ومما يستحسن من تجنيس الصّلات الصّلاة، حكاية أحمد بن المدبر- وكان إذا مدحه شاعر ولم يرض شعره، قال لغلامه: امض به إلى المسجد فلا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة، ثم خلّه، فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدين- فجاء الحسين بن عبد الرحمن البصريّ المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد، فقال: أعرفت الشرط؟ قال نعم: وأنشد: [الوافر]
أردنا في أبي حسن مديحا كما بالمدح تنتجع الولاة
فقلنا أكرم الثقلين طرا ومن كفّاه دجلة والفرات
فقالوا يقبل المدحات لكن جوائزه على المدح الصّلاة
فقلت لهم: وما تغني صلاتي عيالي، إنّما تغني الزكاة!
فأمّا إذ أبى إلا صلاتي وعاقتني الهموم الشّاغلات
فيأمر لي بكسر الصّاد منها لعلّي أن تنشطني الصّلات
فيصلح لي على هذي حياتي ويصلح لي على هذي الممات
فضحك واستظرفه، وأمر له بمائة دينار، وقال: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أبي تمام: [الكامل]
هنّ الحمام فإن كسرت عيافة من حائهن فإنّهن حمام (١)
***
قوله: «مغالاة الصّدقات»، أي الزيادة في المهور، وغاليت: زدت في ثمن السّلعة ورددتها غالية، والصّدقات واحدتها صدقة، قال النبي ﷺ: «من يمن المرأة تيسير صداقها
_________________
(١) البيت في ديوان أبي تمام الطائي ص ٢٧٩.
[ ١ / ٤٧ ]
وخطبتها» (١)، قال عروة: وأنا أقول: من أول شؤمها أن يكثر صداقها. آثر: أفضل وأكثر أثرة. موالاة: متابعة. صحائف: جمع صحيفة، وهي الورقة يكتب فيها من الرّق والقرطاس، دعابة: مزاج، وفي فلان دعابة وتداعب الرّجلان: تمازحا، وفي الحديث:
«كانت فيه ﷺ دعابة» (٢)، وفي حديث جابر ﵁: «هلّا بكرا تداعبها وتداعبك!» (٣). الأقران: الأصحاب والأمثال. تلاوة: قراءة، وتلوته: قرأته، واختلفوا في اشتقاق القرآن، فقال أبو عبيدة: سمّي قرآنا لأنه يجمع السور ويضمها، قال الله تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ٣]، أي إذا جمعنا لك شيئا فضمّه واعمل به، وقال قطرب: سمّي قرآنا لأن القارئ يظهره ويبينه ويلقيه منّ فيه، من قول العرب: ما قرأت الناقة سلا قطّ، أي ما رمت به. قال النبي ﷺ: «إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد» قالوا: يا رسول الله. ما جلاؤها؟ قال: «قراءة القرآن» (٤).
تأمر بالعرف وتنتهك حماه وتحمي عن النّكر ولا تتحاماه، وتزحزح عن الظّلم ثم تغشاه، وتخشى النّاس والله أحقّ أن تخشاه ثمّ أنشد: [المجتث]
تبّا لطالب دنيا ثنى إليها انصبابه
ما يستفيق غراما بها وفرط صبابه
ولو درى لكفاه ممّا يروم صبابه
***
العرف، أي المعروف، تنتهك: تبالغ في تناوله بما لا يجوز. حماه: ما حمي منه ومنع، وأصل الحمى موضع العشب يحميه الرجل لإبله، وانتهاكه: استئصال عشبه بالرعي، ونهكت الجلد وانتهكته، إذا أخذته بشفرة حتى يرقّ ويضعف النّكر: المنكر.
تتحاماه: تتباعد عنه. تزحزح عن الظلم: تنحي عنه غيرك وتزيله، وتغشاه: تأتيه وتباشره، تخشى: تخاف، وقال ذو الرّمة في هذا المعنى وهو أحسن شعر قاله: [البسيط]
يا ربّ قد أسرفت نفسي وقد علمت علما يقينا لقد أحصيت آثاري
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٧٧، بلفظ: «إنّ من يمن المرأة تيسير خطبتها».
(٢) أخرجه البخاري في الأدب باب ٨١، وابن ماجة في الجهاد باب ٤٠، وأحمد في المسند ٣/ ٦٧.
(٣) روي بطرق وأسانيد مختلفة، وفي كتب الصحاح برواية: «هلّا بكرا تلاعبها وتلاعبك». أخرجه البخاري في البيوع باب ٣٤، والوكالة باب ٨، والجهاد باب ١١٣، والمغازي باب ١٨، والنكاح باب ١٠، ١٢١، ١٢٢، والنفقات باب ١٢، والدعوات باب ٣٥، ومسلم في الرضاع حديث ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٨، وأبو داود في النكاح باب ١٠، وابن ماجة في النكاح باب ٧، والدارمي في النكاح باب ٣٢، وأحمد في المسند ٣/ ٢٩٤، ٣٠٢، ٣٠٨، ٣٠٤، ٣٦٢، ٣٦٩، ٣٧٤، ٣٧٦.
(٤) لم أجد الحديث بهذا اللفظ في كتب الصحاح.
[ ١ / ٤٨ ]
يا مخرج الرّوح من نفسي إذا احتضرت وفارج الكرب زحزحني عن النّار (١)
دعا لنفسه أن يكون من الفائزين، لقوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [آل عمران: ١٨٥].
قوله «تبّا»، أي خسرانا وهلاكا، وتبّت يده: خسرت قال تعالى: وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود: ١٠١]، أي غير خسار وهلاك، قال الشاعر: [الوافر]
عرادة من بقيّة قوم لوط ألا تبّا لما عملوا تبابا (٢)!
ثنى: عطف ورد: انصبابه: جريه، يستفيق: يستريح، وأفاق من المرض: استراح، غراما: شدّة حبّ لازم له غير مفارق، ومنه سمّي الغريم لملازمته التقاضي وإلحاحه فيه؛ قال تعالى: إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا [الفرقان: ٦٥] أي ملحا دائما ومنه إِنَّا لَمُغْرَمُونَ [الواقعة: ٦٦]، وفلان مغرم بالنساء: يحبهن ويلازمهنّ، وقال حاتم: [الطويل]
فما أكلة إن نلتها بغنيمة ولا جوعة إن جعتها بغرام
أي بهلاك وملازمة.
فرط صبابة: شدة شوق ومجاوزة حدّ في ذلك. يروم: يطلب. صبابة. بقيّة الماء.
***