وأما إياس، فهو أبو واثلة بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رباب المزنيّ، قاضي البصرة. وسبب قضائه أنّ عمر بن عبد العزيز ﵁ كتب إلى عديّ بن أرطأة عامله على البصرة؛ أن اجمع إياس بن معاوية المزنيّ والقاسم بن ربيعة الحارثيّ، فولّ القضاء أنفذهما وأفقههما. فجمع بينهما، فقال كلّ واحد: إنّ صاحبه أنفذ وأفقه، فقال له إياس: سل عنّي وعن القاسم فقيهي المصر: الحسن وابن سيرين- وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما- فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا به، فقال القاسم: لا تسأل عني ولا عنه؛ فو الله الذي لا إله إلا هو؛ إن إياسا لأفقه منّي، فإن كنت كاذبا فما عليك إلا ألّا تولّيني وأنا كاذب، وإن كنت صادقا فينبغي لك أن تقبل قولي. فقال له إياس:
إنك جئت برجل، فوقفته على شفير جهنم، فنحي نفسه منها بيمين كاذبة يستغفر الله منها، وينجو مما يخاف، فقال له عديّ: أما إنك إذ فهمتها فأنت لها؛ فاستقضاه.
وقال إياس ﵀: أرسل إليّ ابن هبيرة فأتيته، فسألني فسكتّ، فلمّا أطلت قال: هيه! قلت: سل عمّا بدا لك، قال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: أتفرض الفرائض؟ قلت: نعم، قال: أتعرف من أيام العرب شيئا؟ قلت: نعم، قال: أتعرف من أيام العجم شيئا؟ قلت: أنا بها أعرف، قال: إني أريد أن أستعين بك على عملي، قلت:
إن فيّ خصالا ثلاثا لا أصلح معها للعمل، قال: ما هي؟ قلت: أنا دميم كما ترى، وأنا عييّ، وأنا حديد، قال: أمّا دمامتك فإني لا أريد أن أحاسن بك الناس، وأما العيّ فإني أراك تعرب عن نفسك، وأما الحدّة فإن السوط يقوّمك، قم. فولّاني القضاء، وأعطاني عشرة آلاف درهم، فهي أول مال تموّلته.
[ ١ / ٢٠٢ ]
ودخل عليه عديّ بن أرطأة في مجلس القضاء- وعديّ أمير البصرة، وكان أعرابيّ الطبع- فقال: يا هناه، أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط، قال: فاسمع مني، قال:
للاستماع جلست، قال: إني تزوّجت امرأة، قال: بالرّفاء والبنين، قال: وشرطت لأهلها ألّا أخرجها من بينهم، قال: أوف لهم بالشرط، قال: فأنا أريد الخروج، قال: في حفظ الله، قال: فاقض بيننا، قال: قد فعلت، قال: فبم تحكم؟ قال: بألّا تخرجها، قال:
بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالتك.
وأول ما ظهر من ذكائه، أنه دخل دمشق، وهو غلام، فتحاكم مع شيخ عند قاضيها، فصال إياس بحدّته على الشيخ، فقال له القاضي: إنه شيخ كبير، فخفّض كلامك، فقال له إياس: الحقّ أكبر منه، فقال له القاضي: أسكت، فقال: ومن ينطق بحجّتي؟ فقال له القاضي: ما أراك تقول حقّا، فقال إياس: لا إله إلا الله، أحقّ هذا أم باطل؟ فدخل القاضي من فوره إلى عبد الملك بن مروان، فأعلمه بما رأى من ذكائه، فقال له عبد الملك: أخرج فاحكم بينهما، وأخرجه الآن من دمشق إلى بلاده لئلّا يفسد على أهل الشام.
ولما دخل عبد الملك البصرة رأى إياسا وهو صبيّ، وخلفه أربعة من القرّاء أصحاب الطيالسة، وإياس يقدمهم، فقال عبد الملك: أفّ لهذه العثانين؛ أما فيهم شيخ يقدّمهم غير هذا الحدث! ثمّ التفت إليه، وقال: كم سنّك؟ فقال: سنّي- أطال الله بقاء الأمير- سنّ أسامة بن زيد بن حارثة حين ولّاه رسول الله ﷺ جيشا فيهم أبو بكر وعمر؛ فقال: تقدّم بارك الله فيك، وكان سنّه سبع عشرة سنة.
