وأمّا بيت عديّ في الحمام فالحمام قد ذكر العرب لها في أشعارها، ونلمّ هنا بفصل منها؛ يروى عن علي ﵁ أنه اشتكى إلى رسول الله ﷺ الوحشة فقال له: «اتّخذ حمامة تؤنسك وتصيب من فراخها وتوقظك للصلاة بتغريدها» (١).
ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «اتخذوا الحمام فإنها تلهي الجن عن صبيانكم» (٢).
وروى جابر ﵁ أنه ﷺ كان يعجبه النظر إلى الحمام الأحمر وإلى الأترجّ.
وكان إبراهيم بن سيّار يعجب بالحمام، وكان إذا ذكرها يقول: إن الله جمع فيها حسن المنظر، وكريم المخبر؛ تكفيك مئونتها، وتكثر لديك معونتها؛ فهي للطارق عدّة وللمستوطن لذة، تطعم في الصحراء، وتعود عليك بالسراء ويأنس الوحيد بحركاتها، وتغنيه عن الأوتار بنغماتها؛ وغيرها من الطير يستعجم وهي ناطقة، وينفر عنك وهي داجنة، وفي طباعها سكون إلى الناس واستئناس بهم، وهي طير عفيف، يبقي الذكر بعد الأنثى مفردا، والأنثى مثل ذلك، مع شدة اتفاقهما على المحبة، إن طارا طارا معا، وإن وقعا وقعا معا، لها سرعة طيران لا تكاد تصيدها سباع الطير إلا بحيلة.
ولم تزل العرب تستحسن تسجيع الحمام وتغريد البلبل والورشان، وقد ذكرت العرب من رقة تسجيعه ما يبعث التذكر، ويولد الشجون، ويهيج الأسى، ويجدد رقة القلب؛ حتى يجعل البكاء فرضا معها، والتصابي لازما لأجلها وأعراب وادي القرى إذا ظفروا بشراب الطائف، أتوا حوائط النخل عند استعلاء الظهيرة، إذا صارت الوراشين
_________________
(١) لم أجد الحديث بهذا اللفظ ولا المعنى في كتب الصحاح.
(٢) أخرجه الطبراني في الجامع الصغير ١/ ٩، بلفظ: «اتخذوا هذه الحمام المقاصيص».
[ ١ / ٢٩ ]
والفواخت إلى تلك الظلال، فيشربون ويأنسون بتغريدهن، ويقيمون ترجيع أصواتهن مقام المزامير والأوتار وأنا أسوق من المنظوم ما يوافق هذا النثر، كقول أبي صخر الهذليّ: [الطويل]
ولما دعت غوريّة الأيك سجّعت فسجّع دمعي يستهل ويستشري
يذكرني شجوى دعاء حمامة ويبعث لوعات الصّبابة في صدري
بكت حزنا رزء الهديل وشفّني فراق حبيب ضاق عن فقده صبري
وأنشد الأصمعي قال: [البسيط]
أيّها البلبل المغرّد في النّخ ل غريبا عن أهله حيرانا
أفراقا تشكوه أم ظلت تدعو فوق أفنان نخلة ورشانا!
هاج لي صوتك المغرّد شجوا ربّ صوت يهيّج الأحزانا
وقال آخر: [الوافر]
أحنّ إلى حوائط ذات عرق لتغريد الفواخت والحمام
ألمّ بها بكلّ فتى كريم من الفتيان مخلوع الزّمام
وقال آخر: [الوافر]
إذا غنّت على الأغصان ورق أجبناها بإعمال المدام
وقال آخر: [الوافر]
سيغنيك عن مزمار آل محرّق ومربعهم تغريد تلك الحمائم
بأيكة أطيار تجاوبن بالضحى على باسقات مائلات نواعم
وأنشد أبو عليّ عفا الله تعالى عنه: [الطويل]
ومن بستان إبراهيم غنّت حمائم بينها فنن رطيب
فقلت لها وقيت سهام رام ورقط الريش مطعمها الحبوب
كما هيّجت ذا حزن معنى على أشجانه فبكى الغريب
وقال نصيب: [الوافر]
لقد هتفت في جنح ليل حمامة تبكي على إلف وإني لنائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا لما سبقتني بالبكاء الحمائم (١)
_________________
(١) البيتان للمجنون في ديوانه ص ١٨٦، والأغاني ٢/ ٦٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٧٣، ولنصيب في
[ ١ / ٣٠ ]
وأنشد أبو العباس لحميد بن ثور: [الطويل]
وما هاج هذا الشّوق إلا حمامة دعت ساق حرّ ترحة وترنّما (١)
محلّاة طوق لم يكن من تميمة ولا ضرب صوّاغ بكفّيه درهما
تغنّت على غصن عشاء فلم تدع لنائحة في نوحها متلوّما
إذا حرّكته الريح أو مال ميلة تغنّت عليه مائلا ومقوّما
عجبت لها أنّى يكون غناؤها فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما
فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ولا عربيّا شاقه صوت أعجما
وقال حبيب: [الكامل]
لتضعضعت عبرات عينيك أن دعت ورقاء حين تضعضع الإظلام (٢)
لا تشجينّ لها فإن بكاءها ضحك وإنّ بكاءك استغرام
هنّ الحمام، فإن كسرت عيافة من حائهنّ فإنّهنّ حمام
وسمع حبيب بخراسان غناء بالفارسية، فلم يدر ما هو، غير أنه شوّقه فقال: [الوافر]
حمدتك ليلة شرفت وطالت أقام سهادها ومضى كراها (٣)
سمعت بها غناء كان أولى بأن يقتاد نفسي من عناها
ومسمعة يحار السمع فيها ولم تصممه لا يصمم صداها
ولم أفهم معانيها ولكن ورت كبدي فلم أجهل شجاها
وظلت كأنني أعمى معنى يحبّ الغانيات ولا يراها
يعني بهذا الأعمى بشارا حيث يقول: [البسيط]
يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا (٤)
قالوا بمن لا ترى تهذي! فقلت لهم: الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
***
_________________
(١) - ديوانه ص ١٤، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٢٨٩، وبلا نسبة في الجنى الداني ص ٢٨٤، والحيوان ٣/ ٢٠٦.
