنان والدا ودون معدّ فلتزعك العواذل
وهي أكثر من خمسين بيتا يمدح بها النعمان، والبيت الأوّل استشهد به المصنف في (ماذا) على أن (ما) استفهام مبتدأ و(اذا) بعدها موصولة، ويحاول صلتها، والعائد محذوف، وهو من حاولت الشيء أردته. والنحب، بفتح النون وسكون الحاء المهملة، المدة والوقت. يقال: قضى فلان نحبه، إذا مات. والمعنى: هلا تسأل المرء ماذا يطلب باجتهاده في الدنيا وتتبعه إياها، أنذرا وجب على نفسه أن لا ينفك عن طلبه، فهو يسعى لقضائه؟ أم هو في ضلال وباطل.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس: ان نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ) قال: أجله الذي قدّر له. قال: وهل قالت العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول لبيد: ألا تسألان المرء البيت.
ونحب: بدل من ما بدل تفصيل، وهو الذي دل على أن (ما) مرفوعة المحل، ويقضي منصوب بالتقدير، لأنه جواب الاستفهام. وتسألان:
خطاب للاثنين، وأراد به الواحد، لأن من عادة العرب أن يخاطبوا الواحد بصيغة الاثنين كما في: (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ)، وكأنهم يريدون بها التكرار للتأكيد، فكان المعنى الاتسأل. والبيت الثالث أورده المصنف في حرف (الخاء) مستدلا به على تعين النصب بخلا، إذا تقدمها ما. وأورده في (كل) مستشهدا به على مراعاة معناها إذا أضيفت إلى نكرة، واستدل النحويون به على الاعتراض بالاستثناء بين المبتدأ والخبر. قال شيخ ابن الخباز: ليس هذا باستثناء بل ما زائدة وخلا الله صفة لكل أو لشيء. والمعنى: كل شيء غير الله باطل، والباطل في الأصل غير الحق، والمراد به
هنا الهالك. ولا محالة: بالفتح، أي لا بد. وقيل لا حيلة. والبيت الرابع استشهد به
[ ١ / ١٥١ ]
لمصنف هنا وفي (رب) كالكوفيين، على أن التصغير يرد للتعظيم إذ المعنى داهية عظيمة. وقد أجيب عنه بأنها صغرت لدقتها وخفائها فهو راجع إلى معنى التقليل.
وفي المحكم: انه خويخية بمعجمتين بمعنى دويهية. وقوله (أرى الناس البيت).
أي إن الناس لا يدرون ما هم فيه من خطر الدنيا وسرعة فنائها، وأن كل ذي عقل متوسل إلى الله بصالح عمل. وقوله: واسل، معناه ذو وسيلة، مثل: لابن وتامر.
وألمّا: هي لمّا الجازمة، دخلت عليها همزة التوبيخ. وأمّك هابل: مبتدأ وخبر.
وقوله: فان أنت، أصله فإن إياك، ثم أبان المرفوع عن المنصوب، كقراءة الحسن (إياك نعبد) وقد أورده ابن قاسم في شرح الألفية شاهدا لذلك. وقيل: أصله، كأن ضللت لم ينفعك علمك. فاضمر الفعل لدلالة ما بعده عليه، فانفصل الضمير، ولعل للتعليل. والقرون: جمع قرن. قال الجوهري: والقرن من الناس أهل زمان واحد. ومعنى البيت والذي يليه: أن غاية الانسان الموت، فينبغي له أن يتعظ بأن ينسب نفسه إلى عدنان أو معدّ، فإن لم يجد من بينه وبينهما من الآباء باقيا فليعلم أنه يصير إلى مصيرهم، فينبغي له أن ينزع عما هو عليه. وقوله: فلتزعك، بالزاي، يقال: وزعه يزعه إذا كفه. والعواذل هنا: حوادث الدهر وزواجره. وإسناد العذل إليها مجاز، ونصب (دون) بالعطف على محل من دون، لأن معنى: إن لم تجد من دون عدنان، وإن لم تجد دون عدنان واحد، قاله المصنف في شواهده.
وقد استشهد المصنف بهذا البيت في الكتاب الرابع على انه لا يختص مراعاة الموضع في العطف أن يكون العامل في اللفظ زائدا.