وأمّا ذكاؤه وفراسته، فقد ألّف في ذلك المدائنيّ كتابا سمّاه كتاب «زكن إياس»، والزّكن: التشبيه، يقال: زكّن عليهم وزكّم: شبّه وخيّل، وقيل: الزّكن: الظنّ والتفرّش.
ومن زكنه أنه اختصم إليه رجلان في قطيفتين: حمراء وخضراء، فقال أحدهما: دخلت الحوض لأغتسل ووضعت قطيفتي، ثم دخل واغتسل، فخرج قبلي، وأخذ قطيفتي، فتبعته، فزعم أنها قطيفته، فقال: ألك بيّنة؟ قال: لا، قال: ائتوني بمشط، فأتي به، فسرّح رأس هذا، ثم هذا، فخرج من رأس أحدهما صوف أحمر، ومن رأس الآخر أخضر، فقضى بالأخضر لصاحب الأخضر، وبالأحمر لصاحب الأحمر.
وأتى المدينة فصلّى في مسجد رسول الله ﷺ، فزكنه أهله حتى صاروا فرقتين:
فرقة تزعم أنه معلم، وأخرى تزعم أنه قاض، ثم وجّهوا إليه رجلا، فأخبره خبرهم، فقال: أصاب الذين ذكروا أني قاض، ورويدا أخبرك عن القوم؛ أمّا الذي من صفته كذا فهو كذا، وأما الذي يليه فهو كذا، وأما ذاك الشيخ فإنه نجار، فقال الرجل: في كلّهم والله أصبت إلّا في الشيخ، فإنه من قريش، فقال إياس: وإن كان من قريش! فقام الرّجل إلى أصحابه، فقال: قد جئتكم من عند أعجب النّاس، والله إن منكم من أحد إلّا أخبرني
[ ١ / ٢٠٣ ]
بصناعته إلّا هذا فزعم أنه نجّار، فقال: صدق والله؛ إني لأنجر عيدان جواريّ- يعني عود المزمار.
ونظر إلى ثلاث نسوة فزعن من شيء، فقال: هذه حامل، وهذه مرضع، وهذه بكر، فسألن فوجدن كذلك، فسئل من أين لك علم ذلك؟ فقال: لمّا فزعن وضعت كلّ واحدة منهنّ يدها على أهمّ المواضع لها، فوضعت المرضع على ثديها، والحامل على بطنها، والبكر على فرجها.
وسمع نباح كلب لم يره، فقال: هذا نباح كلب مربوط على شفير بئر، فنظر فكان كما قال، فقيل له في ذلك، فقال: سمعت عند نباحه دويّا، ثم سمعت بعده صدى يجيبه، فعلمت أنه عند بئر.
ومن فراسته أنه رأى أثر اعتلاف بعير، فقال: هذا بعير أعور، فنظروا فكان كما قال، فقيل له في ذلك، فقال: لأني وجدت اعتلافه من جهة واحدة.
ولما صار ذكاؤه يضرب به المثل، كما يضرب بجود حاتم وحلم الأحنف وشجاعة عمرو بن معد يكرب، نظمهم حبيب في بيت جمع فضلهم المتفرّق للعباس بن المأمون، فقال: [الكامل]
إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس (١)
وتوفّي سنة اثنتين وعشرين ومائة وأخباره كثيرة، وفيما أوردناه كفاية.