(٢) الأبيات في ديوان حميد بن ثور ص ٢٤، ٢٧ ولسان العرب (حرر)، (سوق)، (حمم)، ومقاييس اللغة ٢/ ٦، ومجمل اللغة ٢/ ٨، وتاج العروس (حرر)، (علط)، (سوق)، (وحى)، وبلا نسبة في كتاب العين.
(٣) الأبيات في ديوان أبي تمام ص ٢٧٩.
(٤) ديوان أبي تمام ص ٤٦٧.
(٥) انظر الأغاني ٣/ ٢٣٨.
[ ١ / ٣١ ]
وأرجو ألّا أكون في هذا الهذر الذي أوردته، والمورد الذي تورّدته، كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفّه، فألحق بالأخسرين أعمالا الّذين ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا.
***
قوله: «الهذر الذي أوردته» أي الإكثار الذي أتيت به، وقد تقدّم المورد وتوردته:
اقتحمته. الباحث: المفتش، والظّلف: للبقر والغنم كالحافر للخيل والحمير. وهذا مثل للعرب؛ وذلك أن ما عزة كانت لقوم، فأرادوا ذبحها فلم يجدوا شفرة، فنبشت بظلفها في الأرض، فاستخرجت منها شفرة، فذبحوها بها، وقالوا: بحثت عن حتفها بظلفها، فسارت مثلا. وقال الشاعر: [الطويل]
وكانت كعنز السوء قامت بظلفها إلى مدية تحت الثّرى تستثيرها (١)
وقال أبو الأسود: [المتقارب]
فلا تك مثل التي استخرجت بأظلافها مدية أو بفيها (٢)
فقام إليها بها ذابح ومن يدع يوما شعوبا يجيها
ولفظ المثل عند أبي عبيد «كالعنز تبحث عن المدية» والجادع: القاطع الأنف.
والمارن: طرف الأنف، وأراد به قصيرا مولى جذيمة الأبرش. وقد ذكرنا قصته في شرح الرابعة والعشرين. ورجا المصنف ألا يدركه من الضرر ما أدركا من الضّرر حين جنيا على أنفسهما وانتفع غيرهما، ضلّ سعيهم: خابت أعمالهم، وأصل ضلّ، تحيّر فلم يدر أين يتوجّه، وأصل السعي المشي بسرعة، سمع أعرابيّ رجلا يقرأ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا [الكهف: ١٠٣]، فقال: أنا أعرفهم، قيل له: ومن هم؟ قال: الذين يبرّدون ويأكل غيرهم.
***
على أنّي وإن أغمض لي الفطن المتغابي، ونضح عنّي المحبّ المحابي، لا أكاد أخلص من غمر جاهل أو ذي غمر متجاهل، يضع منّي لهذا الوضع ويندّد بأنّه من مناهي الشّرع. ومن نقد الأشياء بعين المعقول، وأنعم النّظر في مبانيّ الأصول، نظم هذه المقامات، في سلك الإفادات وسلكها مسلك الموضوعات، عن العجماوات والجمادات.
***
_________________
(١) البيت للفرزدق في ديوانه ص ٧١.
(٢) البيتان في ديوان أبي الأسود الدؤلي ص ٢٢.
[ ١ / ٣٢ ]
أغمض: سامح وسد عينيه عمّا لم يرض، والفطن: الذكي. التغابي: المتجاهل عن الشيء وهو عارف به، وهو مما يحمد به الرجل، قال حبيب: [الكامل]
ليس الغبيّ بسيّد في قومه لكنّ سيّد قومه المتغابي (١)
ونضح بالماء: غسل. المحابي: الذي يفضّلني على غيري، وحباني: اختصني بالعطية، وأصل حاباه أن تعطيه ويعطيك، وقد يكون في معنى «حباه». الغمر: الجاهل ذي غمر: صاحب عداوة. متجاهل: مستعمل للجهل وهو على خلافه؛ يقول؛ إن سدّ عينيه عن عيبي فطن ذو عقل، أو تغابى حين يبصر لي خطأ، أو رأى لي ذلك العيب محبّ، فجعل يغسله عنيّ لمحبته لكلامي؛ فلا أخلص مع ذلك إما من جاهل يعيب ما لا يفهم، أو من عارف يظهر لي عداوة وحسدا، فيردّ حسني قبيحا، وهو عارف بحسني؛ فيشيع في الناس أن المقامات أكاذيب، وهو عارف بفضلها وما قصد بها.