/ بسم الله الرحمن الرحيم [٢ أ]
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله
الحمد لله الذي شرح صدر مَن تأدَّب، ورفع قدر مَن تأهَّل للعلم وتأهَّب، وجمَّل مَن تدرَّع لباس الفضل وتدرَّب، وكمَّل مَن ترقَّى إلى غاية ما ترقَّب.
أحمده على نعمه الوافرة، وأشكره على مِننه المتكاثرة، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد الخلق المخصوص بجوامع الكَلِم، وأفصح ناطق صرف عنان لفظه، وأبلغ صادق أرهف سنان وعظه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين تمسَّكوا بآدابه، وسبقوا إلى مدى لم يطمع أحد من بعدهم في غاية سكابه، صلاة تطول لهم بها القصور، وتحيط بهم بركتها إحاطة الهالات (١) بالبدور،
وبعد
فإنّ القصيدة الموسومة بلامية العجم، رحم الله ناظم عقدها، وراقم بردها، تعاطى الناس مدام أكوابه، وتجاذبوا هُدَّاب أهدابه، أهانت الدرّ حتى ما ثمن، وأرخصت قيمة الأمثال والخطباء، كأنّ ناظمها خاض في البحر فأتى بدرّ منضودة، وارتقى إلى السماء فجاء بالدراري من الأفق معقودة.
شعر (٢) (من البسيط)
فما لها في الورى مثل يناظرها وكم لها سار بين الناس من مثل
أقمارها في تمام النظم قد طلعت تسير في أوج معناها ولم تفُل
وزهرها لم تزل تذري عصارته لأن منبته في روضها الخَضِل
/يرتاح سامعها حتى يهزّ لها من التعجب عطف الشارب الثمل [٢ ب]
فلا تَعِرْ غيرها سمعا ولا بصرا في طلعة الشمس ما يُغنيك عن زُحل
وقد شرحها أوحد زمانه، وفريد أوانه، الشيخ صلاح الدين الصفدي، سقى الله ثراه، وجعل الجنة مأواه شرحا تضرب أباط الإبل فيما دونه، وتقف فحول الرجال عنده ولا يعدونه، والتزم أن يذكر فيه ما سمع فوعى، وما جمع فأوعى، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة من فوائده وفرائده إلاّ أظهرها، ولا نكتة بديعة من لطائف معناه إلاّ وفي ذلك الكتاب سطرها،
_________________
(١) الهالات: جمع هالة، والهالةُ: دارة القمر؛ قال ابن سيده: وإِنما قضينا على عينها أَنها ياء لأَن فيه معنى الهَيُول الذي هو ضوء الشمس، فإِن قلت: إِن الهَيُول رومية والهَالة عربية كانت الواو أَولى به لأَنّ انقلاب الأَلف عن الواو وهي عين أَكثر من انقلابها عن الياء كما ذهب إِليه سيبويه، والجمع هالاتٌ. لسان العرب (هيل).
(٢) يبدو أنّ هذا الشعر للصفدي - شارح لامية العجم.
[ ٨ ]
ولله درّه، فقد أودعه فوائد جمة، ومسائل مهمة، وكنت حين سمعت بهذا الكتاب، أطلبه من أُولي الألباب، وأحثّ في الوصول إليه من العزم الخيل والركاب، إلى أنْ يسّر الله تعالى الوقوف عليه في هذا العام، فوجدته كبحر أجاج، متلاطم الأمواج، ريحه عاصف، ووبله واكف، وجواهره منضودة، وفرائده معقودة، لم يُنسج في فنه على منواله، ولا سمحت قريحة بمثاله، وقد جمع من كل فن عرنيده (١)، ومن كل عالم تالده وطريده، فكان حقه أن يقال فيه (٢): (من الخفيف)
هكذا هكذا وإِلا فلا لا طُرُقُ الجدِّ غَيْرُ طُرْقِ المِزاحِ
غير أنه ينتقل فيه من علم إلى علم، ومن نكتة إلى نكتة، ومن غريبة إلى غريبة، وكأنه تمسك بقول القائل (٣): (من البسيط)
لا يُصلِحَ النَفسَ إِذْ كانَت مُدبرةً إِلّا التَنَقُّلُ مِن حالٍ إِلى حالِ
فهو غريب في بابه، عزيز عند طلابه، ومع ذلك اعتذر بخشية الإطالة، واجتنبها خوفا من عدم الإقالة، وذكر أنه حين علّقه كان في هموم / علم الله ترادف نعوتها، وانكشاف غمائم [٣ أ] غمها وعيوبها، هذا والزمان قصير، والعلم جمع غزير، فاستخرت الله تعالى - وله الخيرة - في تلخيصه وتهذيبه، سالكا فيه طريقته في ترتيبه؛ ليكون ذلك سببا لتحصيل مقصوده، وكالرمز على حلّ عقوده؛ فكتبت هذه الأوراق، مستعينا بالمهيمن الخلاق أن يجيرني وأحبائي من عوارض الأيام، وأن يجعلني من العلماء الأعلام، وأن لا يجعل سعينا في طلب العلم وبالا، وأن يحل علينا منة ورحمة وإفضالا.