***
فعرّفته حينئذ شخصي؛ وآثرته بأحد قمصي، وأهبت به إلى قرصي، فهشّ لعارفتي وعرفاني، ولبّى دعوة رغفاني، وانطلق ويدي زمامه، وظلّي إمامه، والعجوز ثالثة الأثافي، والرّقيب الّذي لا يخفى عليه خافي. فلمّا استحلس وكنتي، وأحضرته عجالة مكنتي، قال لي: يا حارث، أمعنا ثالث؟ فقلت: ليس إلّا العجوز، قال: ما دونها سرّ محجوز. ثمّ فتح إحدى كريمتيه، ورأوا بتوأمتيه، فإذا سراجا وجهه يقدان، كأنّهما الفرقدان. فابتهجت بسلامة بصره، وعجبت من غرائب سيره، ولم يلقني قرار، ولا طاوعني اصطبار، حتى سألته: ما دعاك إلى التّعالي؛ مع سيرك في المعامي، وجوبك الموامي، وإيغالك في المرامي!
***
قوله: «أهبت به»، أي دعوته، وأصل «أهاب» دعا لنفسه من بعد. وقيل: الإهابة
_________________
(١) البيت في ديوان أبي تمام ص ١٧٤.
[ ١ / ٢٠٤ ]
دعاء الإبل للشرب. والقرص: رغيف صغير سمّي قرصا، كأنه قرص من العجين، أي قطع، والتقريص: التقطيع. هشّ: خف فرحا. والعارفة، يريد النعمة وهي المعروف.
لبّى: أجاب وقال: لبّيك، ومصدره تلبية وهي «تفعلة»، من الإلباب وهو اللّزوم، ولبّ بالمكان وألبّ به: أقام، وأصله لبّب بثلاث باءات، فأبدلوا الآخرة ياء استثقالا لاجتماع الأمثال، كما قالوا: تظنّيت وتمطّيت، فالياء فيهما بدل من مثل الحرف الذي قبلها، ثم أتبعوه الإبدال في المصدر وهو تلبية، فياؤه باء، وقولهم: لبّيك، معناه إجابة بعد إجابة، ولزوما لطاعتك بعد لزوم. رغفان: جمع رغيف، يريد أنه لمّا سمع بذكر الخبر، فكأنّ الخبر دعاه فأجابه. زمامه: مقوده. إمامه: هاديه. الأثافيّ: حجارة القدر، وهي ثلاث، والعرب تقول: رماه الله بثالثة الأثافيّ- يعنون بها الجبل، لأنهم يجعلون حجرين ويلصقونهما بالجبل، فيقوم الجبل مقام الحجر الثالث، واحدتها أثفيّة بالتشديد، وقد تخفّف، وقد أثفيت القدر وأثفتها وثفّيتها، وتسمّي العرب أثافيّ الحديد المنصب.
الرقيب: الحافظ، يريد الله تعالى. استحلس وكنتي، أي دخل، بيتي، وجلس على جلسه، وهو ما يبسط تحت بسطه؛ يقيها الأرض، وفلان حلس بيته، أي لازم القعود فيه، وفي الحديث: «كن في الفتنة حلس بيتك» (١)، أي لا تدخل فيها، والحلس: كساء يلي ظهر البعير تحت البرذعة ويلزمه، فشبّه الذين يعرفون الشيء ويلزمونه بالحلس، ومنه قولهم: لست من أحلاسها، أي من أصحابها العارفين بها. ومنه بنو فلان أحلاس الخيل، أي الذين يضمّرونها ويلزمون ظهورها، وأحلاس القوافي: المجيدون في نظم الشعر، والوكنة: الثقبة في الحائط يسكنها الطائر، وقيل: هي الموضع من الشجرة وغيرها، يقع عليه للمبيت، وهي الوكن، ووكن الطائر وكنا، فهو واكن إذا حضن على فرخه، فلزم وكنته. عجالة مكنتي: ما تعجّل وأمكن من الطعام. محجوز: ممنوع، وحجزت الشيء: حزته ومنعته، وحجزت بين الشيئين حجزا، فأنا حاجز، إذا جعلت بينهما حائلا، والمفعول محجوز، ومنه الحجاز؛ لأنها أرض حجزت بين نجد والسّراة. كريمتيه:
عينيه، وفي الحديث قال النبي ﷺ: «ما من عبد أذهب الله كريمتيه إلا كان ثوابه عند الله الجنة» قالوا: وما كريمتاه؟ قال: عيناه (٢). رأرأ: قلبهما وأدارهما إدارة كثيرة. وتوأمتاه:
كريمتاه، وقوله: «مسح كريمتيه»، يريد أنه حكّهما بكفّه، فانتفض عنهما ما كان ألصقهما به، حتى التحما. وقيل: رأرأ: أدار العين وحدّد نظرها. وتوأمتاه: عيناه، وفي الغريب المصنّف: رأرأت المرأة بعينها ولألأت، إذا برقت عينها، وأنشد ابن الأعرابيّ: [الطويل]
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الفتن باب ٢، والدارمي في المقدمة باب ٢٧، وأحمد في المسند ٤/ ٤٠٨، جميعهم برواية: «كونوا أحلاس بيوتكم».
(٢) روي بطرق وأسانيد متعددة أخرجه الترمذي في الزهد باب ٥٨، وأحمد في المسند ٣/ ٢٨٣، ٥/ ٢٥٨، ٦/ ٣٦٦.
[ ١ / ٢٠٥ ]
عجبت من الحور الكريم نجارها ترأرئ بالعينين للرجل الحبل (١)
الحبل: الداهية. الفرقدان: نجمان منيران في بنات نعش. ابتهجت: فرحت.
سيره: عاداته. يلقني قرار: يحبسني سكون وطمأنينة. التّعامي: استعمال العمى.
المعامي: الطرق المجهولة، وقيل: القفار البعيدة التي تعمى فيها الآثار فلا يهتدى فيها.
الموامي: القفار، واحدها موماة. إيغالك: إبعادك ومبالغة دخولك. المرامي: المقاصد والبلاد التي ترميه إلى بلاد أخرى؛ يقول: سألته ما الذي دعاك إلى استعمالك العمى مع دخولك لطلبك الرزق في المشقات وجوب البلاد البعيدة، فلم تجد لنفسك حيلة حتى تشبّهت بالعميان!
***
فتظاهر باللّكنة، وتشاغل باللهنة، حتى إذا قضى وطره، أتأر إليّ نظره؛ وأنشد: [الطويل]
ولمّا تعامى الدّهر وهو أبو الورى عن الرّشد في أنحائه ومقاصده
تعاميت حتى قيل إني أخو عمى ولا غرر أن يحذو الفتى حذو والده
ثمّ قال لي: انهض إلى المخدع فائتني بغسول يروق الطّرف، وينقّي الكفّ، وينعّم البشرة، ويعطّر النّكهة، ويشدّ اللّثة، ويقوّي المعدة، وليكن نظيف الظّرف، أريج العرف، نقيّ الدّقّ، ناعم السّحق، يحسبه اللّامس ذرورا، ويخاله النّاشق كافورا، واقرن به خلالة نقيّة الأصل، محبوبة الوصل، أنيقة الشّكل، مدعاة إلى الأكل؛ لها نحافة الصّبّ، وصقالة العضب، وآلة الحرب، ولدونة الغصن الرّطب.
***
تظاهر: استعان. واللّكنة: احتباس اللسان؛ يريد: لمّا امتلأ فمه بالطعام- لم يتسرّح لسانه بالكلام، فوجد بذلك علّة لقطع الجواب، فكأنّ اللّكنة أعانته على ذلك.
اللهنة: الطعام المعجّل للضيف قبل الغداء، وكلّ ما تعجّلته قبل إدراك الطعام لهنة، ولهنت الضيف: علّلته بذلك. قضى وطره؛ أتمّ حاجته من الأكل، والوطر: المراد، ولا فعل له. أتأر: تابع نظره وحدّده. الورى: الخلق. أنحائه: أغراضه ومقاصده، والنّحو كالقصد. لا غرو: لا عجب. يحذو حذوه: أي يفعل فعله.
_________________
(١) يروى صدر البيت: فيا عجبا للخود تبدي قناعها والبيت بلا نسبة في لسان العرب (حبل)، وتهذيب اللغة ٥/ ٧٨، وتاج العروس (حبل).
[ ١ / ٢٠٦ ]